كتاب التفسير من صحيح البخاري 136

كتاب التفسير من صحيح البخاري 136

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 136، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آيات العذاب في سورة الزمر ووضوح القرآن

يستعرض المقطع تفسير الإمام البخاري لآيات العذاب في سورة الزمر، موضحاً أن الكافر يُسحب على وجهه في النار ومقارناً ذلك بآية الأمن يوم القيامة. ويؤكد أن القرآن عربي مبين غير ذي عوج رداً على تأويلات الأشاعرة.

رد تأويل الأشاعرة لآيات الصفات ومثل العبد بين الشركاء والتوحيد

يرفض المتكلم قول الأشاعرة إن آيات الصفات غير مرادة بظاهرها، مشدداً على خلو القرآن من اللبس. ويضرب مثل العبد المملوك لشركاء متشاكسين مقابل العبد لسيد واحد لبيان استقرار التوحيد واضطراب الشرك.

الاعتصام بالله والاستعاذة به من شرور الجن والسحرة والحساد

يؤكد المقطع أن العبد المعتصم بالله لا يضره جن ولا أولياء مزعومون لأن النفع والضر بيد الله وحده. ويبين أن سورتي الفلق والناس هما أعظم التعاويذ للحماية من كل شر بما فيه السحرة والحساد.

