استهل الشيخ سلسلة المسائل الفقهية بكتاب الطهارة مستعرضاً حديث أبي هريرة في طهارة ماء البحر وإحلال ميتته، مبيناً تخريج الحديث في السنن والموطأ، وتصحيح الترمذي وأكثر من عشرين إماماً له، وتلقي الأمة له بالقبول، مع ذكر خلاف ابن عمر وكراهيته، وضعف قلة من المتأخرين لسعيد بن سلم.
أكد المقطع صحة حديث «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» بتوثيق النسائي وشواهد الترمذي، ثم شرع في شرح معنى الطهارة لغةً بأنها التنزه عن الأقذار الحسية والمعنوية، وشرعاً بأنها ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث على حد تعريف الفقهاء.
فصل المقطع في نوعي الطهارة الشرعية: رفع الحدث كالوضوء والغسل، وزوال الخبث وهو النجاسة الحسية، مفرقاً بين الطهارة الرافعة للحدث حقيقة وتلك التي في معناها كطهارة ذوي الأعذار والمستحبات، ومبيناً أن زوال النجاسة لا يشترط فيه النية بخلاف رفع الحدث.
استشهد المقطع بآية قرآنية تحث على نفر طائفة من كل جماعة لتتفقه في الدين وتنذر قومها عند الرجوع، مؤكداً أن المسائل الفقهية المبحوثة مأخوذة من سنة النبي ﷺ، ومقدماً الشيخ عبد الله باسعد مدرس دار الحديث.
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشيخ. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الإخوة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فها نحن إن شاء الله تعالى نكمل ما قد بدأنا في الكلام على المسائل الفقهية من قول خير البرية عليه الصلاة والسلام، حلقات فيها من الفقه العظيم، وفيها من المسائل الفقهية التي نأخذها من أحاديث رسول الله، والتي استنبطها العلماء من كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإن شاء الله تعالى نبدأ إن شاء الله من هذا اليوم في أخذ الحديث من كتاب الطهارة، من كتاب الطهارة. فأولاً نأخذ هذا الحديث الذي رواه الإمام أبو داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم، ونأخذ هنا إسناد الترمذي رحمه الله. فقال الإمام أبو عيسى الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله، في كتابه الجامع: حدثنا قتيبة، عن مالك. قتيبة بن سعيد، الثقفي، البغلاني، عن مالك، وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة. قال: ح، وحدثنا الأنصاري، إسحاق، وإسحاق، وحدثنا الأنصاري، إسحاق بن موسى. أي: "ح" هنا تحويل سند، أي حدثه قتيبة، وحدثه أيضاً إسحاق بن موسى. قال: حدثنا معن، حدثنا معن، ومعن هو ابن عيسى، أبو يحيى الأشجعي، وهو ثقة، ممن كان يقرأ على مالك. قال: حدثنا مالك رحمه الله، ومالك هو ابن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي الحميري، أبو عبد الله المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، رحمة الله عليه. قال: عن صفوان بن سليم، صفوان بن سليم المدني، أبو عبد الله، القرشي، الزهري، وهو فقيه، عابد، ومحدث. قال أنس بن عياض: لو قيل لصفوان بن سليم أن القيامة غداً ستقوم، ما استطاع أن يزيد في عمله، أي لشدة اجتهاده في العبادة. قال: عن سعيد بن سلم، عن سعيد بن سلم، وهو المخزومي المدني، من آل ابن الأزرق، وقد وثقه النسائي، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه. أن المغيرة بن أبي بردة، المغيرة هو ابن عبد الله بن أبي بردة، الحجازي، العبدري، المدني، وهو إن شاء الله تعالى ثقة أيضاً، ووثقه النسائي وغيره. قال: أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل، سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ، أفنتوضأ من البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». وفي الباب عن جابر، والفراسي. قال الإمام الترمذي رحمه الله: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، منهم أبو بكر، وعمر، وابن عباس، لم يروا بأساً بماء البحر. وقد كره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الوضوء بماء البحر، منهم ابن عمر، وعبد الله بن عمر، وقال عبد الله بن عمر: هو نار. فهذا الحديث الصحيح الذي قد أخرجه ليس الإمام فقط، أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والترمذي، وكذلك أخرجه الإمام مالك، والشافعي رحمهما الله، وكذلك غيرهم من الأئمة: ابن خزيمة، وابن حبان، والبايق، والحاكم، وهو حديث صحيح قد تلقته الأمة بالقبول، كما قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله. وقد ذكر الإمام الترمذي أيضاً تصحيح البخاري لهذا الحديث، وأيضاً قد صححه جماعة كثيرون، منهم علماء أكثر من عشرين إماماً من أئمة الإسلام، ولم يعرف عن أحد أنه ضعفه، إلا ما كان من الإمام أبي الفتح الخشيري، وابن دقيق العيد، وكذلك ابن القطان الفاسي، فإنهما ضعفا هذا الحديث، قالوا: لجهالة سعيد بن سلم. وسعيد الصحيح أنه وثقه النسائي، وكذلك إن كان فيه شيء من الجهالة فهي مرتفعة لقبول العلماء هذا الحديث، وكذلك ما جاء له من شواهد، كما ذكر ذلك الإمام الترمذي أنه قد جاء عن جابر بن عبد الله، وعن رجل فراسي من الصحابة رضي الله عنه، فلذلك فالحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الحديث فيه عدة مسائل، فيه عدة مسائل من مسائل الفقه والعلم. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». وإن شاء الله لا نأخذ من ناحية ألفاظ الحديث لغة، لكن نأخذ معناه إجمالاً. فهذا الحديث جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأله أنهم يركبون البحر، ويأخذون معهم ماء للشرب، فإذا عطشوا شربوا من هذا الماء، ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل يتوضأون؟ لا يستطيعون أن يتوضأوا من هذا الماء لأنه قليل، فهل يتوضأون من ماء البحر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الماء طهور، والطهور هنا بفتح الطاء، المراد به المطهر، المراد به المطهر الذي يتطهر به. طهور، وهو المراد به أن هذا الماء، وإذا ضم الطاء فقال: فقيل الطهور، وهو المراد به الفعل، المراد به الفعل. هكذا قال الإمام النووي رحمه الله، وقد يطلق هذا على هذا، معناه قد يقال طهور ويراد به، ويراد به الماء الذي يتطهر به، ويقال طهور ويراد به الفعل. لكن المشهور عند أهل العلم وهل اللغة أن الطهور هو الماء الذي يستعمل للطهارة، والطهور هو الفعل، والطهور هو فعل الطهارة. وهنا طهور لأن هذا الماء يستعمل للطهارة. والطهارة، الطهارة هنا المراد بها في اللغة النظافة والنزاهة عن الأقذار، سواء كانت هذه الأقذار حسية أو معنوية. فإذا زال القذر الثابت على بدنه، أو على ثوبه، أو على بقعته، فإن هذا طهارة. وإذا زال القذر المعنوي كالشرك بالله والمعاصي، فهذه طهارة أيضاً. فلذلك فالطهارة حسية ومعنوية. المعنوية هي ما يتطهر به القلب والنفس، وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، أي طهرها من الشرك وغيره. ومن ذلك سمى الله عز وجل أهل الشرك بنجس: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، لكونهم قد وقع فيهم القذر المعنوي، وإن كانوا طاهرين طهارة حسية. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم ربط المشرك، تمامة بن أثال، قبل أن يسلم، قبل أن يدخل الإسلام، ربطه في المسجد، فلو كان نجساً حسياً لما ربط. فلذلك الكافر إذا صوفح أو جلس على بقعة، فلا تتنجس اليد ولا البقعة، لأن نجاسته نجاسة معنوية. فالنجاسة الحسية والمعنوية، التنزه عنهما يسمى طهارة. هذا هو تعريف الطهارة لغة. وأيضاً عرفها العلماء من ناحية الشرع، الطهارة، عرفها العلماء بتعريف كلها متقاربة. ومن تلك التعريف ما ذكره بعض الحنابلة، وكذلك بعض الشافعية، فقالوا: أن الطهارة هي ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث. ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث. فارتفاع الحدث هو وصف، أي أنه معنى من المعاني، فهو ليس حسية، وإنما هو وصف يقوم بالبدن، يمنع من الصلاة ونحوها مما يشترط فيه الطهارة. فهو إذن، أي الحدث، ليس شيئاً محسوساً يرى بالأبصار، أو يمس باليد، وإنما هو شيء معنوي. إذن الطهارة هي ارتفاع الحدث، أن يرتفع هذا الحدث، الوصف الذي يمنع من قيام الصلاة، فلا يبقى قائماً في الجسد، بل يزول عنه ويرتفع. هذا الشيء، فإذا توضأ المسلم الوضوء الشرعي، وكان قد أحدث قبل ذلك، فإن هذا الوضوء يرفع الحدث الذي قام به، فهو طهارة. كذلك الغسل، فالجنب مثلاً إذا قام به وصف، ليس شيئاً محسوساً قام به يمنعه من الصلاة، وإنما هو شيء معنوي، فإذا اغتسل ذهب منه هذا الشيء المعنوي، فبقي ليس بمحدث، بل طاهر أو متطهر. وقولهم: وما في