تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 31

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 31

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعوة أهل الكتاب للتوحيد وبيان اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً

يدعو الله أهل الكتاب إلى كلمة سواء تقوم على توحيد الله ونبذ الشرك، وكانت هذه الآية تُقرأ في سنة الفجر وترسل إلى الملوك. يوضح المقطع أن اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً يتم بطاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال لا بالسجود لهم.

تحريم اتخاذ المخلوقين أرباباً واعتقاد الخروج عن شريعة الله

يحذر من طاعة العلماء أو الملوك في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل، معتبراً من اعتقد جواز خروج أحد عن شريعة الله كافراً بإجماع العلماء. وينتقد اعتقاد بعض الصوفية أن الأولياء يخرجون عن التكليف الشرعي، مؤكداً وجوب خضوع العبد لشرع الله وحده.

قراءة آيات التوحيد في سنة الفجر ودعوة أهل الكتاب إلى دين الأنبياء

كان النبي ﷺ يقرأ آيات تدل على توحيد الإلهية في ركعة سنة الفجر الأخيرة، مبيناً أن دين جميع الأنبياء واحد وهو التوحيد. من استجاب لهذه الدعوة فقد اهتدى، ومن تولى فالحجة قائمة بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.

معنى الولاء لله والبراءة من الشرك في الآية

توضح الآية أن من لا يتولى الله ورسوله ودينه ليس من أهل الإسلام، وتأمر بالبراءة من المشركين ودينهم. تجمع الآية بين التوحيد والبراءة من الشرك، فهي بمنزلة سورة الإخلاص وسورة الكافرين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قال: هذه الآية الكريمة كان النبي عليه الصلاة والسلام يكتب بها إلى ملوك أهل الكتاب، وكان يقرأ أحياناً في الركعة الأولى من سنة الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية المذكورة في سورة البقرة، ويقرأ بها في الركعة الآخرة من سنة الصبح لاجتمالها على الدعوة إلى دين واحد. صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يكتب إلى الملوك بهذه الآية؛ لأن فيها دعوة لأهل الكتاب الذين يعبدون الله عز وجل أن يتفقوا مع المسلمين في هذا الباب: أنهم لا يعبدون إلا الله، ولا يشركون به شيئاً، ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله؛ لأن أهل الكتاب اتخذوا بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله. وجاء من حديث ميمون بن شبيب عن عدي بن حاتم، وجاء أيضاً عن غيره، وميمون لم يسمع، وكذلك أيضاً حديث ابن بلال الضار لم يسمع أيضاً من عدي، لكن معنى الحديث صحيح: أن عدياً كان عند النبي عليه الصلاة والسلام فسمعه يقرأ هذه الآية، فقال: لما قال: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أو سمعه يقرأ الآية التي في سورة التوبة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فقال: يا رسول الله، ما اتخذناهم أرباباً؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أليس يحلون لكم الحرام فتتبعونهم، ويحرمون عليكم الحلال فتتبعونهم؟» قال: بلى. قال: «فتلك عبادتهم إياهم». ولهذا فالأرباب هم الذين يطاعون في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فكل من أطيع في ذلك فهو اتخذ رباً من دون الله، اتخذ رباً من دون الله. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾، هذا خلاص التوحيد. ثم أيضاً هذا الشيء متعلق بالتوحيد: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أيضاً كذلك لا يجعل بعضنا بعضاً سواء كان ملكاً أو عالماً أو حبراً أو راهباً، فكل هؤلاء لا نجعلهم، لا نطيعهم في تحليل ما حرم الله ولا في تحريم ما أحل الله؛ أي أنهم ليس لهم التشريع. فمن اتخذ، فمن اتخذ مخلوقاً اعتقد أنه يشرع في دين الله، فإنه اتخذه رباً من دون الله، اتخذه رباً من دون الله. وكذلك أيضاً إذا اعتقد أن مخلوقاً له أن يخرج عن شريعة الله، له أن يخرج عن شريعة الله ويأتي له بأحكام أخرى، فهذا أيضاً يعتبر كافراً. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إجماع العلماء على كفر من اعتقد هذا الاعتقاد، وذكره الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في النواقض العشرة؛ لأن من اعتقد أن أحداً من الناس يخرج له الخروج عن شريعة الله جل وعلا، أي أن الحرام الذي في الشريعة لا يكون حراماً عليه، فيأتي الفواحش ويشرب الخمور ويفعل ما بدا له، ويقول: إن هذه الأشياء ليست عليه حرام، وإنما هي حرام على العامة، وأما هو فقد بلغ مرتبة فوق ذلك. وهذا اعتقاد، ثم اعتقد ثم أخذه الصوفية، صار هذا الاعتقاد في أهل التصوف، وكان أحدهم يعتقد أن الولي إذا بلغ منزلة عظيمة خرجت عنه الشرائع، حتى أنهم يقولون: هذه شريعة العامة، وهناك شريعة الخاصة. وهذا كفر بالله جل وعلا بإجماع المسلمين. فلابد أن يكون العبد خاضعاً لشرع الله جل وعلا، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل هذه الآية إلى الملوك؛ لأن فيها إخلاص التوحيد لله عز وجل، ونفي الشرك، ونفي أيضاً الرب من دون الله، ونفي كذلك كل الآلهة التي تعبد من دون الله جل وعلا. قال: وكان يقرأها أيضاً في الركعة الأخيرة من سنة الصبح، هذا جاء في صحيح مسلم في حديث ابن عباس، لكن كما قلنا قبل: إن هذه الآية فيها في إسنادها شيء، وإلا الآية الصحيحة التي كان يقرأها النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. وبعض أهل العلم جعل هذا وهذا، كما فعل الشيخ الألباني رحمه الله في الصفة، جعل هذه الآية وجعل كذلك آية: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾، جعلها من باب التنوع: أنه يقرأ هذه ويقرأ هذه. لكن خرج حديث واحد: أنهم يقرأون بها في الركعة الآخرة من سنة الصبح لاجتمالها على الدعوة إلى دين واحد، قد اتفقت عليه الأنبياء والمرسلون، واحتوت على توحيد الإلهية المبنى على عبادة الله وحده لا شريك له. فدين الأنبياء دين واحد، فلهذا دعا الله عز وجل، أو أمر الله عز وجل نبيه أن يدعو اليهود والنصارى إلى التمسك بدين الله جل وعلا؛ لأنه دين واحد وهو التوحيد، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الأنبياء دينهم واحد»، فدينهم التوحيد، فكلهم يدينون بدين واحد، لا تختلف، لا يختلف دين نبي عن نبي آخر، بل كلهم دينهم التوحيد. فللهذا فهذه كلمة اتفاق بين الأديان، لكن لما حرفت اليهود وحرفت النصارى صاروا يستنكرون شريعة الله جل وعلا. قال: وأن يعتقد أن البشر وجميع الخلق كلهم في طور البشرية، قال: واحتوت على توحيد الإلهية المبنى على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يعتقد أن البشر وجميع الخلق كلهم في طور البشرية لا يستحق منهم أحد شيئاً من خصائص الربوبية ولا من نواة الإلهية. فإن قاد أهل الكتاب غيرهم إلى هذا، فقد اهتدوا، أو فإن قاد أهل الكتاب غيرهم إلى هذا فقد اهتدوا. معنى: إذا التزموا هذه الطريق فهم من أهل الاهتداء. قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، قال: لك أن تقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها. معنى: أنكم إما تتولوا الله ورسوله ودين الله عز وجل، وإلا فأنتم لستم بأهل إسلام. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، أي: نحن مسلمون براء منكم ومن دينكم الذي تدينون الله عز وجل به. فالآية هذه جامعة التوحيد والبراءة من الشرك وأهله، فهي نفس سورة الإخلاص وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.