الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن خير الناس من تعلم القرآن وعلمه، مشيراً إلى أن علم الكتاب والسنة هو أنفع العلوم في الدنيا والآخرة. ويستدل بمعنى سورة العصر التي تجمع الإيمان والعمل الصالح والدعوة والصبر.
يؤكد المقطع أن الاجتهاد والمثابرة في طلب العلم يفوقان الذكاء وحده، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. ثم يشرح قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وكيف زوجها بأحد الصحابة بمهر يسير هو حفظ القرآن.
يبين المقطع فضيلة من يحفظ القرآن حيث زوجه النبي ﷺ بتعليمها إياه، ويناقش اشتراط الفقهاء النفع في المهر واختلافهم في جواز جعل العلم أو تعليم القرآن مهراً. ويختتم بأمر النبي ﷺ بتزويج من يرضى دينه وخلقه.
يحذر المقطع من أن الزواج القائم على المال والأنساب يؤدي إلى الفساد في الأسر ثم في المجتمعات، مستشهداً بحديث النبي ﷺ: «إن لا تفعلوا تكن في الأرض فتنة وفساد عريض».
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل بن دكين الكوفي رحمه الله، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري. أبو نعيم ثم قال الدرقطني: خامس خمسة، خامس خمسة في سفيان الثوري: أنا أفضل من روى وأحفظ من روى عن سفيان الثوري خمسة: عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المبارك، ووكيع، وخامسهم أبو نعيم. قال: حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي. وهذا قد مر الإسناد، لكن هنا في رواية سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي، في رواية شعبة قال: سمعته من سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي. مما أن علقمة سمعه من سعد ثم سمعه من أبي عبد الرحمن السلمي، أو أنه كما قال بعض أهل العلم: أن شعبة هو الذي زاد. قال: عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه». وكما تقدم أن هذه الفضيلة العظيمة ليست مختصة بمن تعلم علوم القرآن التي تسمى الآن في الاصطلاح علوم القرآن، مثل التجويد والقراءات، بل أن الأمر أكثر من هذا. فأعظم من علم القرآن هو التفسير، والتفسير يحتاج إلى علوم كثيرة، وأعظمها معرفة السنة وحفظ الأحاديث ومعرفتها. أيضاً هو تفسير سيرة النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا فالحديث فيه: «أفضلكم من تعلم القرآن» سواء كان كل علومه أو بعضها. فمن اهتم بعلم القرآن تعلمًا وتعليمًا فهو من أفضل الناس، ومن خيرة الناس: يتعلم القرآن حفظًا وتلاوة وتدبرًا وتفسيرًا، وكذلك ما يكمل هذا، أو أنه يتعلم شيئًا من ذلك. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم»... فمن تعلم شيئًا من هذه العلوم فهو داخل في هذه الخيرية. ومعنى ذلك أن أفضل علم هو علم الكتاب والسنة. أفضل العلوم التي يحاز بها العبد الأفضلية في الدنيا والآخرة هي علوم الكتاب والسنة، يتعلمها ويعلمها ويدعو إليها ويعمل بها. وهذا خلاصة معنى سورة العصر: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾. أي: دعوا إلى ذلك الحق، وتواصوا بالصبر على تلك الدعوة، وأن ينصح بعضهم بعضًا. فلهذا يحتاج إلى علم وعمل ودعوة، ثم بعد ذلك صبر على هذه الأشياء. صبر على العلم، فالعلم يحتاج إلى صبر، بل يحتاج إلى صبر عظيم. فإذا أعطى العبد هذا العلم نفسه كلها، أعطاه هذا العلم ونفع الله عز وجل به، وإن كان لم يعطيه إلا شيئًا يسيرًا. وأما المفرط فقد يتحصل شيء من العلم، لكن ليس مثل الذي يجتهد في هذا العلم. فكم، فكم من طلبة علم طلبوا العلم معًا، وأيضًا درسوا عند نفس المشايخ، وقد يكون أيضًا أحدهما أفضل في الذكاء والحفظ من الآخر، لكن تجد الآخر مجتهدًا في العلم فيتحصل على حصة أفضل من حصة ذاك الذي هو أذكى منه. وهذا فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء. وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فالذي يجاهد نفسه، فالله عز وجل يعطيه على قدر اجتهاده، بل يعطيه أعظم وأفضل من اجتهاده. وأما من فرط فهو يفرط على نفسه، وأيضًا هذا الكسل يؤخره، يؤخره سنوات. قال: حدثنا عمر بن عون، قال: حدثنا حماد، فهو ابن زيد. فرأيت حماد في البخاري في الأسانيد فهو حماد بن زيد. فحماد بن سلم لم يروِ له البخاري شيئًا إلا متابعة. قال: حدثنا حماد عن أبي حازم. أبو حازم هنا أبو حازم المدني، وهو سلمة بن دينار، وهو من فقهاء أهل المدينة. قال: عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: أتت النبي عليه الصلاة والسلام امرأة فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. فقال: «ما لي في النساء من حاجة». وهذه خاصية بالنبي عليه الصلاة والسلام: وإن امرأة وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها، ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. أي: هذا الأمر خالص أجازه الله عز وجل ورخص لها للنبي عليه الصلاة والسلام أن تهب المرأة نفسها له، تهب المرأة نفسها له. وأما غيره فلا يجوز ذلك إلا بعقد مع وليها، سوا كانت بكرًا أو ثيبًا، لا بد أن يكون هناك ولي. لا نكاح إلا بولي، ولا يجوز للمرأة أن تهب نفسها لشخص آخر. وإنما هذه رخصة للنبي عليه الصلاة والسلام. فجاءت هذه المرأة، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام له حاجة في هذا الأمر، فقال: «ما لي في النساء من حاجة». فقال رجل: زوجنيها يا رسول الله. قال: «أعطيها ثوبًا» أي مهرًا. قال: لا أجد. قال: «أعطيها ولو خاتمًا من حديد». فاعتل له، اعتل له، أي ذهب يبحث عن هذا الخاتم من حديد. فقال: ما معك من القرآن؟ اعتل له، معنى بحث فلم يجد، كما جاء في بعض الروايات. فاعتل للنبي عليه الصلاة والسلام، أي اعتذر له أنه لم يجد. فقال له: التمس ولو خاتمًا من حديد. فالتمس فلم يجد. فقال: ما معك من القرآن؟ قال: كذا وكذا. قال: «فقد زوجتك بما معك من القرآن». وهذا أيضًا يدل على فضيلة من معه كتاب الله جل وعلا، فزوجه النبي عليه الصلاة والسلام بما معه من القرآن، أي أن يعلمها، كما جاء في بعض الروايات: يعلمها القرآن. ولهذا ذكر الفقهاء أن المهر لا بد أن يكون له نفع للزوجة، أن المهر لا بد أن يكون له نفع للزوجة. فإذا لم يكن له نفع فإنه لا يصح أن يكون، لا يصح أن يكون مهرًا. ثم اختلفوا في أشياء: هل هي من النفع أو ليس من النفع؟ وبعضهم: العلم، كالشافعي رحمه الله، رأى أن يكون لا بد هذا النفع يكون ماديًا، معناه ليس شيء معنوي، وإنما شيء مادي يعطيها إياه، ينفعها بشيء ولو يسيرًا. وذهب بعض العلماء كأحمد وغيره: أنه يجوز بالقرآن، يعلمها القرآن. وليس معنى أن هنا: «ما معك من القرآن» أن يزوجه بما عنده فقط، إنما المراد أنه يعلمها هذا القرآن، يعلمها هذه السور، فيكون تعليمها مهرًا له. تعليمها مهرًا له. وأيضًا مثل ما يعتق الرجل امرأة فيجعل عتقها مهرها، فيتزوجها بعتقها، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببعض أزواجه: صفية، أعتقها وتزوجها وأمهرها عتقها بعد ذلك. فلهذا فلا بد أن يكون المهر فيه نفع للزوجة، وأما إذا لم يكن فيه نفع فليس مهرًا صحيحًا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «التمس ولو خاتمًا من حديد». استدل أيضًا به بعض العلماء على جواز لبس الخاتم من حديد ونحوه، لأنه قد جاء حديث عند أحمد أنه قال: أو في هذا الحديث: «من أحب أن يسور حبيبه بسوار من نار فليسوره بسوار من حديد». وجاء أيضًا أن رجلًا لبس خاتمًا من ذهب فنهاه النبي عليه الصلاة والسلام، فلبس خاتمًا من حديد، قال: «حلية أهل النار»، فطرحه، ثم لبس خاتمًا من فضة. لكن هذه الأحاديث الصحيح من أقوال العلماء أنها لا تصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ليس منها شيء يصح في النهي عن لبس الحديد. فلهذا فمفهوم هذا الحديث، أو لا، وإن كان ليس فيه أنه يلبسه، لكن إتيانه بالخاتم الحديد يدل على اللبس، سوا كان للرجل أو للمرأة. فإتيانه بالخاتم يدل على جواز اللبس. وهذا قول أكثر أهل العلم. أيضًا كذلك فيه رفعة كتاب الله جل وعلا، وأن من خيرة الناس من معه كتاب الله جل وعلا. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أتاكم ترضون دينه وخلقه فزوجوا». قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث معقل بن يسار، جاء من حديث أبي هريرة: «من أتاكم ترضون دينه وخلقه فزوجوا، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». إذا ما فعلتم هذا وزوجتم لأجل الأموال والأحساب والأنساب، فإنه يحصل الفساد، وتأوي أيضًا يحصل الخلل في الأسر، وبعد ذلك يحصل الخلل كذلك في المجتمعات. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لا تفعلوا تكن في الأرض فتنة وفساد عريض». طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.