الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 17، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يسرد ابن القيم أمثلة تاريخية للعقوبات الإلهية التي نزلت بالأمم المكذبة من آدم إلى فرعون وقارون، مبيناً أن الذنوب هي السبب الرئيس لفساد الدنيا والآخرة. ثم يركز على بني إسرائيل وأنواع العقوبات التي سلطها الله عليهم عبر التاريخ بسبب كفرهم وتحريفهم، مستعرضاً صفاتهم ومصيرهم بالذل والهزيمة.
يتناول المقطع الأحاديث والآثار الواردة في نزول العقوبات بالأمم والأفراد بسبب المعاصي، مستشهداً ببكاء أبي الدرداء عند فتح قبرص لترك أهلها أمر الله. كما يستعرض حديث أم سلمة عن عموم العذاب عند ظهور المعاصي مع نجاة الصالحين، مع تحليل لأسانيد هذه الروايات وتصحيحها.
يسأل الشيخ عن تعريف الحديث المرسل في علم المصطلح، ويستشهد بقول البقوني في منظومته بأن المرسل هو ما سقط منه الصحابي من السند. ويوجه السؤال لأبي هارون لتوضيح المفهوم وبيان حكمه عند المحدثين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع هذه الرسالة النافعة وهذا الكتاب المفيد الذي نقرأ فيه. فما هو الكتاب؟ ما اسم هذه الرسالة؟ ما هو درسنا؟ نعم يا محمد، ما هو الدرس؟ ما شاء الله، أحسنت، بارك الله فيك: «الداء والدواء». وله اسم آخر، فما هو؟ نعم يا سعيد، الجواب: «الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». وهذه الرسالة تعتبر من أنفع كتب الإمام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى. وحديثنا حول فصل ذكره رحمه الله تعالى في بياني الدواء لهذا الداء. ما هو الداء الذي تحدث عنه ابن القيم؟ داء العشق. وذكر له مجموعة من الأدوية، فمن هذه الأدوية: ترك الذنوب والمعاصي، وأن الذنوب والمعاصي تعتبر سبباً لفساد الدنيا، وهكذا أيضاً لفساد الآخرة بالنسبة لصاحبها. ثم سبق معنا أن شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر سرداً بديعاً نافعاً لأثر الذنوب على أصحابها، وأن هذه الذنوب ضررها على القلوب كضرر السموم على الأبدان، على اختلاف في درجات هذا الضرر. وذكر سرداً عن أمم، وهكذا عن أشخاص، بسبب ما وقعوا فيه من الذنوب، كان هذا الضرر الذي حل بهم. بدأ بآدم عليه الصلاة والسلام، أبو البشر، وهكذا ذكر ما وقع له عليه الصلاة والسلام من تلك المعصية التي وقع فيها آدم. قلنا: ما هي المعصية؟ نعم يا أبا حذيفة: أكله من الشجرة التي نهي عن الأكل منها، فكان ذلك سبباً في خروجه من الجنة وانتقاله من الراحة والبهجة والسرور واللذة والنعيم إلى دار أخرى هي دار الهموم والأحزان والمصائب والآلام، إلى الدنيا. وكذلك ذكر ما وقع لإبليس، كان على شيء من الصلاح وكان مع الملائكة حين أمروا بالسجود لآدم، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس، لم يكن من الساجدين. ما الذي جعله يعصي؟ التكبر، والغرور، والإعجاب بالنفس: «أسجد لبشر خلقته من طين». فماذا؟ طُرد ولُعن وأُخرج ملعوناً مرجوماً. وذكر كذلك رحمه الله تعالى الذي أغرق أهل الأرض عند الطوفان حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال. لاحظوا أثر المعصية على أصحابها. ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. فأُغرق من في الأرض ولم ينجُ إلا من كان مع نوح في السفينة، والسفينة كما ذكر الله عز وجل: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾، وهذا يدل على شدة الأمر. وكذلك ذكر الريح العقيم التي سلطها ربنا عز وجل على قوم عاد، انظر كل ذلك بسبب الذنوب والمخالفات. وهكذا الصيحة التي أرسلها ربنا عز وجل على ثمود حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم. قال رحمه الله تعالى: «قال: ومن الذي رفع قرى اللوطية» يعني بهم قوم لوط، «حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، وأهلكهم جميعاً، ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم. قال: ولإخوانهم من هذه الأمة ومن غيرها أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد». هذه العقوبات سببها الذنوب والمعاصي. قرى يا إخوان، لما عصت رفعها ربنا عز وجل، ثم جعل عاليها سافلها، وزادهم على ذلك بأن أمطرهم حجارة من سجيل. ولهذا اليوم من يفعل فاحشة اللواط، فاحشة وجريمة اللواط، حده القتل. حده القتل، واختلف العلماء في كيفية قتله، ويقتل سواء كان بكراً أو كان ثيباً. ورجح كثير من أهل العلم أنه يفعل به مثل ما فعل بقوم لوط: يلقى من مكان عال ثم يُرجم بالحجارة. وهذا يدل على خطورة هذه المعصية وقبح هذه الفاحشة والجريمة. قال رحمه الله تعالى: «قال: ومن الذي أرسل على قوم شعيب سحاباً، سحاب العذاب كالظُلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظى، مطراً لكنه من النار. قال: ومن الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق، وجعل الله عز وجل من فرعون آية، جعله عبرة. فرعون الذي كان يقول: ما علمت لكم من إله غيري، وكان يقول: أنا ربكم الأعلى. انظر كيف فعل الله به، أغرقه الله عز وجل حتى إذا أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين. قال الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية». فرعون على مرأى ومسمع من بني إسرائيل يرونه يغرق ويسمعونه يقول: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. وهذا فيه تثبيت لهم. ما قال: إلا الله، قال: إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. لكن هذا لم ينفعه، أغرق وأغرق معه القادات والزعماء والجنود. وقوله: «ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق». النار يعرضون عليها غدوا وعشيا في قبورهم، ويوم تقوم الساعة: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. إلا أنه ينبه على أمر: أن العذاب كما هو عقيدة أهل السنة والجماعة، العذاب يقع على الروح والجسد، على الروح والجسد معاً. فمن غرق جسمه وأكلته الحيتان، ومن ضل في الصحراء وتقاسمت لحمه السباع والضباع وغيرها، فإن العذاب يصل إلى هذه الأجساد. أرأيتم الذي يدفن في قبره فيمكث فترة، وإذا بالديدان تأكل جسده، لا زال الجسد يتعرض للعذاب أو يتعرض للنعيم الذي يكتبه الله عز وجل له في القبر. قال رحمه الله تعالى: «قال: وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟» وقارون كان من قوم موسى، فبغى عليهم كما أخبر ربنا عز وجل عنه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾. المفاتيح يا إخوان، ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة المجموعة أولي القوة، هذه مفاتيح الخزائن، فما بالك بما فيها من الأموال. وانظروا كيف خسف الله به وبداره الأرض، وجعله عبرة. «قال: وما الذي أهلك القرون الكثيرة من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميراً، ودمرها تدميراً؟» قل لهذا يا إخوان، ربنا عز وجل كثيراً ما يذكرنا بذلك. قال ربنا عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. بالمرصاد لمن؟ لكل ظالم وباغي وهكذا متمرد، فإن الله تبارك وتعالى لهؤلاء بالمرصاد. وربنا عز وجل إذ يذكر ذلك يذكر المجرمين من أهل مكة، حين أن كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، كذبت قبلهم، يذكرهم بتكذيب الأمم، وأنهم ليسوا أشد ولا أقوى من هؤلاء. انظروا كيف فعل الله بهم يوم أن كذبوا وعاندوا وكفروا، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. قال رحمه الله تعالى: «قال: وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟» وقصة أصحاب القرية الذين أرسل إليهم المرسلون، قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. وفي الأخير أتاهم ذلكم الرجل الصالح، يقال اسمه حبيب النجار، أكذا جاء في أخبار بني إسرائيل. فوعظ قومه ونصحهم أن يتبعوا المرسلين، فماذا فعلوا به؟ قاموا وقتلوه. قيل: ادخل الجنة. قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. ثم أخبر ربنا عز وجل عن الصيحة التي نزلت بهم: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾. «قال: وما الذي بعث على بني إسرائيل قوماً أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال، ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا أو فأهلكوا ما قدروا عليه، وتبروا ما علوا تتبيراً؟» وهذا كما ذكر ربنا عز وجل خبرهم في سورة الإسراء. وسورة الإسراء لها اسم آخر، فما هو؟ سورة الإسراء لها اسم آخر، نعم، سورة من أين الإجابة؟ من أين؟ أحسنت، أنا شرفت، وعندي ظن راجح أنك ستجيب. طيب: سورة بني إسرائيل. سورة بني إسرائيل، وبني إسرائيل إذا أطلق فما المراد؟ يا أبا فواس: أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. فما المقصود بهم؟ من هم بنو إسرائيل؟ إسرائيل لقب يعقوب عليه الصلاة والسلام. واليوم المجرمون من اليهود يسمون دولتهم بدولة إسرائيل، وإسرائيل براء من جرائمهم وخبثهم ومعتقداتهم الفاسدة. فكم غيروا وبدلوا الشريعة التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام، وهكذا من بعده من أنبياء بني إسرائيل. بني إسرائيل، من المقصود بهم؟ صنفان من الناس: مجموعة منهم في فلسطين وغيرها، ومجموعة في دول أخرى يتوزعون. اليهود والنصارى، أحسنت، اليهود والنصارى هم بنو إسرائيل. قال رحمه الله تعالى: «قال: ومن الذي سلط عليهم أنواع العقوبات مرة بعد مرة، بالقتل تارة، وبالسبي تارة، وخراب البلاد تارة، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب؟». وعلى مر التاريخ يا إخوان، على مر التاريخ لا سيما اليهود، ما وجدوا في مجتمع إلا وذلكم المجتمع يسومهم سوء العذاب. أمة حقيرة جداً، فيها من الخبث وفيها من الصفات الفاسدة ما فيها، يعيشون منغلقين، يرون أنفسهم أفضل من غيرهم، منغلقون. وبسبب هذا الانغلاق الموجود لدى اليهود، الداخلون في دين اليهود قليل بسبب انغلاقهم وتكبرهم على الآخرين. بخلاف النصارى، النصارى منفتحون ومجتهدون في التنصير، أي دعوة الناس إلى النصرانية. ألا ترون إلى المنظمات المنتشرة في المجتمعات، ما وظيفتها؟ لا تظن أنه مجرد خدمات طبية أو يقدمون خدمة تربوية أو معيشية، هؤلاء يستغلون الطب والتربية وتوزيع الأطعمة وغيرها من أجل ما أتوا به من بلدانهم من دعوة إلى النصرانية وعبادة الصليب وغير ذلك. بخلاف اليهود. ولهذا اليهود، قلنا على مر التاريخ فإنهم يسومهم غيرهم سوء العذاب. ما الذي أتى بهم إلى الجزيرة العربية، إلى المدينة، وإلى خيبر، وفدك، وتيما، ووادي القرى، وغيرها من البلاد في وسط الجزيرة العربية، إلا ما تعرضوا له من إبادة في بلاد الشام؟ دمرت معابدهم، وأحرقت توراتهم، وهكذا فعل بهم الأفاعيل. بل في تاريخنا المعاصر، تاريخ الحديث هذا، ماذا فعل بهم الألمان في إبّان الحرب العالمية الثانية؟ هتلر عمل لهم أفران، أفران من نار، كان يلقي باليهود جماعات، لماذا؟ لأنهم خونة، ولا سيما عند الحروب، عند الحروب تظهر خيانة اليهود. ولم تقم لهم قائمة إلا في عام 1948 من القرن الميلادي الماضي، حين أن أرادت بريطانيا أن تخرج من فلسطين، فماذا فعلت؟ استدعت اليهود من أنحاء أوروبا وأمريكا وغيرها من الدول، وسلمتهم هذه البلاد على طبق من ذهب. ومنذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا وتلكم الدول الكافرة تقوم بحماية هذه البذرة التي زرعوها في فلسطين إلى يومنا هذا. لا تظن أن اليهود اليوم يحاربون بكثرة قواتهم، الكفار مستعدون للدفاع عنهم ويمدونهم بالسلاح والأموال والرجال، وإلا فهم أجبن من ذلك وأضعف من ذلك. حاولوا يزرعوا من اليهود دولة عظمى، خاف منها المسلمون، فيزرعون الفتن في بلاد الإسلام والحروب في بلاد الإسلام لكي يضعف المسلمون ويقوى اليهود ويأمنوا ويأمنوا. وتاريخنا الحديث هذا يشهد على ذلك، يشهد على ذلك. لكن اليهود موعودون بالخزي، وموعودون بالذل والضعف والهزيمة، ولا تقوم الساعة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقاتل المسلمون اليهود، قال: «فيختبئ اليهودي خلف الشجر والحجر». لماذا يختبئ؟ للجبن الموجود عندهم. «لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدار، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى». قال: «فينطق الله الشجر والحجر فيقول: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله». قال: «إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود». قال رحمه الله تعالى: وذكر رحمه الله تعالى بعد هذا السرد أحاديث وآثاراً في العقوبات التي تنزل بالأفراد وبالأمم والمجتمعات، وسببها هو المعاصي والذنوب. قال رحمه الله تعالى: «قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، قال: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، أي جبير بن نفير، قال: لما فتحت قبرص» عندنا بالسين، وعندنا أيضاً تأتي بصاد «قبرص، أين تقع قبرص؟ أين تقع قبرص يا أبا محمد؟ في أوروبا، تحديداً عبارة عن ماذا؟ هي المسلمون حين فتحوا قبرص ركبوا البحر، عبارة عن جزيرة تقع في البحر الأبيض المتوسط. قال: «لما فتحت قبرص فرق بين أهلها، فبكى بعضهم على بعض. قال: فرأيت أبا الدرداء رضي الله عنه، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم». قلنا: ما اسمه؟ مر معنا قريباً يا أبا خان، ما اسمه؟ أبو الدرداء، عويمر بن مالك رضي الله عنه، أحسنت. «قال: فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟» يعني ينبغي أن تفرح، وينبغي أن يظهر عليك السرور بهذا النصر. «قال: فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا هم أضاعوا أمره، إذا هم أضاعوا أمره. هذه أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى». انظر لما تركوا أمر الله بعد التمكين والعز والقوة أصبحوا في ماذا؟ في الذل والضعف، في الذل والضعف. وهذا يا إخوان يدل على فقه الصحابة وفقه أبي الدرداء خصوصاً ها هنا، كيف استنبط هذا الأمر، ألا وهو أن في قصص وأحوال الأمم من العقوبات التي أنزلها الله عليهم بسبب هذه المخالفات. وهذا الأثر، أثر أبي الدرداء، أثر صحيح، أثر صحيح. قال رحمه الله تعالى: «وقال علي بن الجعدي: أنبأنا شعبة عن عمر بن مرة، قال: سمعت أبا البختري يقول». وأبو البختري هذا اسمه فيروز أو سعيد بن فيروز الطائي مولاهم، سعيد بن فيروز الطائي مولاهم، نزل الكوفة، نزل الكوفة، هو تابعي، روى عن بعض الصحابة. وذكر العلماء أنه لم يسمع من علي، ولا من عمر، ولا من أبي ذر، ولا زيد بن ثابت، ولا من أبي سعيد وعائشة وغيرهم، سمع من قليل من الصحابة. وأبو البختري هذا، لما ترجم له الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تقريب