تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 44

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 44

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

النهي عن أكل الأموال بالباطل وإباحة التجارة بالتراضي

يفسر العلامة السعدي آية النهي عن أكل الأموال بالباطل إلا بتجارة عن تراض، مبيناً أن النهي يشمل مال النفس ومال الغير، وأن أكل المال بالباطل هو استعماله في الحرام أو الإسراف، مع الإشارة إلى تفصيل قواعد التراضي في موضع آخر.

شمولية النهي عن قتل النفس وقتل الغير وعقوبة المنتحر

توضح الآية الكريمة بلفظ مختصر النهي عن قتل النفس وقتل الغير، ويُحذر الحديث النبوي من عقوبة شديدة لمن يقتل نفسه حيث يعذب في النار بما قتل به نفسه، مؤكدةً أن قتل المسلم كقتل النفس الواحدة.

وحدة الأخوة الإيمانية وتحريم الاقتتال بين المؤمنين

يؤكد المقطع أن المؤمنين كالجسد الواحد في توادهم وتراحمهم، وأن القتل كفران لنعمة الأخوة والإيمان التي جمع الله بها قلوبهم، محذراً من الرجوع إلى الاقتتال بعد نعمة الألفة والإخاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله في قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾. وقد قرأنا تفسيره في قوله جل وعلا: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾، ثم قال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل الإنسان نفسه، ويدخل في ذلك الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وفعل الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك، بمعنى: التي تجعل أو التي يتسبب الإنسان في إهلاك نفسه بها، وهذا إذا لم يكن مشروعًا. وكذلك أيضًا لا بد أن يتحقق فيها الهلاك، فإن كان كذلك فإنه لا يجوز أن يعتدي بنفسه إلى التهلكة. ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾، وقال أيضًا: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. قال: وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾، أي: ومن رحمته أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود. وتأمل هذا الإيجاز والجمع في قوله: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾، كيف شمل أموال غيرك ومال نفسك، وقتل نفسك وقتل غيرك، بعبارة أخصر من قوله: لا يأكل بعضكم مال بعض، ولا يقتل بعضكم بعضًا، مع قصور هذه العبارة على مال الغير ونفس الغير، فإنها لا تتناول مال الغير ولا على نفس الغير، لكن قوله: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ يدخل فيها مال الغير، وكذلك أيضًا ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ يدخل فيها أيضًا مال نفس الغير، فتشمل: لا تقتل نفسك، ولا تقتل غيرك، ولا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل الإنسان نفسه، ولا أيضًا يأكل ماله وأموال غيره. ومعنى يأكل ماله: أن يستعمله في الحرام، يستعمله في الحرام أو في التبدير والإسراف. وهنا قوله أيضًا: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾، أي: النهي عن قتل نفس الغير، وكذلك قتل الإنسان نفسه. ولا شك أن قتل الإنسان نفسه أعظم من قتله غيره، والوعيد فيها أعظم. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»، معنى ذلك: أنه يمكث في هذه النار يعذب نفسه، معنى فيه: إن كان من أهل التوحيد فهو يخلد في هذه النار لمدة ما قدره الله عز وجل له، في تلك المدة يكون يعذب نفسه بهذه الحديدة، يجأ بها بطنه، أي: يطعن بها بطنه، فيقتل، فيكون عذابه بهذا، يطعن نفسه بهذه الحديدة. «وَمَنْ تَسَمَّى بِسُمٍّ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُهُ يَتَسَمَّى بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا»، وكما قلنا: أنه في المدة التي هو فيها في النار فإنه يتعذب بذلك العذاب. أو حملها بعض العلماء على من استحل قتل نفسه. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾. ثم قال المؤلف: قال: مع أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين فيه دلالة على أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ومصالحهم كالجسد الواحد، حيث كان الإيمان يجمعهم على مصالحهم الدينية والدنيوية. ولهذا كان القتل كفرانًا لنعمة الإخوة ونعمة الإيمان، عن كفران لنعمة الإخوة والترابط بين المؤمنين. ولهذا قال: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾، فلهذا لا يقتل بعضكم بعضًا لأن هذا كفران. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا» أي: تكفرون بنعمة الأخوة والرابطة والتراحم الذي بينكم، فيكونوا حربًا بينكم، فسماه كفرانًا. «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» أي: يقتلوا بعضكم بعضًا. فلهذا فإن الله عز وجل قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾، فمن رحمته شرع التراحم والتعاطف والمحبة بين أهل الإيمان حتى كانوا كالجسد الواحد، فلهذا من قتل غيره فكأنما قتل نفسه. ولهذا قالوا: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾، لأن من قتل غيره من أهل الإسلام فكأنما قتل نفسه، لأن أهل الإيمان كما قال المؤلف في هذا الكلام، أو هذه الآية: دلالة على أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين فيه دلالة على أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ومصالحهم كالجسد الواحد، فالذي يتعدى على مصالح غيره من أهل الإسلام فكأنما تعدى على مصالحه، ومن أخذ مال غيره من المسلمين فكأنما أخذ ماله. وهكذا قال: ولما نهى عن أكل الأموال بالباطل التي فيها غاية الضرر عليهم، أحل لهم ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب والتجارات وأنواع الحرف والإجارات، فقال: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾، فإنها مباحة لكم. وسيذكر المؤلف بعض القواعد التي في التراضي في العقود، ولعل الكلام سيطول فيها، فإن شاء الله تعالى نتركها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.