الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 219، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه لعنه للواشمات والمتنمصات والمغيرات خلق الله، فاعترضت امرأة من بني أسد بعدم وجود ذلك في القرآن، فاستدل بالآية الكريمة: ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه﴾. وأخبرها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فلما تحققت من عدم فعل أهلها لذلك، أكد ابن مسعود أنه لو كانت تفعل ذلك لما جامعها.
يسرد المقطع حديث ابن مسعود في لعن النبي صلى الله عليه وسلم للواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمغيرات خلق الله مع توضيح معاني الوشم والنمص. ويناقش أقوال العلماء المعاصرين في حكم تشقير الحواجب بين منعه لدخوله في تغيير خلق الله وإجازته لاختصاص النهي بالنتف.
يفرق المقطع بين الزينة المباحة والتغيير المحرم لخلق الله كالوشم والنمص والتفليج والوصل، مبيناً أن الوصل يشمل كل زيادة في الشعر طولاً أو كثافة. ويوضح جواز تقويم الأسنان للضرورة أو الزينة للمرأة دون الرجل إلا لحاجة، مع ذكر قصة ابن مسعود في لعن الوصلات.
يؤكد المقطع أن أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه معتبرة في كتاب الله مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه﴾. ويبين أن طاعة الرسول هي طاعة لله تعالى، مختتماً الحديث عند هذا الحد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: وما آتاكم الرسول فخذوه». قال: حدثنا محمد بن يوسف، وهو الفريابي القيسراني، وقيسرية هذه منطقة في الشام من مناطق الشام، وكان رجلًا صالحًا ومن ألصق الناس بسفيان الثوري، روى عنه أكثر من مائة وخمسين أو أكثر حديثًا. قال: حدثنا سفيان. هنا سفيان هو الثوري، كيف عرفنا أن الثوري من محمد بن يوسف؟ لأن محمد بن يوسف الفريابي دائمًا يروي عن سفيان الثوري، فإذا نكره فقال: «عن سفيان»، معنى ذلك أنه لم يعينه فهو الثوري؛ لأنه إذا روى عن ابن عيينة فيقول: «ابن عيينة». قال: عن منصور، وهو ابن المعتمر، ورواية سفيان الثوري عن منصور أكثر. قد روى ابن عيينة عن منصور لكنه قليلًا، ورواية سفيان عن منصور كثيرة. قال: عن إبراهيم. منصور هو ابن المعتمر أيضًا، هو من أهل الكوفة ومن عبادهم وعلمائهم، كان فقيهًا. قال: عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، وهو عالم أهل الكوفة، عن علقمة. وعلقمة يعتبر... قال إبراهيم: علقمة بن قيس النخعي كذلك، وهؤلاء النخع أصلهم من اليمن، أنا من جيشان. قال: عن علقمة، عن عبد الله، وهو ابن مسعود رضي الله عنه، قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله». فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: «إنّه بلغني...» جاءت إلى عبد الله بن مسعود فقالت: «إنّه بلغني أنك لعنت كيت وكيت». فقال: «وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هو في كتاب الله؟». فقالت: «لقد قرأت ما بين الوحيين فما وجدت فيه ما تقول». أنا ما بين... أي قرأت القرآن كله. قال: «لئن كنت قرأتيه لقد وجدته». أنا إذا كنت قرأتيه كله فلا شك أنك قد وجدته. أما قرأتي: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى. قال: «فإنه قد نها عنه». قالت: «فإني أرى أهلك يفعلونه». قال: «فاذهبي فانظري». فذهبت فنظرت فلم ترى من حاجتها شيئًا. فقال: «لو كانت كذلك ما جامعتها». أنا يقول عبد الله بن مسعود: لو كانت أهلي كذلك ما جامعتها، أي لم أجمعها، لم أجتمع معها في بيت، أو قيل المراد به الفراش. فهذا الحديث أيضًا ذكر هنا من طريق أخرى عن سفيان. قال: حدثنا علي، وهو ابن عبد الله بن المديني، أبو الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن، وهو ابن مهدي، عن سفيان، وهو الثوري، قال: ذكرت لعبد الرحمن بن عابس حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة». فقال: سمعت من امرأة يقال لها أم يعقوب عن عبد الله مثل حديث منصور. معنى هذه: أم يعقوب حدثت بهذا الحديث