تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 25

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 25

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات المنافقين: التناقض بين القول والعمل والفساد في الأرض

يفسر الشيخ السعدي آيات النفاق مبيناً أن المنافقين يظهرون الكلام الحسن ويشهدون الله على نواياهم الحسنة بينما هم كاذبون لا يعملون بما يقولون، ويسعون في الأرض فساداً وإذا نُصِحوا استكبروا فاستحقوا جهنم. كما يوضح أن المؤمن الحقيقي ينقاد للحق ويسعى للاستقامة ما استطاع.

إفساد المنافقين في الأرض وتأثير المعاصي على الحرث والنسل

يبيّن المقطع صفات المنافقين الذين يُظهرون الكلام الحسن عند حضورهم ويسعون في الإفساد عند غيابهم متعاونين مع الأعداء ضد المؤمنين. ويوضح أن فسادهم في الأرض يهلك الحرث والنسل نقصاً في البركة بسبب المعاصي مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾، وأن الله لا يحب الفساد ولا المفسدين.

اختبار الناس بالأعمال لا بالأقوال والتحذير من الاغترار بأهل البدع

يؤكد المقطع أن حسن القول وحده لا يبرئ صاحبه عند الله بل لا بد من العمل المصدق له، ويحذر من الاغترار بالخطابة المعسولة لأهل البدع والخوارج والثوريين الذين يزينون كلامهم لنشر أهوائهم. مستشهداً بأقوال الإمام أحمد والأوزاعي في وجوب اتباع آثار السلف والنظر إلى قرائن أحوال الناس وأعمالهم لا إلى تزكيتهم لأنفسهم.