التهذيب، قال عنه: ثقة، ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال، كثير الإرسال. وذكر الإمام الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام، قال عنه: كان مقدم القراء مع ابن الأشعث، وعبد الرحمن بن الأشعث، فتنته معروفة يوم أن خرج على بني أمية، بني أمية، وكان له شوكة وقوة في أول الأمر، ثم دارت الدائرة فكانت لبني أمية، فقتل من أصحاب ابن الأشعث خلق كثير. ولهذا قال الذهبي رحمه الله تعالى عن أبي البختري هذا: «فقتل في وقعة الجماجم، قال: وكان نبيلاً جليلاً». «قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول». وهنا الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، أي صحابي، وجهالة الصحابي لا تضر، فكلهم عدول، وكلا وعد الله الحسنى. «يقول: لن يهلك الناس حتى يُعذروا من أنفسهم». يقول: «لن يهلك الناس حتى يُعذروا من أنفسهم»، أي أنهم بسبب ارتكابهم للذنوب والمعاصي يكون بذلك مستحقين للعقوبة، للعقوبة، ولا عذر لهم، لا عذر لهم لأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم. ﴿وَمَا ظَلَمَنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. فبسبب ذنبهم عاقبهم ربهم تبارك وتعالى. «قال: وفي مسند الإمام أحمد من حديث أم سلمة». ما اسمها؟ أم سلمة يا أبا عبد الرحمن، ما اسمها؟ أم سلمة المخزومية، طيب، أحسنت. نعم يا أبا خان: هند بنت أبي أمية المخزومية، زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. «قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده. إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده. قالت: فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ كيف تعمى المعاصي؟ أين أهل الخير؟ أين الناصحون؟ أين أهل الاستقامة؟ قالت: فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ قال: بلى. قالت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس، أي من العذاب، قال: ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان، يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والطبراني وغيرهما، وهو من طريق ليث بن أبي سليم يرويه عن علقمة بن مرثد عن المعرور بن سويد عن أم سلمة. وهذا إسناد ضعيف، ما سبب ضعفه؟ ما سبب ضعفه؟ قلنا: من طريق ليث بن أبي سليم عن علقمة بن مرثد عن المعرور بن سويد عن أم سلمة. سويد، المعرور بن سويد، يعني ظن أو يقين؟ يعني بالظن أو باليقين؟ بالشك، إذن هو ظن، صح. طيب، ليث بن أبي سليم هذا ضعيف، هذا ضعيف، لكنه توبع، أي تابعه غيره، ولهذا الحديث حسنه أو صححه الألباني رحمه الله تعالى كما في الصحيحة. لكن في الصحيحة رأيته ذكره عن عائشة وليس عن أم سلمة، فالحديث ماذا؟ حسن أو صحيح، حسن أو صحيح. ويشهد له كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أهله فزعاً وهو يقول: «ويل للعرب من شر قد اقترب، قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هاتين». فقالت له زوجه زينب بنت جحش: «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث، إذا كثر الخبث». وهكذا غيره مما يدخل في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: «قال: وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم». والحسن مر معنا قريباً، هو ابن أبي الحسن يسار البصري، إمام من أئمة التابعين. وماذا؟ مراسيله كما ذكر العلماء من أضعف المراسيل، من أضعف المراسيل. «قال: وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم». فما هو المرسل؟ ما هو المرسل؟ ما هو المرسل يا أبا هارون؟ أليس البقوني يقول: «ومرسل منه الصحابي سقط