كتاب التفسير من صحيح البخاري 289

كتاب التفسير من صحيح البخاري 289

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 289، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير سورة الغاشية: حال الكافرين وأعمالهم في الدنيا

يستعرض المقطع معاني سورة الغاشية موضحاً أن الغاشية من أسماء يوم القيامة، ويصف حال وجوه الكافرين خاشعة ذليلة عاملة ناصبة في الدنيا لكنها تصلى ناراً حامية لكفرهم. ويشير إلى بطلان أعمال النصارى في الصوامع لكفرهم بالله ورسوله.

معرفة أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم وفساد الرهبانية المبتدعة

يبين المقطع أن الله عرّف أهل الكتاب صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما يعرف الأب ابنه فكفروا به رغم معرفتهم، وينتقد الرهبانية المبتدعة التي لم يرعوها حق رعايتها فكثر فيها الفساد وأكل السحت. ويذكر قصص سلمان الفارسي وزيد بن عمرو ومناظرة الباقلاني التي كشفت تناقضهم.

تفسير سورة الغاشية: نعيم الجنة وعذاب النار وأقوال المفسرين في ألفاظها

يفسر المقطع آيات النعيم المقيم لأهل الجنة في جنات عالية ذات عيون جارية وسرر مرفوعة، مقابل عذاب أهل النار بالعمل الناصب والطعام من الضريع والشراب من الحميم آن. وينقل أقوال ابن عباس ومجاهد وقتادة في تفسير ألفاظ السورة كقوله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ و﴿عَيْنٌ آنِيَةٌ﴾ و﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةٌ﴾.

سيطرة النبي ﷺ على جزيرة العرب وسياق نزول آيات الإياب والحساب

يوضح المقطع أنه بعد أمر القتال أصبح النبي ﷺ الحاكم المسيطر على جزيرة العرب ودانت له الجزيرة، ويفسر ابن عباس آية ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ بمرجعهم وآية ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ بالحساب يوم القيامة. ويختم الدرس ببيان معنى ﴿وَلَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ وسياق نزولها في المرحلة المكية قبل الأمر بالقتال.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال النووي - إمام البخاري - سورة: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾. فقال ابن عباس: وأنها يقال لها: «هل أتاك حديث الغاشية» أو «سورة الغاشية». والغاشية كما قال ابن عباس رضي الله عنه في رواية علي بن أبي طلحة: «الغاشية من أسماء يوم القيامة». ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾. وهذه السورة مدنية، وأخبر الله عز وجل فيها عن ذلك اليوم الذي تغشى وجوه الكفر، تغشاهم النار ويغشاهم العذاب، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾. فيغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحتهم. وهنا أراد ربنا جل وعلا طائفة معينة وهم النصارى. الله عز وجل ذكر أنهم عاملة، وجوه عاملة وناصبة، لكن قال: ﴿ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾. ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴾. خاشعة: أي أنها ذليلة، ليس من الخشوع العبادة، وإنما من الذلة التي أصابتهم لأجل كفرهم بالله، ولأجل أن الله عز وجل يعاقبهم. وهذا الخشوع يكون يوم القيامة. بخلاف يوم النشور في البعث: الناس يقومون، وأيضا يستمعون إلى الداعي، وإذا استمعوا إلى الداعي يتبعوا ذلك الصوت: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴾. وأيضا ذكر الله عز وجل أنها شاخصة أبصارهم، ترهقهم ذلة. وهذا على الصحيح أنها في الحشر، الحشر في النشر في البعث. وأما يوم القيامة فتخشع هذه الأبصار وتذل، ولا يستطيع الكافر أن ينظر أمامه من شدة هول ذلك اليوم. وكذلك أنه لم يجد حجة يحتج بها على ربه جل وعلا، ما وجد حجة، انتهت الحجة، انتهت المعاذير، انتهت أيضا الحيل، انتهت التغطرس، وكل هذه الأشياء ما يستطيعه، فانتهى كل هذا الذي كان يتبجح به في الدنيا. فلهذا ما يستطيع أن ينظر أمامه، بل يذل ويخشع، يظن أن شيء من الرحمة قد تلحقه، وليس له شيء مادام أنه قد أشرك بالله وكفر. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴾. أي في الدنيا عاملة، عندهم أعمال، وعندهم كد. انظر إلى النصارى: النصارى يترك الواحد منهم الدنيا كلها ويجلس في صومعته، يظن أنه يعبد الله، يجلس في صومعة وراهب، لا يذهب إلى الناس، ولا يتزوج، ولا يخالط الناس، فقط في عبادة. عاملة وناصبة، ليس عمل فقط هكذا، بل عمل بجد واجتهاد ونصب. لكن كل ذلك يذهب هباء منثورا، لا يستفيد منه شيء، لأن أصل الأمر قد كفر به. الله عز وجل أقام عليهم الحجة، وأيضا دلهم في كتبهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى صفته، حتى قال الله عز وجل: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾. أنظر كيف الرجل يعرف ابنه: يعرف بصفاته كلها، ويعرف أيضا كذلك مسيره، ويعرف أحواله، ويعرف هل هو على مثلا أخلاق طيبة أو ليست كذلك، يعرف غالبا ابنه. فقال الله عز وجل: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾. هذا يدل على أن الله عز وجل عرفهم صفة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، نبي هذه الأمة، حتى لا يجدون عذرا في الكفر به، لكنهم أبوا للكفر وأبوا يستمروا إلا في دينهم. فلهذا فلم تنفعهم تلك العبادة، بل هي كما قال الله عز وجل: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾. كثير من الرهبان والقسس تجد أنه في الظاهر يظهر بالعبادة، كذلك كثير من الراهبات، لكنهم أكثر الناس فسادا في دينهم، يعني يريدون فقط جمع الأموال، يريدون جمع الأموال، بل حتى يكونوا من الحرام، وبتبديل دينهم، كما ذكر الله عز وجل عنهم: ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾. فلهذا تغير دين النصارى حتى قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام. من تأمل قصة سلمان الفارسي، وقصة أيضا زيد بن عمرو بن نفيل، فإنهم تقلبوا في القسس، معناه ذهبوا إلى قسس من قسس النصارى ورهبانهم، وعرفوا أن بعضهم كان يتحايل على الناس، وكان يأخذ أموالهم، ويأمرهم ولا يأتمر، وينهاهم ولا ينتهي. وبعضهم كان صادقا كما ذكر سلمان الفارسي: أول رجل قال: «ما رأيت أسوأ منه، كان يأمر الناس بالمعروف ولا