الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الحديث مراجعة جبريل للقرآن مع النبي صلى الله عليه وسلم سنوياً ومرتين في عام الوفاة، موضحاً منهجية التلقي بقراءة الشيخ ثم تكرار الطالب للحفظ والتصحيح تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾.
يبيّن المقطع أن النبي ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر لزيادة عرض القرآن على جبريل، وأن اجتهاد المسلم في قراءة القرآن وتدبره يقربه إلى الله، مستشهداً بندم السلف على التقصير في العناية به.
يوضح أن القرآن أصل العلوم وأعظمها، وأن السنة النبوية جاءت مفسرة ومبينة له، وطاعة الرسول من طاعة الله، مع الإشارة إلى اعتكاف النبي ومدارسته القرآن مع جبريل عليه السلام.
يختتم المتحدث شرحه للحديث النبوي بتلخيص الفوائد المستفادة، مفوضاً العلم المطلق لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: قال حتى ثنى خالد بن يزيد، وهو الكاهلي، قال: حدثنا أبو بكر. وأبو بكر هو ابن أبي عياش، هو أبو بكر بن عياش الكوفي، الملقب في القراءات بشعبة، وليس اسمه شعبة، وإنما يُقال: إن سفيان الثوري سماه شعبة لحفظه. قال: حدثنا أبو بكر عن أبي حصين. وليس في البخاري ومسلم، بل في الكتب الستة، أحد بفتح الحاء إلا هذا. كنيت هذا أبو حصين، وإلا فكلهم حصين بضم الحاء إلا هذا. هو عثمان بن عاصم الأسدي، أبو حصين. أبو حصين: عثمان بن عاصم الأسدي، كما قلنا، وليس بفتح الحاء إلا هو، وإلا كل من في البخاري ومسلم بضم الحاء، معناه حصين. قال: عن دكوان. دكوان هو السمان، أبو صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «كان يعرض على النبي عليه الصلاة والسلام القرآن كل عام مرة» -أي جبريل- «فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكل يعتكف في كل عام عشر، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه». وهذا العرض -كما قلنا- يعرض جبريل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن يقرأه عليه، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقرأه. وقد كان كما ذكرنا قبل، كما هو في الآيات: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا سمع جبريل يقرأ قرأ معه، فنهاه الله عز وجل عن ذلك، وتكفل ربنا جل وعلا بجمعه في صدره: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾، أي: فإذا قرأ جبريل فقرأه أنت. فهذا عرض من المدرس، وعرض أيضا من التلميذ. وهذه هي من الطرق التي يعرض بها القرآن والحديث وغيرهما، يعرض بها العلم: أولا يتكلم به الشيخ ويقرأه، ثم إذا حفظه الطالب قرأه، أو إذا كان في التصحيح لأجل التصحيح، فإنه يقرأه عليه حتى يصححه. فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان يقرأ، لكنه كان يحفظ، يحفظه الله عز وجل في صدره، وكان إذا حفظه أثبته وتمكن في صدره عليه الصلاة والسلام. وهذا كما قلنا، كما قال الله عز وجل: وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا عرض القرآن على جبريل اعتكف، كان يعتكف في العشر الأواخر. لهذا قال العلماء: من حديث أبي هريرة هذا، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأتيه جبريل في رمضان، لكنه في العشر الأواخر يكون العرض أكثر، وكذلك يكون النبي عليه الصلاة والسلام متفرغا أكثر، ولهذا كان يعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر من رمضان. وفي آخر سنة اعتكف عشرين يوما، اعتكف عشرين يوما في العام الذي قبض فيه عليه الصلاة والسلام، وقد عرض عليه جبريل القرآن مرتين. وهذا -كما قلنا- يدل على أن المسلم كلما قرأ القرآن واجتهد في قراءته وتدبره وعمل به، كلما كان مجتهدا في الطاعة، متقربا إلى الله جل وعلا. فكان النبي عليه الصلاة والسلام كما قال ابن عباس: «أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». فهذا القرآن كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾، فالقرآن هو كتاب هداية للناس. ومن حافظ عليه وقرأه أناء الليل والنهار كما يحب الله عز وجل، فلا شك أن القرآن يهديه، وأن القرآن أيضا يدله على طريق الحق. ولهذا سماه الله عز وجل نورا، ويهدي به الله عز وجل من اتبع رضوانه سبل السلام، وغيرها مما ذكر الله عز وجل في صفات هذا القرآن العظيم من ناحية الهداية. فمن اهتم بهذا كانت هداية أعظم. ولهذا كان بعض السلف، أو بعض الأئمة، يندم في آخر عمره أنه لم يهتم بالقرآن وبتفسيره، وأيضا بعلومه، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك أيضا جاء عن ابن القيم رحمهما الله، وهما إماما هدى، وأيضا قد بلغا الاجتهاد العظيم في العلم. وشيخ الإسلام ألف كتابا سماه «آيات فسرها كثير من المفسرين بغير تفسيرها»، وكان كتابا عظيما، ذكر استنباطات عظيمة في كتاب من آيات الله جل وعلا، وذكرها أيضا عن غيره، وهذا لسعة علمه رحمة الله عليه. وأيضا كذلك تفسيره الذي جمع في تفسير القرآن، تجد تفسيرا عظيما واستنباطا للآيات وللأحكام. فلذلك، كما قلنا، أن هذه الطريق طريق عظيمة، أي طريق القرآن، لأن القرآن أعظم العلم، وأعظم أيضا ما ينبغي أن يهتم به المسلم. فلذلك علومه هي المقدمة في العلوم، وكذلك أيضا يدخل فيها العلوم الأخرى. فالقرآن فيه توحيد، بل كله توحيد، كما قال الإمام القرطبي. وكذلك أيضا فيه الفقه والمسائل الفقهية، والسنة إنما جاءت تبين القرآن وتوضحه. فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يفسر القرآن بقوله وفعله. كان النبي عليه الصلاة والسلام يفسر القرآن بقوله وفعله، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان خلقه القرآن». وأيضا اشتهر عند الناس، وإن كان لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن عائشة، أن النبي عليه الصلاة والسلام «قرآنا يمشي على الأرض»؛ هو المراد أنه أفعاله تطبيق لكتاب الله. أفعال النبي عليه الصلاة والسلام تطبيق لكتاب الله. وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾، أي: من السنة. فالسنة تبيين للكتاب، والكتاب تأييد للسنة. وأيضا كذلك أمر عباد الله عز وجل أن يأخذ بهذه السنة. ولهذا جاءت الآيات العظيمة: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾، وقال الله عز وجل أيضا: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾، وأيضا قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَمَن يَعْصِ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾، وغيرها من الآيات التي ذكر الله عز وجل فيها طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طاعته جل وعلا. فالسنة والقرآن بمثابة واحدة. فلذلك قال العلماء: إن السنة من علوم القرآن. السنة من علوم القرآن. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، أو قال أبو هريرة: «فكان النبي عليه الصلاة والسلام يعتكف في كل عام عشرا -أي عشر أيام- فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه». فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه. وهذا -كما قلنا- أنه يتفرغ للقرآن ومدارسة جبريل عليه السلام. فهذا إن شاء الله تعالى ما يؤخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم.