كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 47

كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 47

الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 47، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم الرجوع في الهبة واختلاف العلماء في اشتراط القبض

يحرم الرجوع في الهبة بعد قبضها استناداً إلى حديث «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»، بينما اختلف العلماء في الرجوع قبل القبض فأجاز الجمهور وكره الحنفية وحرمه ابن تيمية لاعتباره إخلاف وعد. ويستثنى الوالد في الرجوع فيما أعطى ولده إلا إذا أسقط حق الرجوع.

أحكام رجوع الواهب والعدل بين الأولاد وآداب قبول الهدية

يمكن إسقاط حق الرجوع باشتراط عدم الرجوع، ويمنع رجوع الوالد في مرض مخوف إذا قصد حرمان الورثة أو الإضرار بهم. يجب العدل بين الأولاد في العطايا بخيارات الرجوع أو المعادلة أو القسمة، ويستحب قبول الهدية وعدم ردها اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

حق الأب في مال ولده واستغلال المال الفائض في النفقة على الوالدين

للأب التملك من مال ولده بشرط عدم الضرر بالولد، وعدم العطية لولد آخر، وعدم كون ذلك في مرض الموت، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك». كما يجب على الابن إنفاق المال الزائد عن حاجته، كبيع سيارة فائضة، للإنفاق على الوالدين المحتاجين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: وبعد تقبيض الهبة وقبولها لا يحل الرجوع فيها، لحديث: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» متفق عليه. بمعنى: إذا أعطيت الهدية لا يجوز لك أن تتراجع، وأن تقول لمن أهدى إليه: «أنا تراجعت، هات ما أعطيتك». هذا لا يجوز، فقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذا العائد في هبته مثل الكلب يقيء. والقيء هو إخراج ما في البطن، تمام بعد إدخاله. يقيء يعني يخرج ما في بطنه، وهو كلب. انظر إلى بشاعة هذا المثل. ومع هذا، الكلب لما يخرج هذا يقوم مرة أخرى يأكله، يأكله مرة أخرى، يعني قذارة مع قذارة. فهكذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم من يرجع في هبته. وقوله: «بعد تقبيض الهبة» اختلف العلماء في الرجوع عن الهبة، هل يشترط فيها القبض أو لا يشترط؟ مثال ذلك: قلت لإنسان: يا فلان، لك مني هدية، سأعطيك كتابا أو سأعطيك قلما أو سأعطيك دراجة. طيب، ثم بعد لحظة أو بعد يوم قلت له: أنا تراجعت عن كلامي ذلك، ما سأعطيك شيئا. هل هذا يدخل في الرجوع عن الهدية؟ لأن هنا قال: «بعد تقبيض الهبة». جمهور أهل العلم ذهبوا إلى أن التحريم في الرجوع إنما بعد القبض، أما قبل القبض فلا. وذهب الحنفية إلى كراهة ذلك، أي: الرجوع عن الهبة، يعني بعد الكلام وقبل القبض، قالوا: هذا مكروه الرجوع فيها. وأما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإنه يرى التحريم، يرى التحريم كذلك حتى قبل القبض، قال: لأن هذا فيه إخلاف للوعد، فقوله: «سأعطيك هذا» مثل الوعد، فكونه يخلف وعده هذا يدخل في صفات المنافقين: «وإذا وعد أخلف»، وهذا من الأمور المحرمة. والأقرب والله أعلم أن التحريم كذلك يثبت حتى بمجرد الوعد، لماذا؟ لأن القائل لفلان: «سأعطيك كذا وكذا»، هذا كما ذكر شيخ الإسلام هو وعد، فإذا تراجعت، فالنفس يكون فيها ما فيها من التعلق بهذه الهدية، فإذا لم تعطَ هذه الهدية، يعني كان فيها من الحسرة، يعني الحزن، وكذلك شيء من الضيق ونحو ذلك، لأن النفس قد تعلقت بذلك. فالله أعلم، ما قاله شيخ الإسلام هو الأقرب في عموم التحريم، في عموم التحريم. وقال: وفي الحديث الآخر: «لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده» رواه أهل السنن. وهذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم: «لا يحل لرجل» لا يحل يعني لا يجوز لرجل مسلم أن يعطي العطية يعني الهدية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده. هذا استثناء في الرجوع عن الهدية للأب، للوالد، لأن الوالد مال ولده له: «أنت ومالك لأبيك» كما سيأتي معنا، فيجوز له الرجوع، يجوز له الرجوع إلا بشرط: لا يجوز له الرجوع إذا أسقط حق الرجوع. كيف أسقط حق الرجوع؟ يعني قال لولده: «هذه هدية مني إليك على ألا أرجع عنها»، واضح: «على ألا أرجع عنها». إذا اشترط هذا الشرط، وجب عليه أن يوفي بهذا الشرط، وجب عليه أن يوفي بهذا الشرط. أما إذا لم يشترط على نفسه، فله أن يرجع هذه الهدية أو العطية. نعم. وذكر أهل العلم أيضا مسألة أخرى تتعلق برجوع الوالد عن الهبة، هذه المسألة إذا كان كما سيأتي معنا في المرض المخوف، في المرض المخوف. يعني مثلا: مرض الولد وقد أعطاه سيارة، وهذا المرض مخوف، فقال الوالد: خلاص، أنا تراجعت عن هذه السيارة، ويريد بهذا لا شك أنه يحرم أولاد ابنه من ماذا؟ من الإرث. أو العكس: أعطاه سيارة، طيب، ثم بعد ذلك مرض الوالد مرضا مخوفا، طيب أو مخوف، فهنا أراد أن يأخذ السيارة حتى يرث بقية الورثة معه هذه السيارة. طيب، فهنا لا يجوز ذلك، لماذا؟ لأنه يكون فيه ماذا؟ يكون فيه ضرر. وكما سيأتي معنا أيضا في كلام المؤلف، في كلام المؤلف هنا مسألة أخرى أيضا: الحديث المتقدم حديث النعمان بن بشير: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». طيب، إذا أعطى الأب إحدى أبنائه عطية ولم يعطِ الآخرين، عطاه سيارة ولم يعطِ الآخرين، فماذا يجب على الأب حينئذ؟ يجب على الأب حينئذ إحدى أمور ثلاثة، ثلاثة يجب عليه إحدى أمور ثلاثة: الأمر الأول: أن يتراجع عن هذه العطية، يقول: خلاص، هات السيارة، ويأخذها، تمام. الأمر الثاني: أن يعطي بقية أبنائه، من سيارة يترك السيارة مع ولده، ويعطي الأولاد كل واحد سيارة مثل تلك السيارة بعدل، تمام. الأمر الثالث: أن يقسم هذه السيارة بين الأولاد، ما معه إلا هذه السيارة، يبيعها ويشتري مثلا سيارة أقل منها ثمنا، بدلا من سيارة سيارتين، أو يعطيهم مالا، السيارة أتت بثلاثين مليون، يعطي ثلاثة منهم كل واحد عشرة ملايين، فما تبرأ ذمته، ما تبرأ ذمته إلا بإحدى هذه الثلاثة. واضح؟ إنسان حائف وظلم في العطية، فأعطى إحدى أولاده ولم يعطِ الآخرين، ولم يعطِ الآخرين، فماذا عليه؟ عليه إحدى أمور ثلاثة: إما أن يعطي الآخرين بمثل ما أعطى هذا الابن، وإما أن يأخذ هذه السيارة من الولد ولا يعطي أحدا شيئا، وإما أن يقسم هذه العطايا بين أولاده بالتساوي. واضح هذا الآن؟ هذا أيضا من المسائل التي تذكر في باب الهدية. وقال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها. هذا فيه حكم أخذ الهدية، وأنه يستحب أخذ الهدية وعدم ردها. أولا: أنه من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية. وثانيا: أن رد الهدية يكون فيه يعني ماذا؟ انكسار للمهدي، وكذلك يكون فيه سوء أدب مع ذلك المهدي. فلو أهداك إنسان وردت هدية، سيقول: لماذا رد هديتي؟ ماذا فعلت به حتى يرد هذه الهدية؟ سيأخذ في خاطره، صح، وسيحزن على رد هذه الهدية. ولذلك مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو دعيت إلى ذراع أو إلى كراع لأجبت، أو لأقبلت» وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذن الهدية تقبل اقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو كانت شيئا يسيرا، ولو لم يكن لك رغبة بهذه الهدية، خذها ثم تصرف فيها. الهدية يجوز أن تباع، ويجوز أن تهدي للغير، يجوز ذلك ولا حرج في ذلك. فأنت تأخذها وتشعر المهدي بأنك فرح بهذه الهدية حتى تجبر خاطره، حتى تجبر خاطره. وقوله: «ويثيب عليها»، ويثيب عليها، الإثابة عليها بمعنى أنه يعني يرد الجميل لمن أهدى إليه بأن يهدي له كما أهدى له، واضح. ولذلك استحب العلماء الإثابة على الهدية، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له، أو قولوا: جزاكم الله خيرا». وهذا من الإثابة، لا يلزم من الإثابة أن تكون بالمال، لا، قد تكون الإثابة بالدعاء، بالدعاء لهذا المهدي، أن تدعو له، أن تدعو له أن يبارك الله مثلا في ماله ونحو ذلك، فهذا أيضا من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال: وللأب الحر المسلم... هو قال: وللأب، يعني لا شك أنه الحر المسلم، لأن العبد لا يملك، والكافر ليس له سبيل على المؤمن. قال: وللأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، ما لم يضره، أو يعطيه لولد آخر، أو يكون بمرض موت أحدهما، لحديث: «أنت ومالك لأبيك» أخرجه ابن ماجه. هذه المسألة مسألة مهمة، ويحصل فيها خلط، ويحصل فيها خصام بين الآباء والأبناء، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك». فبعض الآباء يستغل هذا الحديث ويريد أن يأخذ كل أموال ولده، يقول له: «أنت، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنت ومالك لأبيك، هات، هات»، يأخذ على أموال ابنه. لا، ليس مفهوم الحديث هكذا. ولذلك هنا قيد المؤلف قال: وللأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، ذكر شروطا أربعة: الشرط الأول: ما لم يضره. كيف ما لم يضره؟ مثلا: الابن معه سيارة يذهب بها إلى العمل، يأخذ بها أسرته، جاء الوالد وقال له: أنا أريد السيارة، وليس الوالد بحاجة ماسة للسيارة مثل حاجة الولد. أما إذا كان بحاجة ماسة، وحاجته لا تقل عن حاجة الولد، فهنا الولد يؤثر أباه على نفسه للأمر بالإحسان إلى الوالدين. لكن إذا لم تكن حاجة الأب لهذه السيارة مثل حاجة الابن، فهنا لا يجوز للأب أن يأخذ هذه السيارة، لماذا؟ لأن الابن يتضرر بهذا الأخذ. ولد عنده بيت يسكن هو وأولاده، جاء أبوه قال: لهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنت ومالك لأبيك»، أخرج من هذا البيت، أنا هذا البيت أريده، أخرج منه. هل هذا يجوز؟ هذا لا يجوز، لأن هذا فيه ضرر على هذا الولد. وإنما متى يعطى هذا الأب؟ يعطى إذا لم يكن هناك ضرر. الولد مثلا معه سيارتان، سيارة يستخدمها، سيارة لا يستخدمها، ذاك الاستخدام، فاحتاج أبوه