خاتمة الدرس والإعلان عن الاستكمال

يختتم المتحدث الجلسة الحالية مكتفياً بما طرح، ويعلن عن استكمال الموضوع في الدرس القادم داعياً الحضور بالخير.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «سورة الزمر»، أي: ما جاء في تفسير سورة الزمر. قال: وقال مجاهد: ﴿ فَمَن يَتَّقِ بِوَجْهِهِ سُوَءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، قال: يجر على وجهه في النار. فمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة، يعني: يقابل النار بوجهه، لا يرد ولا يتقي النار بشيء، وإنما يتقيها بوجهه. ولهذا قال مجاهد رحمه الله: يجر على وجهه في النار، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾. فقوله جل وعلا: ﴿ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ﴾، أن تسحبهم الملائكة على وجوههم، فيدخلون النار بوجوههم، فيتقون النار بوجوههم. قد جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: كيف يمشون على وجوههم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «الذي أمشاهم في الدنيا على أرجلهم يمشيهم يوم القيامة على وجوههم». فهم يمشون على وجوههم حتى يدخلوا النار، ويستقبلوا النار بوجوههم. ﴿ أَفَمَن يَتَّقِ بِوَجْهِهِ سُوَءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، ﴿ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾. وقال هنا: لما البخاري - وهو قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ - أنا مثلها: ﴿ فَمَن يَتَّقِ بِوَجْهِهِ سُوَءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. هل هذا خير، أم أنه من يدخل الجنة؟ فلهذا قال الإمام البخاري: هذه الآية مثل قوله عز وجل: ﴿ أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. وهذا: ﴿ فَمَن يَتَّقِ بِوَجْهِهِ سُوَءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، ﴿ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾. هل هذه الحالة ترضي أحدًا؟ هل هذه الحالة أنه يلقى في النار، ويسحب على وجهه إلى نار جهنم، والعياذ بالله؟ فهذه حالة لا يرضاها أحد، فكيف بهذا الكافر وهذا الفاجر يختار هذه الطريقة؟ قال: ﴿ ذِي عِوَجٍ ﴾، أي: لبس. ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾، ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾، ليس فيه لبس أبدًا. القرآن كما قال الله عز وجل: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾. فليس في القرآن شيء من اللبس الذي يلبس على الناس وأيضًا يدلس عليهم. وهذا فيه رد على فرقة من فرق الأشاعرة، وهم أهل التجهيل. بل هذا مذهب الأشاعرة كلهم، الذين يقولون: إن آيات الصفات في القرآن غير مرادة، أن ظاهرها غير مراد، وأنه لا يوجد الأخذ بظاهر القرآن. وهذا كلام باطل، معناه: أن الله عز وجل ذكر لنا شيئًا وأراد غيره، وهذا لبس، وهذا لا يوجد في القرآن أبدًا. ﴿ قُرْآنًا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾، فليس فيه لبس، وليس فيه باطل، بل كله خير، وتعاليمه خير. وكذلك كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. فقال هنا: ﴿ ذِي عِوَجٍ ﴾، أي: ذي لبس. ﴿ رَجُلًا سَلِيمًا لِرَجُلٍ ﴾، أي: صالحًا. مثل لآلهتهم الباطل، والإله الحق. وهذا مثال ضربه الله عز وجل، ضربه في مملوك عن مملوك له شركاء متشاكسون. عبد مثلًا له أسياد، وهؤلاء الأسياد متشاكسون متخالفون، كل واحد يريد شيئًا، كيف سيكون مصير هذا العبد؟ سيتشتت، وأيضًا لا يستطيع أن يستقر له قرار. هذا يقول له: اذهب هنا، وهذا يقول له: اذهب هنا. وهذا مثال ضربه الله عز وجل للعبد الذي خلقه الله عز وجل وصيره عبدًا له، فكيف يكون عبدًا لغيره؟ كيف يكون عبدًا لغيره؟ فقال الله عز وجل: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلِيمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ﴾. عن العبد المملوك الذي يكون بين شركاء متشاكسون، بين شركاء متشاكسين، وأيضًا كذلك العبد الذي ليس له إلا سيد واحد، كيف سيكون حال هذا وحال ذاك؟ هل يستويان؟ لا، ما يستويان أبدًا. وهذا كما قلنا: مثال أراد الله عز وجل أن يضربه لهؤلاء المشركين الذين اتخذوا مع الله عز وجل آلهة أخرى. فلهذا قال: ﴿ صَالِحًا مَّثَلًا لِّآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلِ وَالْإِلَهِ الْحَقِّ ﴾. فأي: الله عز وجل هو الإله الحق الواحد سبحانه وتعالى، والعبد ليس له إلا هذا الإله. فإذا اتخذ آلهة أخرى، فهو قد شتت بنفسه، وقد خرج عن الطريق الصحيح. فلهذا قوله: ﴿ مُتَشَاكِسُونَ ﴾، أي: مختلفون ومتخالفون. قال: ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾، أي: بالأوثان. يخوفونك بالذين من دونه، أي: بآلهتهم. وهذه الآلهة هي الأوثان. كيف يخوفون النبي عليه الصلاة والسلام بآلهة لا تملك لنفسها شيئًا، ولا تضر ولا تنفع؟ ﴿ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾، ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴾. كيف تكون هذه الآلهة التي يخوفون نبي الله عليه الصلاة والسلام، الذي هو اعتمد في ربه جل وعلا، فلم يضره شيء، مادام أنهم اعتمدوا بالله جل وعلا؟ وهكذا العبد الصالح، فإنه لا يضره لا جن، ولا ما يقولون: أولياء، أو لا غيرهم، مادام أنه معتصم بالله جل وعلا. كان الناس لما كانوا يعتقدون في غير الله عز وجل، يخوفون الناس: سيأتي لك الولي الفلاني، سيأتي لك الجن الفلاني، وكذا. وهذا سيأتي لك في الليل، وهذا سيأتي كذا. وإذا لم تتقرب إلى فلان، أو إلى القبر الفلاني، سيأتيك في الليل، أو سيحصل لك كذا. كل هذا باطل، كل هذا باطل. وإنما النافع والضار هو الله عز وجل. فمن اعتصم بالله جل وعلا فقد هدي إلى صراط مستقيم. ﴿ وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ فَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾. فإذا اعتصمت بالله جل وعلا لا يضرك أي أحد. قال النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فلهذا الواجب على المسلم أن يجعل تعلقه بالله، لا يتعلق بشيء بغير الله عز وجل، ولا يخاف إلا من الله سبحانه وتعالى. معناه: لا يخاف خاصة خوف السر، خوف العبادة. معناه: يخاف أن أحدًا سيضره، جنيًا، أو وليًا، أو كذا، أو شيطانًا، أو غيره. لا، لا ينبغي له أن يخاف، مادام أنه معتصم بالله، وأيضًا قد استعاذ بالله جل وعلا. ولهذا تجد أكثر التحصينات التي جاءت في الكتاب والسنة، والتعاويذ، فيها التعوذ من الشيطان ومن غيره. فمثالًا: أقرأ مثل سورة الفلق، سورة الناس، من أعظم ما يتعوذ به العبد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لم يتعوذ متعوذ بمثلهما». فسورة الفلق فيها التعوذ العام من كل شر: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾، ضو النهار إذا ذهب وجاء الظلام، شر غاسق وهو القمر إذا ذهب نوره فجاء فأخلفه الظلام. ﴿ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾، السحرة التي تنفث في العقد، فإنها أيضًا استعاذ منها بالله، فلا تضر. ﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾، أيضًا كذلك من الحساد. وكذلك سورة الناس فيها الاستعاذة من الشيطان الرجيم. فلهذا فهذه السور والاستعاذات هي التجاء إلى الله عز وجل من شر كل ذي شر. فلهذا إذا التجأ العبد إلى ربه جل وعلا، فإنه لا يخاف غير الله سبحانه وتعالى. فقال الله عز وجل: ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس اللاحق. جزاكم الله خيرا.