الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 267، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع سبب نزول الآية الكريمة وطمأنة الله لنبيه ﷺ بحفظ القرآن في صدره وتيسير قراءته، مبيناً أن السنة النبوية هي البيان العملي للقرآن والمعتمدة في تفسيره كما قال مجاهد: «السنة تغلب القرآن».
يبيّن المقطع كيف فسر النبي ﷺ القرآن بقوله وفعله العملي، وكيف تزيل السنة التعارض الظاهري بين الآيات كما في آيات العدة للحامل حيث رجح حديث سبيعة الأسلمية انتهاء العدة بوضع الحمل، وسار الإمام أحمد على هذا المنهج.
يستعرض المقطع كيف اعتمد الإمام أحمد على فعل النبي ﷺ في مسح الرأس كله لتفسير آية المسح، وكيف قيدت السنة مطلَق آية الأيمان باستثناء من قال «إن شاء الله» من الحنث والكفارة استناداً للأحاديث النبوية.
يؤكد المقطع وجود أمثلة كثيرة في السنة النبوية توضح كيفية تفسير النبي ﷺ لآيات القرآن وبيان العمل بها، مشيراً إلى أن هذا هو المقصود الجوهري من بيان السنة للقرآن الكريم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد: قال البخاري رحمه الله: «باب: إن علينا جمعه وقرآنه». قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، وهو الأشجع، تكلم عليه الإمام أحمد على أنه شيعي، لكن كان حافظاً، فلهذا البخاري أخرج عنه. قال: عن إسرائيل، وهو ابن عيسى بن أبي إسحاق السبيعي، عن موسى بن أبي عائشة، أنه سأل سعيد بن جبير عن قول تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾. قال: وقال ابن عباس: كان يحرك شفتيه إذا أنزل عليه، أي: النبي عليه الصلاة والسلام. فقيل له: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾، أي: أن نجمعه في صدرك، ﴿ وَقُرْآنَهُ ﴾: أن تقرأه. ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾، يقول: أنزل عليه، فاتبع قرآنه. ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾: إن نبينه على لسانك. وهذه الرواية جاءت تفسيرية للآيات، وتفسير واضح لهذه الآيات. فقوله جل وعلا: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾، قال ابن عباس: كان يحرك شفتيه إذا أنزل عليه. معنى ذلك: لما كان يدارسه جبريل، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ويتلفظ بما ذكره له جبريل حتى لا يتفلت عليه وينساه. فقال له ربه جل وعلا: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾. ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ﴾: أي في صدرك. ﴿ وَقُرْآنَهُ ﴾: أي أنك تقرأه. ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾: أي اعمل به، اعمل بهذا القرآن الذي أنزل. ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾: بيانه للناس، تقرأه وتبينه، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾. فالسنة بيان للقرآن، والقرآن تأييد للسنة. القرآن تأييد للسنة. فـ ﴿ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ﴾، والمراد بالذكر هنا: السنة، ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾: وهو القرآن. فالسنة تبين القرآن. وكما قال مجاهد: «السنة تغلب القرآن، ولا يغلب القرآن السنة». والمراد: أن السنة تنسخ القرآن، لكن القرآن لا ينسخ. ومنهم من فسرها بأن السنة بيان للقرآن، فلهذا فهي المعتمد. والقرآن لا شك أنه معتمد، لكن أقصد التفسير: إذا جاءك التفسير من السنة، فهذا هو المعتمد لا غيره. فلو كان مثلاً ظاهر الكلام على ما يحسب الإنسان أنه كذا وكذا، لكن يؤخذ بالسنة التي بينها النبي عليه الصلاة والسلام. فإنه صلى الله عليه وآله وسلم يبين هذا القرآن للناس، يقرأه وكذلك يبينه ويفسره. وسواء كان هذا التفسير تفسيراً قولياً أو فعلياً، فالنبي عليه الصلاة والسلام يفسر القرآن بفعله، كما قالت عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام: «كان خلقه القرآن». كان خلقه القرآن: أن يتأدب بآداب القرآن، ويعمل بالقرآن. وهناك عبارة، أو بعضهم يذكر حديثاً لكنه لا يصح لكن معناه صحيح، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام: «قرآناً يمشي على الأرض». والمراد: أنه يطبق القرآن، يطبق ما جاء عن الله عز وجل. فلهذا فتفسير القرآن وبيانه في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بقوله وفعله. فلهذا فمن رأى، أو إذا صح الفعل عن النبي عليه الصلاة والسلام، ورأى بعض الناس مثلاً أن الآية تخالف هذا، ففهمه الذي هو خطأ، والنبي عليه الصلاة والسلام بين هذه الآية بفعل. فلهذا فسنة بيان وتفسير للقرآن. السنة القولية فيما يأتي من التفسير، وهو قليل عن النبي عليه الصلاة والسلام. التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن قليل، أي بالقول، لكن بالفعل فإنه يفسر القرآن عليه الصلاة والسلام بفعله، أي بتطبيق هذا القرآن. ولهذا مثلاً في المعتدة للوفاة، ومعناها: المعتدة التي توفي زوجها وهي حامل. فالآيات فيها: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾، وآية البقرة: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾. فجاءت هذه الآية بعموم: كل من توفي عنها زوجها فتجلس أربعة أشهر وعشرة. والآية الأخرى فيها: أن أولات الأحمال يجلسن، أو عدتهن أن يضعن حملهن. فهل الآن المتوفى عنها زوجها تدخل في أولات الأحمال إذا كانت حاملاً؟ وهل الحامل إذا كانت المرأة حاملاً تدخل في آية المتوفى عنها زوجها التي تجلس أربعة أشهر؟ هذه عامة، وهذه عامة، ولا يستطاع الترجيح بينهما. لكن جاءت السنة بالترجيح، جاءت السنة بالترجيح في حديث سبيعة الأسلمية. والنبي عليه الصلاة والسلام أمرها لما وضعت، أمرها أن تتعرض، أو أن تخطب نفسها، إن جاءها من يريد أن يخطبها. معنى ذلك: أنها انتهت عدتها. وكذلك أيضاً كان الإمام أحمد رحمه الله يفسر القرآن بفعل النبي عليه الصلاة والسلام. مثلاً في مسح الرأس: المسح الرأس لم يأتي تحديده في القرآن، ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾. ففسرها الإمام الشافعي: ففسر الباء بأنها للتبعيد، ﴿ بِرُءُوسِكُمْ ﴾: أي ببعض شعركم الذي في الرأس. وفسرها بقية أو كثير من العلماء بأن الباء للإلصاق: ﴿ بِرُءُوسِكُمْ ﴾: أي امسحوا رؤوسكم. واعتمد الإمام أحمد رحمه الله على فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث عبد الله بن زيد، حديث عثمان وغيره، وخاصة حديث عبد الله بن زيد واضح: أنه كان يمسح رأسه كله، يقبل بيديه ويدبر بهما. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الآية بفعله. هكذا استدل الإمام أحمد رحمه الله. وأشياء كثيرة جداً يستدلوا بفعل النبي عليه الصلاة والسلام على بيان الآيات، استدلوا بفعل النبي عليه الصلاة والسلام على بيان الآيات، سواء كان في الأيمان أو في غيره. فيقيد، تقيد الآية بفعل النبي أو بقوله، بفعل النبي عليه الصلاة والسلام أو بقوله. تقيد الآية. هناك آيات جاءت مطلقة لكن قيدت بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. مثلاً قول الله عز وجل في الأيمان: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾. فالذي يعقد الأيمان عليه الكفارة إذا حنث، إذا أراد أن يرجع عن يمينه، فإنه عليه الكفارة. جاء من الاستثناءات عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه إذا قال: «إن شاء الله» لم يحنث. فقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث موسى: «والله إن شاء الله، والله إن شاء الله، لا أحلف على يميني وأرى غير خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير». وجاء في الحديث إلى آخر. أيضاً حديث ابن عمر في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر قصة نبي الله سليمان، قال بعد ذلك: «لو قال: إن شاء الله، كان ملكاً، يقول له: قل: إن شاء الله». فقال: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث». وجاء في سنن أبي داود من حديث ابن عمر: «من حلف فقال في حلفه: إن شاء الله، لم يحنث». لكن هذا الذي رجحه الإمام أنه شاذ، وأن الصحيح هو الحديث الذي ذكرنا في قصة نبي الله سليمان. وغيرها من الأمثلة الكثيرة في السنة، في بيان النبي عليه الصلاة والسلام تفسير الآيات، وأيضاً بيانها وبيان العمل بها. فهذا هو المقصود، والله تعالى أعلم.