لما جاءت إلى عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله بن مسعود: «لعن الله الواشمات والمستوشمات». والواشمات: الوشم هو الوخز بالإبر في الجسد حتى يكون معنى... حتى يخضر الجسد، وكان يفعلونه للزينة، كانوا قديمًا يفعلونه للزينة، وهذا لا يجوز، فلعن الله عز وجل الواشمة والمستوشمة. الواشمة هي التي تفعل الوشم، والمستوشمة هي التي تطلب هذا الوشم ويفعل فيها. والمتنمصات: المتنمصة هي التي تنمص حاجبها، أنها تنتفه، فإذا حلقته فإيضًا عند كثير من العلم أيضًا لا يجوز، وفي رواية عن أحمد أنه يجوز، لكن الصحيح أن النمص وإن كان النتف لكن الحلق أيضًا يدخل فيه؛ لأنه فيه تغيير، فالمراد به التغيير لخلق الله كما جاء: «المغيرات خلق الله»، فلذلك فسواء كان نتفته أو سواء كان غيرته بالخلق. ولهذا بعض العلم المعاصرين الآن يقول: حتى التشقير، ما يسمى بالتشقير، أن تلون مثلًا حاجبها بلون غير... معنى تلون بعضه بغير اللون الذي هو الأسود، معنى تغيره بلون الجسد، ما يسمونه بالتشقير، فبعض العلم من المعاصرين كالشيخ الفوزان وغيره يرى أنه لا يجوز، وبعضهم يقول يجوز كشيخ ابن عثيمين؛ لأن التحريم جاء في أخذ الشعر وليس في تغييره، ولأن التغيير قد جاء بجواز تغيير الشعر في اللحية والرأس وغيره، ويدخل فيه أيضًا غيره من هذه الشعور، فالتغيير لا يدخل في ذلك. لكن كما قلنا: بعضهم نظر إلى معنى تغيير الخلقة فتصير المرأة غير التي تعرف، فأدخلوه في ذلك، لكن الأولى أنه يؤخذ بالأحاديث التي جاءت؛ لأن المرأة قد تتزيد بالزينة مثلًا بشيء من هذه الزينة لأجل التزين، والمرأة مندوب لها ومستحب لها أنها تتزين، فإذا حصل فيه شيء من التغيير فلا يعتد به، وإنما ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام من التغيير في الوشم أو في النمص أو في التفليج أو فيما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه، وهذا من الشيطان: ﴿لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. والمتفلجات للحسن: المتفلجات هي التي تنشر أسنانها حتى تصير أسنانها صغيرة، وأيضًا بينهما شيء من الفرق، تفرق بين أسنانها. وهل يدخل فيه التقويم؟ تقويم الأسنان: لا، ما يدخل، خاصة إذا كانت المرأة يكون في أسنانها شيء من الاعوجاج وكذا تريد أن تقومه، لا بأس لعجل الزينة. وأما الرجل فلا داعي من هذا، بل بعض العلم يقول: أنه فيه تشبه بالنساء. معنى: الرجل ما يحتاج إلى تقويم إلا إذا كان فيه... قد يكون مثلًا فيه شيء مما يؤذيه في أسنانه من دخول الطعام وغيره، فلا بأس أنه يقوم. قال: «المتفلجات للحسن المغيرات خلق الله». فبلغ... وهنا في الحديث الآخر فيه الواصلة كذلك. الواصلة هي التي تصل الشعر بشيء، تصل الشعر بشيء، وقيل أنها إذا وصلته بشعر، وهذا قول الجمهور أنه يحرم إذا وصلته بشعر آخر، وأما إذا وصلته بخرق أو بغيره فلا يكون محرما، لكن قد جاء في صحيح مسلم في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يوصل الشعر بشيء، أن يوصل الشعر بشيء، فلذلك فإدخال شيء في الشعر ولو كان ليس من الشعر لأجل إظهار أن شعرها كبيرًا، فهذا يعتبر من الوصل، يعتبر من الوصل، فيدخل فيه ما يسمى بالشحن عند النساء، فإنه يدخل في الوصل؛ لأنها تكبر شعرها حتى إذا رآه... حتى من رآه رآه أن شعرها كبير وشعرها ليس كذلك، فهو من تغيير خلق الله. فلما بلغ هذا اللعن الذي ذكره عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بلغ هذه المرأة أم يعقوب امرأة من المدينة، جاءت إلى عبد الله وقبرته... أو أنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: «وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هو في كتاب الله؟». أنا هذا في كتاب الله، أراد: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، أي كل ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام هو في كتاب الله، أمر الله عز وجل بالأخذ به ونهى، وأيضًا أمر بالانتهاء عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر