الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 114، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل العلامة السعدي تفسير آية التثبت (النساء: 94) مبيناً وجوب التثبت في الأمور المشتبهة وعدم قتل من يلقى السلام، محذراً من تقديم عرض الدنيا على ثواب الله ومؤكداً أن التثبت يكف الشرور ويحقق المصالح.
يسرد المقطع قصة الصحابة الذين قتلوا مسلماً سلم عليهم وقصة أسامة بن زيد الذي قتل رجلاً نطق بالشهادة فأنكره النبي ﷺ، مستدلاً بفعل الخوارج محذراً من الاستهانة بقول «لا إله إلا الله» ومبيناً وجوب التثبت في كل مواطن الاشتباه.
يحذر المقطع من الانجراف وراء الشركات الوهمية والهرمية التي تتعامل بالربا وتضمن أرباحاً تستغل طمع الناس، مؤكداً أن ترك الشبهات لله يورث خيراً منها، ومذكراً بأصل الهداية لمنع العجب وازدراء المقصرين.
توضح الآية أن الله عليم بكل ما يعمله العباد وما ينوونه فيجازي كل شخص وفقا لأعماله ونياته، ويختتم المقطع بالتأكيد على علم الله الكامل بأحوال العباد وجزائه العادل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾. قال: يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادًا في سبيله وابتغوا مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة، فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة. فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين لأن ذلك تحصيل حاصل، وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين ليعرف هل يقدم عليها أم لا. وهذا أيضًا فيه تعظيم لدم المسلم، وأن الإنسان ولو خرج جهادًا في سبيل الله فلا يجوز له أن يقتل كل من يلقاه، بل يتأكد ويتثبت: هل هذا مسلم أو كافر؟ حتى لا يقتل مسلمًا، وخاصة إذا رأى أنه سلم عليه. لأن هذه الآية نزلت في بعض الصحابة لقوا بعض أناس من قبائل مشركة لكنهم أسلموا، فلما مروا عليهم سلموا بتحية الإسلام، فقاموا وقتلوهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي في الجهاد ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ تثبتوا ممن تلقونه، ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾، على أن ليس كل من وجدتموه ولو سلم عليكم تقتلونه، تقولون: هذا مشرك، لأجل أن تأخذوا سلاحه. فقال رحمه الله: فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، وكف لشرور عظيمة، لا بد من التثبت، وخاصة في الأمور غير الواضحة. أما الأمور الواضحة فلا يحتاج إلى تثبت فيها، فمن جاءكم يريد قتلكم، يعني يريد أن يعتدي عليكم، أو علمتموه أنه من المشركين، يعني تأكيدًا، فلكم أن تقتلوا. وأما إذا لم يتضح لكم هل هو مشرك أو مسلم فتبينوا وتثبتوا، كما جاءت في رواية أخرى: «فتثبت». قال: فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيها من الفوائد الكثيرة، وكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بداوتها قبل أن يتبين له حقائقها، فلا بد أن يتأنى في مثل هذه الأمور، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لما لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ظنا أنه يستكفي بذلك قتله، أي ظن أن هذا إنما يريد أن يتقي، أن يتقيهم، فسلم عليهم. قال: وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم بقوله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾، أي فلا يحملنكم العرض الفاني القليل على ارتكاب ما لا ينبغي، فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي. وليس معنى ذلك أن الصحابة كانوا يريدون هذا الذي معهم، وإنما ظنوا أنه من الكفار، لكن الواجب عليهم أن يتثبتوا ما دام أنه ألقى إليهم السلام، أي سلم عليهم، فهذا غالبًا يكون من المسلمين. قال: فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي، فما عند الله خير وأبقى. وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يذكرها ما عند الله عز وجل، لمن نهى نفسه عن هواها. وهذا في كل ما يكون فيه طمع النفس ويكون فيها ضرر عليها، أن يكون هناك طمع لأمر وقد يكون فيه إثم عليه، أو يؤدي إلى إثم، فإنه يبغي أن يذكر نفسه بما وعد الله عز وجل له في جنة الخلد. فالإنسان أحيانًا مثلًا يدخل بعض المعاملات الباطلة والمشبوهة، فتجد أنه لا يسأل، ولا أيضًا يريد أن يسأل لماذا، حتى لا يقال له أنها حرام، فيذهب عليه ذلك الربح. وعلى سبيل المثال من هذه المعاملات التي تحدث في هذه الجوالات من المشاركات في بعض الشركات الوهمية، وسواء كانت شركات هرمية أو غيرها، فغالبًا أنها شركات وهمية وتتعامل بالربا، وتجد أنها تقدم عروضًا: إما عروض ترويجية، وإما عروض تسويقية، يعني إما يريدون منك أن تعرض بضاعتهم، وإما أنهم يريدون تسويقها، أنك تسوق هذه البضاعة. لكن الإشكال في الاشتراك أنهم يضعون اشتراكًا بالدولار، يعني تشترك معهم، وهم يزعمون أن هذا لأجل أن يجعلوا لك قناة، يجعلوا لك قناة، وليس اشتراكًا، ثم بعد ذلك تسوق لهم أو تروج، والتسويق أعظم من الترويج، قد يكون الترويج فقط عرض بضاعة، لكن هنا الإشكال في الاشتراك: كيف تشترك في شيء لا تعلم، في أمر لا تدري ماذا يبيعون وماذا يشترون؟ وغالبًا أنهم يتعاملون بالربا، ليس هناك استثمار إلا الذي يكسبهم دائمًا، إلا ما يكون في معاملة الربا. فبعضهم يجعل ربحًا يوميًا، وبعضهم يجعل ربحًا سنويًا، أو أقصد أسبوعيًا، وبعضهم شهريًا، وهكذا. وهذا غالبًا معاملات غير صحيحة: إما أنها شركات ليست صحيحة معاملتها لأنهم يضمنون الربح، يضمنون لك الربح، أو أنها شركات وهمية ليس لها أصلًا شيء في الوجود، وإنما يريدون أن يأخذوا أموال الناس. وقد حصل هذا في بعض هذه الشركات الوهمية: جمعوا أموالًا وقدموا شيئًا منها في بعض الأشهر، ثم بعد ذلك اختفوا وأخذوا أموال الناس. وهذا بسبب أن الإنسان لا يتحرى في مثل هذه الأمور، فغالبًا مثل هذه الشركات إنما تتعامل بالمعاملات الربوية. لكن الإنسان لما يرى الكسب الكثير وهو جالس في بيته فقط، ما عليه إلا أن يفعل بعض العمليات التي تكون في الجوال، ثم يجد مالًا يوميًا أو أسبوعيًا أو شهريًا، وأيضًا المال الذي دفعه يرجع إليه بعد شهر أو بعد كذا، فتجد أن كثيرًا من الناس يغتر، يقول: هذا سأكسب مالًا وأنا في بيتي. وأيضًا غالبًا يكون هذا الذي يعطى، يعني تجد أنه مالًا كثيرًا، أنه يعطى مثلًا خمسين ريالًا أو دولارًا في اليوم، فكثير من الناس يطمع في هذا المال ولا يبالي: هل هذه المعاملة صحيحة أو ليست صحيحة؟ بل قد لا يسأل، لأنهم يقولون: تجد أن هذه بعض الشركات تقول: قد سألنا مشايخ علم وأحلوا لنا هذه المعاملات، وغالبًا تجده أنه كذب، أو أنهم سألوا أناسًا لا علاقة لهم بالدين أو لا علاقة لهم بالفتوى. قال رحمه الله: فهذا من الأمور التي ينبغي المسلم أن لا يتبع هواء نفسه فيها، ويذكر أن الله عز وجل سيعوضه أعظم من هذا، لكن النفس المستعجلة والنفس تطمع وتحرص على ما يكون فيه هواها أو مصلحتها، وخاصة من أمور الدنيا. فهذا قاعدة عظيمة في بناء الإنسان نفسه وقلبه على طاعة الله جل وعلا، فإن رأى نفسه تهوى مثل هذه الأمور، وفيها يكون الحرام أو ما يؤول إلى الحرام، فإنه ينبغي أن يبتعد عنه، والله عز وجل سيعوضه خيرًا منه، ومن ترك شيئًا لله أبدله الله عز وجل خيرًا منه. ثم قال تعالى مذكرًا لهم بحالهم الأولى قبل هدايتهم إلى الإسلام: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾، أي فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم، وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا فكذلك غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، أن الإنسان لما يجد نفسه ملتزمًا مثلًا بأمور الإسلام، ملتزمًا بأشياء كثيرة، فإذا نظر إلى غيره ممن هو مقصر كثيرًا، فتجد أنه ينظر إليه نظرة، يعني احتقار، أو أنه يرى أنه ليس على الإسلام أو على كذا، فهذا لا ينبغي، بل يذكر الإنسان نفسه ويتذكر نفسه قبل ذلك، فإنه كان على ضلال، ثم بعد ذلك يهديه الله عز وجل، وعلى تقصير ثم يكمله الله عز وجل، وهكذا. فلذا قال الله عز وجل: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾، أي كنتم ضلالًا فهداكم الله عز وجل إلى الإسلام. قال: ومعاملته لمن كان على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعائه لها بالحكمة والموعظة الحسنة، من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه. ولهذا عاد الأمر بالتبيين، ومن هذا التبيين مثلًا أنهم يدعونهم، كما قال الشيخ: يدعونهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فيذكرونهم بالإسلام، يذكرونهم بالله، فإن رأوا أنهم من أهل الإسلام رفعوا عنهم السيف. قال: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾، فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله ومجاهدة أعداء الله، واستعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورًا بالتبين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلم تعوذًا من القتل وخوفًا على نفسه، فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد حتى يتضح له الأمر، ويبين الرشد من الغي. ولو هذا لا بد أن يعيه المسلم، فلا يقتل إنسان شاكًا فيه هل هو مسلم أو كافر، ولا يقتل إنسان أيضًا ظاهره الإسلام، مثل الخوارج يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. تجد الرجل يسلم عليهم، يقول: لا إله إلا الله، فلا يرضون بأي شيء من هذا، حتى قال لهم عائذ بن عمر رضي الله عنه: قال لهم: ألا ترضون بما رضي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني؟ أنا لما مسكه الخوارج، قال لهم: أنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما غفر عندهم هذا، يعني أنهم ما تركوه لأجل أنه صحابي، بل كانوا يقولون له: بل أنت عدو الله وعدو رسوله. فقال: ألا ترضون بما رضي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني؟ قالوا: وما رضي؟ قال: بالشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقتلوه، قتلهم الله. فهذا يدل على جهلهم بدين الله، وإلا الرجل يواجههم بالإسلام ثم يقتله، ويواجههم بالشهادة ثم يقتله، فبأي إسلام سيرضون عنه؟ وهذا يدل على أنهم لم يعرفوا الإسلام، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، يدخلون فيه ويخرجون، ما يستفيدون شيئًا من دين الله عز وجل، ولا يعرفون الإسلام أصلًا. وإلا فمثل هذا الرجل مادام أنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كيف تقتلونه؟ وأيضًا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن هؤلاء أهل هوى. وقتلوا أيضًا الصحابي عبد الله بن خباب، وبقروا بطن امرأته، كل ذلك جهلًا بدين الله جل وعلا، بل وضلالًا. فلذلك الله عز وجل هنا ذكر أن من واجه بالإسلام فلا يقتل، بل إن كان هناك شك فيتبين، كان هناك شك فيتبين. ولهذا لما قتل أسامة بن زيد ذلك الرجل الذي قال: إني مسلم، قال: إني مسلم، فما رفع عنه السيف بل قتله، فقال: يا أسامة، قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ فقال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا. قال: أشققت عن قلبه؟ أشققت عن قلبي حتى تقول أنه قالها متعوذًا؟ قال: فكان يكرر: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أسلم إلا ذلك اليوم. وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الرجل لما قتل مسلمًا، فقال: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ فقال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا ولم يكن مسلمًا. فقال: ما أدراك؟ أشققت عن قلبه؟ ثم إن الله عز وجل أماته، أي هذا الرجل، فلم تقبله الأرض، ثم فترك للسباع. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الأرض لتقبل أخبث من هذا، ولكن الله أراد أن يريكم فضل لا إله إلا الله». وجاء في رواية عند من حباب: «إن الله أراد أن يريكم حرمة دم المسلم»، حرمة دم المسلم، فحرمة دم المسلم عظيمة، فلذلك أمر الله عز وجل بالتبين. قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾، أي فيجازي كلًا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.