معناه، كذلك ما في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة. كما أن ارتفاع الحدث بالغسل أو الوضوء أو التيمم يسمى طهارة، فكذلك ما يكون في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة. وفي هذه الصورة إما أن يكون الحدث موجوداً، أو لا يكون موجوداً. وهو إن كان موجوداً، فإن هذا الفعل الذي يسمى طهارة لم يزله، بل هو باق، لذا قلنا: وما في معنى، لأنه لو كان ارتفاعاً لما قلنا: في معنى ارتفاع الحدث. إذن يدخل في لفظة "وما في معنى" صورتان: الصورة الأولى أن يكون الحدث ليس بمرتفع، بل هو باق، ومع ذلك يسمى طهارة. والصورة الثانية: لا يكون محدثاً، لكنه فعل فعل الطهارة. فأما الصورة الأولى، فمثالها: من لديه سلس بول، أو المرأة المستحاضة، أو من كان فيه انفلات ريح ونحو ذلك، فإنهم عندما يتوضؤون الوضوء الشرعي، حدثهم باق، غير مرتفع، لأن الحدث عندهم متجدد، ولكنهم قد تطهروا طهارة شرعية صحيحة، فهي على صورة الوضوء الشرعي صحيح، ولكن مع ذلك الحدث باق، فهذه تسمى طهارة شرعية، لكنها ليست ارتفاعاً للحدث، فالحدث باق، وإنما هي في معنى ارتفاع الحدث. وأما إذا كان الحدث غير موجود، فمثال ذلك: الوضوء المستحب، أو الغسل المستحب، مثلاً تجديد وضوء، من أراد أن يجدد وضوءه، فالحدث أصلاً غير موجود، لكن هذا التجديد يسمى طهارة. كذلك الغسل المستحب كغسل العيد مثلاً، فإنه يسمى طهارة، والشخص عندما يغتسل غسل الجمعة مثلاً، هو ليس عليه حدث، فهو في معنى ارتفاع الحدث، لأنه شابهه في الصورة، فغسل الجمعة كغسل الجنابة تماماً، وكذلك الوضوء المستحب، وهو ما يسمى بتجديد الوضوء، فعندما يجدد وضوءه، فإنه عليه طهارة، فإنه عليه هذه الطهارة، إذا جدد وضوءه تسمى طهارة، لكنها ليس فيها ارتفاع الحدث، لكن بمعنى طيب، فهذا بمعنى الطهارة في قوله: ارتفاع الحدث. وأما زوال الخبث، المراد هنا النجاسة الحسية، لأن الفقهاء ليس مبحثهم في الخبث المعنوي كالشرك، وإنما مبحثهم في الخبث الحسي، وهي النجاسة التي حكم الشرع بنجاستها، وسيأتي إن شاء الله البحث في هذا، فسيأتي إن شاء الله أحاديث تبين فيها بعض النجاسات وكيف إزالتها. فالنجاسة الحسية كالبول والعذرة ونحو ذلك، زوالها عن البدن أو البقعة أو الثوب يسمى طهارة. عندما يزول الخبث الواقع الطارئ على الثوب، فينظف بالماء، أو يزول بغير ذلك، فإن هذا يسمى طهارة. وقال هنا: زوال الخبث، ولم يقل: إزالة الخبث، وهذا من دقة بعض الفقهاء، معنى هذا التعريف الذي جئنا به، من دقة بعض الفقهاء، لأن لو قلنا: إزالة الخبث، فمعنى ذلك أن الخبث يحتاج إلى نية، لكن يقول: زوال الخبث، لأن النية لا تشترط في إزالة النجاسة، فالنجاسة لا تحتاج إلى نية. فلو أن رجلاً علق ثوباً، فنزل عليه مطر، وفيه نجاسة، فإنه لم يفعل المكلف هنا التطهير، والثوب قد طهر بزوال نجاسته بسبب نزول المطر عليه. ولو غسل ثيابه، وفيها نجاسة، وهو لا يعلم بوجود هذه النجاسة، وغسل ثيابه لإزالة ما فيها من الأوساخ الأخرى، ولا يعلم أن فيها نجاسة، فهو لم ينوِ، زالت النجاسة، ومع ذلك تزول، لأن النجاسة من باب الطروقات، وليس من باب الأفعال. فلذلك قول جمهور العلماء أنه لا يشترط فيها النية، وإنما المقصود هو إزالتها، سواء زالت بفعل المكلف ونيته، أو بفعله بدون نية، أو زالت بفعل غير واقع عليه، معنى بفعل شيء ليس عليه تكليف، كماء السماء أو نحو ذلك، فإن النجاسة تزول. وعلى هذا، فلذلك يقول العلماء: رفع الحدث، وزوال النجس، رفع الحدث، وزوال النجس، لأن رفع الحدث يحتاج إلى نية. فلو أن مثلاً رجلاً اغتسل بغير نية، وتبين أن عليه جنابة، فإن هذا الغسل لا يجزئه، لأنه لم ينوِ إزالة الجنابة الواقع عليه. وسيأتي كلام على إزالة النجاسة، أو الجنابة، وغيره، في الأحاديث التي ستأتي إن شاء الله تعالى. وهنا في هذا الحديث قال: «الطهور، هو الطهور ماؤه»، وقوله: «ماؤه» هنا، إن شاء الله تعالى، هذه الجملة نتكلم عليها في الدرس اللاحق. فهنا بينا معنى الطهارة، الطهارة الشرعية التي يقصدها الفقهاء، وإن شاء الله تعالى في الدرس اللاحق نذكر ما المقصود بالمياه، فنكتفي بهذا، أو ما المقصود بقوله عليه الصلاة والسلام: «هو الطهور، والطهور ماؤه»؟ فأنا اكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشيخ. شكراً.