تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 59

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 59

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 59، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية المحبة والكفر بالكتاب

يشرح العلامة السعدي أن الآية تخاطب المؤمنين الذين يظهرون المحبة للمنافقين بينما يضمر هؤلاء البغض والمكر، ويؤمن المؤمنون بالكتاب كله بينما يقتصر المنافقون على ما يوافق أهواءهم. وتدل الآيات على أن المراد بالمنافقين من يظهرون الإسلام ويبطنون الكيد بخلاف اليهود الذين يظهرون العداوة صراحة.

صفات المنافقين مع كتاب الله والحكم

يفسر المقطع آيات تصف المنافقين الذين يقبلون حكم الله ورسوله فقط عند موافقة أهوائهم، بعكس المؤمنين الذين يؤمنون بالكتاب كله. ويبين حال المنافقين في إظهار الإيمان وكتمان البغض حتى يعضوا الأنامل غيظاً، فيأمر الله نبيه والمؤمنين بقولهم: موتوا بغيظكم.

الصبر على كيد المنافقين والالتجاء إلى الله

يأمر الله نبيه والمؤمنين بقول المنافقين: موتوا بغيظكم، لأن غيظهم يضرهم وحدهم، وعلى المسلم الصبر والتقوى والالتجاء إلى الله لدفع كيد الفجار. كما حذر النبي ﷺ من الفتن التي تقلب القلوب وتجعل المؤمن يبيع دينه بعرض قليل، فالمؤمن يتمسك بدينه ويستعين بالصبر والصلاة.