تكبر المفسد عند الأمر بتقوى الله وعاقبته المنتظرة

يُشير المقطع إلى أن من يفسد في الأرض بمعاصي الله إذا أُمر بتقواه يستكبر ويرفض الامتثال للحق. ويختم بالإشارة إلى أن عاقبة هذا التكبر ستُفصل في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾. قال رحمه الله: قوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى ﴾، هذا الذي يعجبك قوله. إذا حضر عندك، أنا ذكر ربنا جل وعلا صنفا من صنف المنافقين، فهو إذا تكلم تكلم بكلام جميل، وأيضا يشهد الله عز وجل أن قلبه يريد الخير ويريد كذا، وهو كاذب وماكر، وإنما يريد أن يصرف الناس عن الخير. وأيضا لا يوافق قوله فعلا، أن قوله في شق وفعله في شق آخر، مثل ما قال الله عز وجل مخاطبا أهل الإيمان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾. والمقت هو شد الغضب، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. أنا شد يغضب الله عز وجل على العبد الذي يتكلم بكلام لا يطبقه. وهذا يحمل على العموم، وإلا فليس كل أحد يتكلم بكلام يطبقه، لكن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ثوبان: «استقيموا ولن تحصوا، استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة». أن الإنسان يستقيم، يتقي الله ما استطاع. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما خطب كما في حديث الحزن والحكم بن حزن الكلفي: «سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يخطب ويقول: إنكم لن تطيقوا أن تعملوا كل ما أمرتكم به، فسددوا وقاربوا». فالإنسان يسدد ويقارب ويتقي الله ما استطاع، ولابد أن تحصل منه الأخطاء، تحصل منه المخالفات. لكن المراد هنا من لا يعبأ، هو يعبأ معناه: يقول قولا وهو أصلا لا يريد أن يعمل به، لا يريد أن يعمل به في نيته ذلك. وهذا حال المنافقين، فهم يتكلمون بكلامهم وهم يعلمون أنهم كذب، معناه أنهم لا يقومون، لا يفعلون هذا الكلام الذي يقولونه. وأيضا ذكر أن ذكر ربنا جل وعلا هنا أيضا خصلة من خصالهم، وهو الفجور في الخصومة واللدد والصعوبة والتعصب وعدم الانقياد للحق، فهذا من صفات أهل النفاق وليس من صفات أهل الإيمان. فأهل الإيمان ينقادون للحق، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن كالجمل الأنف، حيث ما انقاد». معناه ما يكون فيه خصومة وجدال ولجاج، إذا عرف الحق اتبعه. ثم ذكر صفة أخرى، قال: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى ﴾، أي هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك، ﴿ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾، معناه: يتكلم بكلام جميل وكلام الخير وكذا، وهو إذا تولى وذهب من ذلك المكان سعى في الإفساد، سعى في الإفساد. تجد أن هؤلاء أهل النفاق وغيرهم يأتون إلى أهل الإيمان فيتكلمون بالكلام الجميل الذي يوافق ويفرح مثلا أهل الإيمان، وهم يمكرون بهم، يمكرون بأهل الإيمان، ويحاولون أن... معناه يتعاونون مع أعدائهم ضدهم، كما قال الله عز وجل عن المنافقين: ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ﴾. قال رحمه الله: أن يجتهد على أعمال المعاصي، عندما قال: ﴿ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾، أن يجتهد على أعمال المعاصي التي هي إفساد في الأرض، فيهلك بسبب ذلك، أو فيهلك بسبب ذلك الحرث والنسل. فالزروع والثمار والمواشي تتلف وتنقص وتقل بركتها بسبب العمل في المعاصي. معناه: بسبب هؤلاء الذين يفسدون في الأرض فهم يهلكون الحرث والنسل. وهذا الهلاك هلاك قدري وإهلاك أيضا شرعي، معنى بقدر الله عز وجل، وكذلك بسبب ذنوبهم وبسبب هذه المعاصي والفساد الذي في الأرض تقل بركة الأرض، تقل بركة الأرض. ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾، هذا الفساد وهو قلة البركة أو نقصانه أو عدمه، فهذا الفساد الذي يحصل فيه، وهذا بسبب ذنوب الناس. ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾. وهنا قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾، فالمراد هنا أنه لا يهلك الحرث والنسل أي أنه مثلا يقطع الأشجار وكذا، لا، لكنه بفساده يفسد الأرض، بفساده يفسد الأرض. وهذا أيضا الذي ذكر بعض العلم في تفسير قول الله عز وجل: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾، أنها تحدث أن هؤلاء هم سبب فساد الأرض، وأنهم فعلوا وفعلوا فيها. قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾، قال: فإذا كان لا يحب الفساد فهو يبغض العبد المفسد في الأرض غاية البغض، كما جاء في الآيات: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾. قال: وإن قال بلسانه قولا حسنا فهذا لا يبرئ عند الله جل وعلا، لكن العمل بالعلم هو الذي يبرئه عند الله. قال: ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص ليست دليلا على صدق ولا كذب ولا بر ولا فجور، حتى يوجد العمل المصدق لها المزكي لها. أنا ليس كل من ألان الكلام وتخشع في الكلام، وأيضا ذكر من قول خير البرية وغير من هذه الأشياء التي قد تجدها في بعض الخوارج وغيرهم، فليس كل من قال هذا يسمع له، كما قال الإمام أحمد في الحارث المحاسبي: «أكل ما جاءنا رجل ومن أهل البدع يتكلم بكلام الله يسمع له؟ لا ولا كرامة، ولا نعمة عين». أنا ليس كل أحد يسمع له، فالإنسان لا يخلط على نفسه. فإذا أعجبه بعض الناس ولو من أهل البدع وأهل الثورات والتحزبات، تجد أنه يستمع له، يقول: أنا أعجبني هذا، أعجبني وعظة، أعجبني كذا. فهؤلاء أهل القصص غالبا، وكذلك أهل الأشياء المبتكرة يبتكرونها ليست موجودة في الواقع حتى يزينوا كلامهم. وكان هذا أيضا دأب الخوارج وغيرهم، فهم أهل قصص وليس أهل عمل، وكذلك ليس هم من أهل أيضا التحقق في دين الله عز وجل والعمل في دين الله، وإنما يحسنون الكلام فقط. فلهذا لا يغتر الإنسان بمثل هؤلاء، وبمثل هؤلاء الذين يدعون إلى الثورات وغيرهم. الآن انتشر كثيرا يدعون الناس إلى الفساد في الأرض، فيغتر الإنسان بخطبة أو بموعظة شديدة، فتجد أنه يحب هذا الشخص ويسمع له ويدخله في جواله وكذا، فهذا خطأ، هذا خطأ، هذا يجرك إلى التساهل في شرع الله، وكذلك قد يدخل عليك بعض الأفكار الهدامة التي ليست من دين الله جل وعلا. طيب، قال رحمه الله: وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود، والمحق والمبطل من الناس، ببر أعمالهم والنظر لقرائن أحوالهم، لا نأخذ كل أحد، وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم، كما قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: «عليك بآثار السلف، ولا تغتر... أو عليك بآثار السلف، وإياك وأراء أهل الأهواء، وإياك وأراء أهل الأهواء، وإن زخرفوهم، وإن زخرفوها لكم بالقول، جاءوا بالقول الحسن والكلام الحسن: نحن على الكتاب والسنة، ويستدلون بكتاب الله بسنة رسول الله، فإن هذا لا يجديهم شيئا، وإنما هذا من زخرف القول، وإلا هم يريدون أن ينشروا بدعهم وأهواءهم». فلهذا ينظر إلى قرائن أحوالهم، وأن لا يغتر بتمويه وتزكيتهم أنفسهم. ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف. أنا في العاقبة التي بعدها إن شاء الله تعالى نتركها في الدرس اللاحق. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر