الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر السعدي الآيات بأنها تبين أصول الإيمان المتفق عليها في جميع الشرائع، وأن الإسلام الحقيقي هو الإيمان بالله ورسله وكتبه دون تفريق، مؤكداً أن من ابتغى غير الإسلام ديناً كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
يؤكد المقطع أن الله لا يقبل إلا دين الإسلام، وأن من يطلب غيره فهو خاسر، مستدلاً بآيات مخاطبة لليهود والنصارى، مستعرضاً اختلاف القراء في قراءة فعل "تبغون" و"ترجعون" بين التاء والياء، ومبيناً أن الدين عند الله واحد وهو الإسلام، ومن طلب دينًا سواه فقد اتبع دين الشيطان، وأن آية ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ تقطع دابر دعوات الحوار بين الأديان والتقارب بينها لكونها أديانًا باطلة منسوخة.
تؤكد الآية أن من يطلب دينا غير الإسلام فلن يُقبل منه، وسيكون من الخاسرين في الآخرة، ويختتم المقطع بالشكر للمشاهدين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. يقول: قد تقدم في سورة البقرة أن هذه الأصول التي هي أصول الإيمان التي أمر الله بها هذه الأمة قد اتفقت عليها الكتب والرسل، وأنها هي الغرض الموجه لكل أحد، وأنها هي دين الإسلام الحقيقي، وأن من ابتغى غيرها فعمله مردود وليس له دين يعول عليه. فمن زهد عنه ورغب عنه فأين يذهب؟ إلى عبادة الأشجار والأحجار والنيران، أو إلى اتخاذ الأحبار والرهبان والصلبان، أو إلى التعطيل لرب العالمين، أو إلى الأديان الباطلة التي هي من وحي الشياطين؟ وهؤلاء كلهم في الآخرة من الخاسرين. ففسر هذه الآية بالإجمال -أو هذه الآيات- على ما دلت عليه مجملًا، وهو أصول الإيمان، وأن من أسلم لله عز وجل وآمن بأصول الإيمان من الإيمان بالله وبالرسل والملائكة، ولم يفرق بين الرسل والكتب بل آمن بها كلها، فهو المؤمن الذي دان بدين الله عز وجل. وأما من فرق بينها فهو اتخذ دينًا غير دين الله عز وجل، ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾، فكان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا أو غيره، فإنه لا يقبله الله عز وجل منه. ما يقبل الله عز وجل إلا دين الإسلام، وهو في الآخرة من الخاسرين. مهما عبد أو تحول في عبادته من عبادة الله إلى غيره، فإنما إما أن يتحول إلى عبادة الأصنام، أو عبادة الصلبان، أو عبادة الأموات، وغيرها من هذه العبادات التي خلاف عبادة الله جل وعلا. وقوله جل وعلا: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾، الظاهر أنه خطاب لليهود، خطاب لليهود كما خاطبهم فيما تقدم في الآيات التي تقدمت في قوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾، ولكن ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. فهذا أيضًا الخطاب لا زال يخاطب الله عز وجل أهل الكتاب من اليهود والنصارى. ولهذا قرأ جمهور القراء في هذه الآية: ﴿ فِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ ﴾ بالتاء على الخطاب السابق. ﴿ فِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ ﴾: أكثر القراء قرأوها على هذا، قراء أهل المدينة وأهل مكة وأهل الشام، وقرأها بالياء عمر وكذلك حفص عن عاصم ويعقوب. غير أن أكثر القراء قرأوها بالتاء: ﴿ تَبْغُونَ ﴾. ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾: ﴿ يُرْجَعُونَ ﴾ قرأها أكثر القراء بالتاء: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾، إلا في قراءة حفص عن عاصم. غير أن أكثر القراء قرأوها بالتاء؛ لعجل الخطاب الذي قد تقدم، أن أجعله خطابًا واحدًا. ومن قرأها بالياء فهو على أنه من باب الالتفات، من باب الالتفات في الخطاب، تغيير الخطاب أو تغيير الفعل من خطاب إلى غيبة، وهذا يسمى في اللغة أو في البديع أو في الصرف: الالتفات. طيب، فقال الله عز وجل: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ ﴾. وهذا كما قال المؤلف رحمه الله: فمن طلب دينًا غير دين الله عز وجل فهو طلب دين المشركين، أو دين يخالف دين الله عز وجل مما أوحى الشيطان إلى أوليائه. فكل من خالف دين الله فهو على غير دين، ولو ادعى أنه لا يدين بالأديان فهو أيضًا قد دان بدين الشيوعية أو دين الإلحاد وغيرهم من هؤلاء. فهو إنما يتحول من عبادة الله عز وجل الذي خلقه إلى عبادة المخلوقين. ثم ذكر ربنا جل وعلا الإيمان بالله وما أنزل على الأنبياء والرسل، وأنه لا يجوز للمسلم أن يفرق بين أحد من الرسل، يؤمن بهذا ويكذب ذاك، بل كلهم أنبياء الله ورسله. ولهذا هذه الأمة آمنوا بالأنبياء جميعًا، وأما اليهود فآمنوا بموسى وقتلوا عيسى ولم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأما النصارى فآمنوا بعيسى ولم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانوا من القاصرين. فقال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. وأيضًا هذه الآيات تدل على أن الدين واحد، ليس هناك أديان كما ذكرنا قبل، ليس هناك أديان سماوية كما يقولون، وإنما الدين دين الإسلام، دين واحد فقط. وأما تلك الأديان فهي منسوخة، فمن يبتغي غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. فهذه آية قاصمة للظهر، وقاصمة لظهر من يدعون الحوار بين الأديان، أو إخوة الأديان، أو من هذا، أو التقارب بين الأديان. فكل هذا باطل وكفر بالله جل وعلا، لأن تلك أديان باطلة، والدين هو دين الله عز وجل، هو الإسلام. ﴿ فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فنكتفي بهذا، والله تعالى شكرًا للمشاهدة، شكرًا للمشاهدة.