تحذير المؤمنين من مكر الكفار والمنافقين

يبيّن المقطع أن الله كشف ما في صدور الكفار والمنافقين من بغض وحقد على المؤمنين رغم إظهارهم خلاف ذلك. وأن غيظهم وكراهيتهم لا تضر إلا أنفسهم، بينما المؤمنون ثابتون على دينهم متقون لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فقال العلامة السعدي رحمه الله في قول الله عز وجل: ﴿ أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 119]. فقال رحمه الله: فهم وهم يكفرون بأجل الكتب وأشرف الرسل، وأنتم تبدلون لهم من الشفقة والمحبة ما لا يكافئونكم على أقل قليل منه. فكيف تحبونهم وهم لا يحبونكم، وهم يداهنونكم وينافقونكم؟ وهذه الآية حملها بعضهم على اليهود، لكن من المراد هنا؟ من المراد هنا بالمحبة والشفقة، أو قوله جل وعلا: ﴿ هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ [آل عمران: 119]، من المراد بالمحبة؟ فقال هنا: فسرها المؤلف، أي تحبون لهم أو تشفقون عليهم، وتحبون لهم الخير، أن تحبون لهم الهداية للإسلام وغيرها، وهم يحبون لكم الكفر، يحبون لكم أن تتبعوهم. ﴿ هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ [آل عمران: 119]. وبعض المفسرين حملها على المنافقين، والظاهر أنها أولى: على المنافقين أنهم تحبونهم لأنهم من أهل الإسلام في ظاهرهم، فأنتم تحبونهم وتحبون مجالستهم ومخالطتهم، لكنهم لا يحبونكم، ويمكرون بمكرهم عليكم، ويحبون أيضًا أن يكيدوكم. لهذا قال الله عز وجل في بداية الآيات: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ [آل عمران: 118]، فهم يتحينون الفرص حتى يمكروا بأهل الإسلام، فقد تحمل على أهل النفاق. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾ [آل عمران: 119]، وأما هم فلا يؤمنون بالكتاب كله، وإنما يؤمنون بما يكون لهم فيه صَلَعٌ أم مصالح، ما أمنت به مصالحهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ [النور: 49-50]. وقال الله عز وجل أيضًا عليهم، على المنافقين: ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [النور: 48]، فتجد أنهم إذا كان لهم فيه مصالحهم يأتون، وأيضًا يشيدون ويثنون على الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ليس فيهم مصلحتهم بل فيه ما يكون عيبًا عليهم وذمًا لهم، فتجد أنهم يقابلون ذلك بالكلام والاعتراض وغيره. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾، أهل الإيمان يؤمنون بما جاء عن الله عز وجل سواء كان في مصلحتهم أو في مضرهم، أو فيما يكون فيه عيبًا عليهم مما يعملون مثلًا من المعاصي وغيره، فالمؤمن وإن كان يعصي الله لكنه لا يكره كتاب الله، ولا يكره ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل فعله، وإنما يعترف أنه عاصٍ وأنه فاسد وأنه فاسق، يعترف بذلك مع أنه يكمن المحبة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وأيضًا يقبل كل ما جاء عن الله. فقال: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾، ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا ﴾ [آل عمران: 119]، وهذا ما يبين أن هذه الآية على المنافقين، وهو القول الصحيح من أقوال المفسرين: أن هذه الآيات نزلت في المنافقين الذين كانوا بالمدينة، فكانوا يظهرون الإسلام، وأهل الإسلام يحبونهم لعجل إظهارهم للإسلام، وكذلك أيضًا يجلسون معهم ويخالطونهم، وأيضًا يحبون لهم أن يلتزموا بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن هم يكرهون أهل الإيمان ولا يحبونكم. ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾ [آل عمران: 119]، أنا من كثرة غيظهم حتى أنهم يعضون الأنامل. قال المؤلف رحمه الله: ﴿ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا ﴾ أي مع بني جنسهم، أي من كان ينافق ويداهن للكفار وينافق على المؤمنين. ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ ﴾ أي من شدة الغيظ والبغض لكم ولدينكم. قال تعالى: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ [آل عمران: 119]. وهنا ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ أي يأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وكذلك أهل الإيمان أن يقول لهم: موتوا بغيظكم، وليس أن الله عز وجل يقول لهم: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾، لأن الله عز وجل إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، فهو لا... فهو لا يقول لهم: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾، بل سيميتهم بما اقترفته به أنفسهم وقلوبهم من البغض والمكر والخيانة وغير ذلك، لكن يأمر الله عز وجل نبيه وأتباعه أن يقول لهؤلاء المنافقين: موتوا بغيظكم. فهذا الغيظ إنما ضرر عليكم وليس ضرر على أهل الإسلام. ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ أي سترون من عز الإسلام وذل الكفر ما يسوءكم، وتموتون بغيظكم، فلن تدركوا شفاء... شفاء ذلك بما تقصدون. ولهذا المسلم ينبغي أن يلتجئ إلى الله عز وجل من كيد الفجار وكيد المنافقين، وأيضًا يلتزم بما أمره الله عز وجل من الصبر على هذا الكيد، الصبر على الثبات: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 120]، فمن صبر على دين الله وثبت لا يضره كيد المنافقين ولا كيد الكفار شيئًا أبدًا، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153]. وكذلك أيضًا يدعو الله عز وجل أن لا يفتن بهؤلاء الكفار: ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ [الممتحنة: 5]، ربنا... أي لا يكون معنى يدعو الله عز وجل أن لا يكون فتنة يفتنه... يفتنه الكفار عن دينه. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الفتن أنها تغير النفوس وتغير القلوب حتى يصير المؤمن كافرًا، فيصبح المؤمن كافرًا ويمسي أيضًا مؤمنًا، ويصبح كافرًا ويصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم في حديث بهريرة: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». وجاء في حديث عند أحمد: «يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ»، وإسنادها صحيح. فبسبب هذه الفتن واتباعه للكفار حتى أنه يبيع دينه بشيء قليل، وهي... فلهذا فالمؤمن يلتجئ إلى الله عز وجل، وأيضًا يلتمس الأسباب التي تجعله ثابتًا على دينه، وترد كيد الكفار وشر الأشرار. قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 119]. قال: فلذلك بيّن لعباده المؤمنين ما تنطوي عليه صدور أعداء الدين من الكفار والمنافقين، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ [آل عمران: 118]، فلهذا لا يحسب الشخص أن أهل الكفر يريدون الخير للإسلام ولأهله، ولا يظن فيهم هذا الظن أبدًا، فما من كافر إلا وهو يريد السوء بالمسلمين وإن أظهر خلاف ذلك، وكذلك أهل النفاق فإنهم يريدون السوء بالمسلمين وإن أظهروا خلاف ذلك، فإنهم يظهرون ما لا يبطنون، بل يظهرون المودة وهم في قلوبهم الغيظ والبغض لأهل الإيمان. فيقول الله عز وجل: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ [آل عمران: 119]، فما هذا الغيظ إلا ضرر عليكم وليس ضرر على أهل الإسلام الذين هم ثابتون على دينهم، وأيضًا على تقوى الله جل وعلا. فهذا ما يذكر إن شاء الله في هذه الآية، أكتفي به، والله تعالى أعلم.