يأتيه، وينهاهم عن المنكر وهو يأتيه، ويأخذ أموال الناس بالباطل». قال: ثم جاء بعدما هذا الرجل دفن، وأخبرهم سلمان أنه كان يخدعهم، جاءوا برجل، وكان هذا الرجل صادقا من الرهبان، فلهذا استمر معه سلمان فترة من الزمن. فلهذا كان هؤلاء النصارى لم يرعوا ذلك الذي ابتدعوه وهي الرهبانية، أن الرجل لا يتزوج ويجلس في صومعته لا يتحرك. هذه لم يأمرهم الله عز وجل بها، وإنما هم ابتدعوها. قال الله عز وجل: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾. فما رعوها حق رعايتها، حتى أن الرجل يترك الزواج. ولهذا من الطريف مما جاء في ترجمة أبي بكر الباقلاني في تاريخ بغداد أنه قال: استدعاه ملك النصارى في ذلك الزمن، فدخل عليه، فقال له الملك: هذا رئيس القسس، أشار إلى الرجل، هو مسؤول على الدين كله، رئيس القسس. فقال له أبو بكر الباقلاني: كيف حالك؟ كيف أولاده؟ فغضب الملك، قال: كيف تقول كيف أولادك؟ ألا تعلم أنهم لا يتزوجون؟ فقال له: استغلها فرصة، قال له: تدعون لله الولد والصاحبة، ولا تدعون لهؤلاء المخلوقين أن هؤلاء مخلوقين، أنتم الآن تنزهونهم عن الولد وعن الصاحبة، فكيف تدعون أنها لله؟ دعيتم أن عيسى ولد الله، ومريم أيضا ثالث ثلاثة، كيف تدعون مثل هذا وأنتم تنزهون القسس والرهبان عن الولد والصاحبة؟ فهؤلاء النصارى لا عقول لهم في دينهم، أقصد أن دينهم متناقض، يدعون لله الولد وينزهون رهبانهم وقسسهم عن الأولاد وعن الصاحبة والزوجة. فالمهم أن هذه الآية نزلت، أو هذه السورة نزلت في بدايتها فيهم، ثم بعد ذلك بين الله عز وجل أن هناك قسما آخر من أهل الخير، من أهل الصلاح، من أهل الجنة: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةٌ ﴾. أي في الجنة. ثم ذكر ما يكون في الجنة: ﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴾. نمارق هي الوسائد، وغيرها مما ذكره الله عز وجل فيما أعد أولياءه للجنة. وقال ابن عباس: ﴿ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴾: أي النصارى. وقال مجاهد: ﴿ عَيْنٌ آنِيَةٌ ﴾: بلغت إناها وحان شربها. معنى هي جاهزة، جاهزة للشرب. ﴿ عَيْنٌ آنِيَةٌ ﴾: فيها عين آنية، معنى للإنسان الذي يريد أن يشرب جاهز للشرب، مثل ما قال: ﴿ حَمِيمٌ آنٍ ﴾: أي بلغ تجهيزه، ومعنى وأيضا لذته، لكن أن تشرب منه في أي وقت. ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾: أي ماء جاهز، جاهز للشرب، لكنه حميم، فلا يطوفون بين النار وبين الحميم. حميم هو الماء الحار الذي يشوي الوجوه. إن أرادوا أن يشربوا، وإن أرادوا - أقصد اقتربوا منه - يشوي الوجوه، وإن أرادوا أن يشربوا قطع أمعاءهم. وقال: ﴿ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةٌ ﴾: أي شتما، لا تسمع فيها أحد يشتم أحدا، ولا يأتي بكلام من الكلام الفاحش. لا تسمع فيها لاغية، واللغو هو الكلام الذي لا ينفع، لكن هنا فسرها أنه لا يسمع شتما، وهذا عن مجاهد، هذا قول مجاهد: أي لا تسمع فيها شتما. وقال قتادة: لا تسمع فيها باطلا ولا مأثما، لا شيء باطل ولا مأثما. طيب. قال: ويقال الضريع نبت، يقال له الشبرق، تسميها الحجاز الضريع إذا يبس، وهو سم الشبرق. هذا من الأعشاب السامة، خاصة إذا يبس. فهذا الضريع هو أكلهم، وأيضا أكلهم الزقوم: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴾. فأيضا الزقوم هذا طعام ذو شوك، وكذلك أيضا يكون حارا على البطن. وكذلك أحيانا يعطون من الضريع، كما جاء لابن عباس أن هذا بتنوع الأطعمة، أن يعطون من الزقوم ويعطون من الضريع. الضريع هو الشجر الذي فيه الشوك، الشجر الذي فيه الشوك، يسميه بعضهم الشبرق، ومنهم أن يسميه - كما قال - يسميه الحجاز الضريع إذا يبس، وغالبا يكون سما، حتى أن البعير إذا أكله مرض، إذا أكل الشبرق البعير يمرض. يقال الشبرق بكسر الشين. وقال: ﴿ وَلَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾: بمسيطر، أي بمسلط. يقرأ بالصاد والسين، معناها يقال: مسيطر ومسيطر، معناها المراد أنه لست عليهم بوكيل. معناها: أنت لست عليهم بمسيطر، أي لست عليهم بمسلط. دعهم على كفرهم، ودعهم على ما يعملون. وهذا قال بعض العلماء: هذا قبل، لما كان في مكة، وقبل أن يؤمر بالقتال. وأما لما أمر بالقتال، كان هو المسيطر عليهم عليه الصلاة والسلام، ودانت الجزيرة له، صلوات الله وسلام عليه، وصار هو الحاكم في جزيرة العرب. وقال: وقال ابن عباس: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴾: أي مرجعهم. ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴾: أي مرجعهم، ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾. طيب. إن شاء الله هذا ما ذكره من المعاني، نكتفي به، والله تعالى أعلى وأعلم.