تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 78

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 78

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 78، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آيات لعن اليهود وتفضيلهم الشرك على الإيمان

يفسر الشيخ آيات سورة النساء التي تلعن من يفضلون دين المشركين على دين الإسلام، مبيناً أن اللعنة تعني الطرد من رحمة الله وحلول نقمته بلا نصير. كما يرد على زعمهم بأحقية الحكم بسؤال استنكاري عن نصيبهم من الملك ليتصرفوا فيه ببخلهم المعروف.

وصف بخل اليهود وحسدهم ومنة الله على آل إبراهيم

يوضح المقطع شدة بخل اليهود حتى لو ملكوا شيئاً فلا يؤتون الناس نقيراً، وأن دوافعهم للدنيا، مبيناً أن الحسد هو سبب إنكارهم فضل الله على المؤمنين. ثم يذكر نعمة الله العظيمة على آل إبراهيم بإيتائهم الكتاب والحكمة والملك العظيم.

حجة الله على أهل الكتاب في الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم

يبين أن الله آتى آل إبراهيم النبوة والملك ومنهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فآمن به من آمن فنال السعادة، وصد عنه من صد حسداً فاستحق الشقاء. وقد أقام الله الحجة عليهم بمعرفتهم للنبي وصفاته كما يعرفون أبناءهم، فمن سمع دعوته ولم يؤمن فقد وجبت عليه النار.

تفسير قوله تعالى وكفى بجهنم سعيراً وختام الدرس

توضح الآية أن جهنم تكفي عذاباً مشتعلاً لمن كفر بالله وأنكر نبوة الأنبياء من اليهود والنصارى وسائر الكفار. ويختتم المدرس الدرس على أن يكمل تفسير السورة في وقت لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴾ [النساء: 51-53] الآيات. قال: ولهذا قال تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾، أي: هؤلاء أهل الشرك الذين فضلوا دين المشركين على دين نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم. فضلوا دين المشركين، عبدت الأوثان، على دين من يعبد الله جل وعلا وحده لا شريك له. لهذا قال الله تعالى عنهم: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾، أي: طردهم عن رحمته، وحل عليهم نقمته. ﴿ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾، أن يتولاه ويقوم بمصالحه ويحفظه عن المكاره، وهذا غاية الخذلان. فهؤلاء الذين لعنهم الله وطردهم من رحمته جل وعلا لأنهم ازدادوا في الطغيان، فهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويؤيدون دين المشركين، فافتروا إثما عظيما، فلعنهم الله. قال: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ ﴾، أي: فيفضلون من شاء على من شاء بمجرد أهوائهم، فيكونون شركاء لله في تدبير المملكة. فلو كانوا كذلك لبخلوا وبخلوا أشد البخل. إن يقول الله عز وجل: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ ﴾، أي: إذا كانوا هم مشاركون الرب جل وعلا في ملكه، قال: ﴿ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴾. وهذا حال اليهود عليهم لعنة الله، فهم أشد الناس بخلا بالمال. فيقول الله عز وجل: هؤلاء الذين يدعون ويحكمون في هذه مثل هذه الأحكام، وتفضيل دين على دين، هل لهم ملك أو لهم نصيب في ملك الله عز وجل حتى يتصرفوا هذا التصرف، فيؤيدون دين هؤلاء المشركين على دين المسلمين؟ فإذا كان كذلك، فإذا كان لهم التصرف، قال: ﴿ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴾، يعني: لو كان لهم نصيب من الملك لا يؤتون الناس نقيرا، شيئا ولا قليلا. معنى هذا: وصف بشدة بخلهم، على تقدير وجود ملكهم المشارك للملك لله. معنى: لو كان لهم شيء من المال ومن الملك، ما سيعطون أحدا شيئا، حتى لو كان النقير. والنقير: هذا قيل: النقطة التي في ظهر النواة، التمرة. عن ما سيعطون الناس شيئا من المال الذي عندهم، أو الملك الذي عندهم، سيستحوذون عليه. ولهذا تجد أكثر ما يحصل بين هؤلاء اليهود وغيرهم من الكفار من التقاتل، ومن الخصام، وغير ذلك، كله لأجل الدنيا. كل ذلك لأجل الدنيا، أي: لأجل الأموال. قال: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾، أي: هل الحامل لهم على قولهم، كونهم شركاء لله فيفضلون من شاء، أم الحامل لهم على ذلك الحسد للرسول وللمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله؟ وذلك ليس ببدع ولا غريب على فضل الله. إن هؤلاء يحسدون الناس، يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، من الخير، ومن الدين الصحيح، المنهج المستقيم، والأخلاق الفاضلة العظيمة. كل ذلك آتاهم الله عز وجل، فهم يحسدونهم على هذا. ﴿ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾، فهو الحامل عليهم، أي: أو قد يكون الحامل هو هذا الحسد. فقال الله عز وجل: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 54]. وهذا أفضل من ملك الدنيا كله، وذلك ما أنعم الله به على إبراهيم وذريته من النبوة والكتاب، والملك الذي أعطاه من أعطاه من أنبيائه. إن يريد الله عز وجل أن يبين أنه قد أعطى ملكا عظيما لآل إبراهيم، ومنهم نبي الله داود وابنه سليمان، فقد أعطاهم ملكا عظيما وملكا واسعا، حتى استولوا على جميع الأرض، خاصة نبي الله سليمان. قال: فإن عامه لم يزل مستمرا على عباده المؤمنين. كيف يمكرون؟ إن عامه بالنبوة والنصر والملك لمحمد صلى الله عليه وسلم، أفضل الخلق، أجلهم، وأعظمهم معرفة بالله، وأخشاهم له. فهذا العطاء العظيم لا زال مستمرا، فالله عز وجل يعطي من يشاء، وما أراد جل وعلا. فلذا فمن أعظم ما أعطى الله عز وجل آل إبراهيم، ومنهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، أعطاهم الملك والنبوة، وغيرها مما أعطاهم الله عز وجل. قال: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 55]. فمنهم من آمن به، أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، فنال بذلك السعادة الدنيوية والفلاح الأخروي. ومنهم من صد عنه، أي: عنادا وبغيا وحسدا، فحصل لهم من شقاء الدنيا ومصائبها ما هو بعض آثار معاصيهم. إن يريد اليهود ومن كان مثلهم، فمن اليهود منهم من آمن، مثل عبد الله بن سلام، آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. ومنهم من صد عنه، أي: صد عن دين الله، وعن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. قال: ﴿ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾، أي: تسعر على من كفر بالله، وجحد نبوة أنبيائه، من اليهود والنصارى وغيرهم من أصناف الكفرة. وكل من جحد نبوة هذا النبي الكريم، أو صد عنه، أو أبغض دين الله الذي جاء به، فهو حسبه النار، حسبه النار. ولهذا لما كان الله عز وجل قد بين لليهود والنصارى ما بين، سمة النبي عليه الصلاة والسلام، وصفاته العظيمة، فلم يترك شيئا يعرف به إلا ذكره لهم، حتى قال: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [البقرة: 146]. ولهذا فليس لهم عذر في ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان مجرد سماع اليهودي أو النصراني لدين محمد صلى الله عليه وسلم يعتبر حجة عليه، كما جاء في صحيح مسلم: «ما من يهودي ولا نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار». يسمع به، مجرد السماع يعتبر حجة عليهم. طيب، قال رحمه الله: طيب. قال: ﴿ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾، أي: تسعر على من كفر بالله، وجحد نبوة أنبياء، من اليهود والنصارى وغيرهم من أصناف الكفرة. فإن شاء الله نكتفي بهذا، ونكمل في درس قادم، والحمد لله رب العالمين.