الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن الآية تأمر النبي ﷺ بإعلان إسلامه ودعوة أهل الكتاب والأميين، فمن أسلم فقد اهتدى ومن تولى فحسابه على الله. ويذكر أمثلة من سيرة النبي ﷺ مع يهود المدينة الذين كانوا يجادلونه بأسئلة تعجيزية دون أن يسلموا، فيقيم عليهم الحجة ويبين لهم الحق.
يوضح المقطع أن اليهود كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم دون طلب للحق، فآمن منهم عبد الله بن سلام وأكثرهم عاندوا. فأمر الله نبيه بقطع المجادلة والإعلان عن إسلام وجهه لله، وأن الهداية بيد الله وحده وعلى النبي البلاغ فقط.
يتناول المقطع قصة وفد نصارى نجران الذين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت آية الدعوة إلى كلمة سواء تقوم على توحيد الله ونبذ الشرك وعدم اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله. كما يوضح سبب نزول آية المباهلة وامتناعهم عنها، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخضع للجدل بل يبلغ الدعوة ويعرض الإسلام فحسب.
توضح الآية أن مهمة النبي تقتصر على تبليغ الوحي، بينما الحساب على من أعرض يعود إلى الله. ويؤكد المقطع أن الله بصير بالعباد وسيجازي كلا حسب عمله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال رحمه الله: لما بين ربنا جل وعلا أن الدين الحقيقي عنده الإسلام، وكان أهل الكتاب قد شافَهوا النبي عليه الصلاة والسلام بالمجادلة، وقامت عليهم الحجة فعاندوها، أمره الله تعالى عند ذلك أن يقول ويعلن أنه قد أسلم وجهه أي ظاهره وباطنه لله، وأن من اتبعه كذلك قد وافقوه على هذا الإقرار الخالص، وأن يقول للناس كلهم من أهل الكتاب والأميين، أي الذين ليس لهم كتاب من العرب وغيرهم: إن أسلمتم فقد اهتديتم إلى الطريق المستقيم والهدى والحق، وإن توليتم فحسابكم على الله، وأنا ليس علي إلا البلاغ، وقد أبلغتكم وأقمت عليكم الحجة. فهذه الآية أيضًا امتداد لتلك الآية. بين الشيخ رحمه الله في تفسير هذه الآية أن الله عز وجل بعدما بين حقيقة هذا الدين، وأنه الإسلام، فما دام أن الدين هو الإسلام، فلابد على كل أحد أن يسلم لله جل وعلا. فإن أحدًا عارض وجادل، مثل اليهود الذين جادلوا، قال الله عز وجل وأمر نبيه: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، ومن اتبعني أيضًا أسلم وجهه لله. وأما مجادلة اليهود فهي لا تنفعهم، وإنما أرادوا أن يُدحضوا الحق بباطلهم. وقد جاءت في السيرة: عندما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، جاءه يهود كثر، فمنهم من أراد الحق فهداه الله، ومنهم من أراد الجدال والمخاصمة. كما جاء في حديث ثوبان في صحيح مسلم: أن رجلًا يهوديًا جاء إلى المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يتكلم، فقال: يا محمد. قال ثوبان: فثرت فدفعته حتى سقط. قال: ما لك؟ قال: ألا تقول يا رسول الله؟ فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أنا محمد» أو قال: «هذا اليهودي إنما أسميه بما سماه به أهله». فقال: أنا محمد بن عبد الله الذي سماني به أهلي. فقال: جئت أسألك عن شيء لا يعلمه إلا نبي، أو رجل، أو رجلان. فقال: «ينفعك إن حدثتك؟» قال: أسمع. أنا أقول للنبي عليه الصلاة والسلام: هل تستفيد وتذعن إذا حدثتك بهذا؟ فقال: أسمع. فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن عدة من الأسئلة في الولد وغيره، ثم ولّى ولم يسلم. فهذا رجل من هؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل من أهل الجدال. وغيرهم من هؤلاء اليهود كانوا يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويجادلون، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقيم عليهم الحجة. ولهذا أكثر الأسئلة التي وجهت إلى النبي عليه الصلاة والسلام هي من هؤلاء اليهود. هؤلاء اليهود يسألون النبي عليه الصلاة والسلام، فيجيبه النبي عليه الصلاة والسلام بما جاء أو بما أوحى الله عز وجل إليه. فهذه الحجج التي يأتي بها النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعنون لها، لأنهم لم يريدوا الحق. والذي أراد الحق منهم أذعن، كعبد الله بن سلام وغيره. وأما أولئك، حتى ياسر بن أخطب، لما سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه لانَ. وياسر هذا بن أخطب، عم صفية بنت حيي زوجة النبي عليه الصلاة والسلام من بني النضير، لكن كان أخوه هذا حيي شيطانًا، فقال أو فاجأ له في هذا حتى أقنعه أن دين محمد صلى الله عليه وسلم على باطل، فسكت ياسر ولم يقل شيئًا، وخرج معهم لما أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى خيبر. فكان هؤلاء اليهود يحاجون النبي عليه الصلاة والسلام ويجادلونه، لكن كان كما قلنا: بعضهم ينتفع، وأكثرهم لا ينتفع؛ لأنهم ما يريدون بالمجادلة الحق، وإنما كما أخبر الله عز وجل عنهم: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾، معنى بباطلهم. هذا الذي عندهم أرادوا أن يُدحضوا الحق بالباطل، لكن هيهات أن يفعلوا ذلك. وربنا جل وعلا مؤيد لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأيضًا يبين له ويوحي إليه بالحجج التي تدمغ هؤلاء وتسكتهم، لكنهم يعاندون. فلهذا قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: حتى يفرغ من هذا الأمر، وحتى أيضًا لا يجعلهم يتجرؤون ويأتون دائمًا بهذه الأسئلة وهم لا ينتفعون بها، قال الله عز وجل: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. أنتم هذه الحجج التي تتكلمون عليها، أو هذا الجدال، ما يضرني ولا ينفعكم. فلذا فأنا أسلمت وجهي لله، وكذلك من اتبعني قد أسلم وجهه لله، وتوجه إلى الله. أنتم الآن تدعون أنكم تعبدون الله، وتدعون أنكم على دين الله، فكيف لا تدينون لله وتسلمون له؟ فقال الله عز وجل لنبيه: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾. فإن أسلموا فقد اهتدوا. معناها: لا تجادل معهم، ولا تدخل معهم في هذه المجادلات والمناقشات، فقل: إن كنتم أسلمتم فقد اهتديتم، سواء كان من اليهود والنصارى، أو كذلك من العرب. قالوا: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. فإن أسلموا ودخلوا الإسلام، هذه الهداية. وإن لم يفعلوا، ومن لم يرد أن يدخل الإسلام، لا تبالي به. فقال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. كما قال الله عز وجل لنبيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. وقال أيضًا لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. معناها: لا تحزن، ولا أيضًا تجد في نفسك، ولا تتحمل، ولا أيضًا تغم وتهم بسبب هؤلاء. فهذا لا يعنيك. معنى هدايتهم لا يعنيك. أنت عليك البلاغ، بلغهم دين الله عز وجل، والهداية والتوفيق من الله. فمن أراد له ربنا جل وعلا الخير فسيهتدي ويأتي ويسلم لله عز وجل. وهذا قطع. هذه الآية فيها قطع للمجادلة التي كان يجادل هؤلاء نبي الله صلى الله عليه وسلم. ولما جاء وفد نجران، أو أقصد نصارى نجران، وأرادوا أن يجادلوا النبي عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. هذه الآية نزلت في نصارى نجران، وأرادوا كذلك أن يجادلوا، فالله عز وجل بين له أنه لا تجادلهم: ﴿قُلْ تَعَالَوْا يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. هذه الكلمة نتفق عليها، ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. لماذا هذه الكلمة؟ الجملة الأخيرة التي ذكرها ربنا جل وعلا: لأن هؤلاء النصارى واليهود عظموا أحبارهم ورهبانهم حتى عبدوهم من دون الله، خاصة النصارى. ولهذا أكثر العلم على أن هذه الآية نزلت في لما جاءوا نصارى نجران. فالله عز وجل ذكر لنبيه أن يقول لهم: يتفق على هذه الكلمات: توحيد الله عز وجل، وعدم الإشراك به، ثم الكلمة العظيمة والجملة العظيمة التي هم ضيعوها وأشركوا بالله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. معنى أنهم عبدوهم: أن يحل لهم الحرام، فاتبعوهم وأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال، كذلك اتبعوهم. ولهذا قال الله عز وجل في تلك الآية: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، أي في تحليل الحرام. فلذا كان هؤلاء اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وهم يعلمون أنهم يحلون لهم الحرام فيتبعونهم، ويعظمونهم، ويعطونهم الأموال. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، وأيضًا يصدون عن سبيل الله. ليس فقط أنهم يعطون الناس فتاوى صحيحة، لا، بل يعطونهم ما أرادوا، يعطونهم ما أرادوا ولو كان حرامًا، يعلمون أنهم حرام فيحلون لهم الحرام. فلذا وقعوا في مثل هذه الأمور: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾. فلذا اشترط الله عز وجل عليهم في الاتفاق أن يكون هذا الأمر. لم يستجيبوا لهذا، قال الله عز وجل كما سيأتي إن شاء الله تعالى معنا في هذه الآيات. وآل عمران أكثرها، كما قال بعض العلم، أكثرها نزلت في نصارى نجران. أكثر هذه الآيات نزلت في نصارى نجران، وبعضها في اليهود. فقال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. يعني: إن كنتم الآن ما تريدون تستجيبون لهذا الإذعان من الله والاستسلام لله عز وجل، تعالوا ننظر من على الحق، ونتباهل بأولادنا ونسائنا. وهذه آية مباهلة. فلذا خافوا من هذه المباهلة، وأكثرهم بايع النبي عليه الصلاة والسلام وأسلم، وبعضهم بقي على النصرانية. فهذه الآيات يبين الله عز وجل أن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أن يخضع لهؤلاء، أو أن يجلس يجادلهم، وإنما يعرض عليهم الإسلام ويبلغهم دين الله عز وجل، ولا يبالي بمن تولى منهم؛ لأن هذا الذي تولى ما أراد الحق وما أراد الخير. فقال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. فهو سبحانه وتعالى الذي يقيم عليهم الحجة، وكذلك من تولى فحسابه على الله جل وعلا. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.