كتاب النكاح من صحيح البخاري 92

كتاب النكاح من صحيح البخاري 92

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 92، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث عامة أهل الجنة المساكين وعامة أهل النار النساء

يشرح المقطع حديث أسامة بن زيد الذي رواه البخاري ومسلم، حيث وقف النبي ﷺ على باب الجنة فوجد عامة الداخلين المساكين، وعلى باب النار فوجد عامة الداخلين النساء. وقد ساق البخاري هذا الحديث في باب مخالفة الزوج فيما هو حق له، مبيناً أن عصيان المرأة لزوجها في حقوقه الشرعية من أسباب دخول النار.

حبس أهل الجد للمحاسبة ودخول الفقراء الجنة قبلهم

يفسر المقطع حديث «أهل الجد محبوسون» بأن الجد هو الغنى والحظ، وأن أصحاب الأموال يحبسون يوم القيامة لحسابهم عن مصدر إنفاقهم، بينما يدخل الفقراء الجنة قبلهم لنقص محاسبتهم. ويستشهد بأحاديث تبين أن عامة أهل الجنة هم المساكين والضعفاء لعدم انشغالهم بالدنيا عن الطاعة.

تفسير حديث الأغنياء وحقوق المال وخطر كفران العشير

يفسر العلماء حديث «أكثر أهل النار النساء» بأنه خاص بمن ضيع حقوق الله في ماله، بينما من أدى حق الله في ماله أُجر وسلم من الفتن، ويحذر من كفران المرأة لعشير زوجها وكثرة شكواها ولعنها فتنسى الإحسان الطويل عند أول تقصير. ويضرب النبي إبراهيم مثلاً في طلاق زوجة ابنه لشكواها وزواجه بأخرى تشكر الله على النعمة تأكيداً على وجوب الحمد في كل حال.

وجوب شكر المرأة لزوجها وعدم الشكوى

يؤكد المقطع أن شكوى المرأة من زوجها غير جائزة، بل الواجب عليها حمد الله على تيسير زوج يرعاها ويقوم بأمرها. ويستدل بحديث النبي ﷺ الذي يبين عظمة حق الزوج على زوجته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب». حدثنا مسدد، والعلماء يقولون: إذا كان الباب لم يترجم في البخاري فذكروا احتمالات: إما أن البخاري بيّض له وأراد أن يضع الترجمة فلم يضعها، وإما أنه باب تابع للذي قبله ولهذا لم يسمه أو لم يترجم له لأنه تابع للذي قبله، وإما أنه أراد فقط أن يكون هذا الباب بدون ترجمة. فشرع في الحديث مباشرة، فقال: «حدثنا مسدد»، وهو ابن مسرهد أبو الحسن البصري. قال البخاري: «هو مسدد كاسمه». وقال يحيى بن سعيد القطان وهو شيخه: «لو أتيت مسددا إلى بيته لكان يستاهل»، قال: «لو أتيت مسددا إلى بيته أن يعلمه في بيته، ليس هو الذي يأتي وإنما أنا آتيه»، وهذا لفضله ولحفظه. قال: «حدثنا إسماعيل»، والظاهر أن إسماعيل هنا هو ابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن علية، وهو حافظ كبير من حفاظ أهل البصرة. قال: «أخبرنا التيمي»، والتيمي هو سليمان بن طرخان التيمي، والد المعتمر بن سليمان، والمعتمر أحفظ من أبيه، وأبوه أثبت في السنة. كان يقول لما دخل عليه المعتمر يبكي: «ما لك؟» قال: «توفي أخ لي»، فقال: «توفي على السنة؟» قال: «نعم»، قال: «لا تبكي عليه»، قال: «لا تبكي عليه»، أي مادام أنه على السنة، كما جاء عن أحمد وغيره: «من مات على الإسلام والسنة فليبشر بخير». قال: «أخبرنا التيمي عن أبي عثمان»، وهو النهدي، اسمه عبد الرحمن بن مل، ويقال بفتح الميم: «بن مل»، ويقال أيضا بكسرها: «بن مل»، ويقال بالثلاث: فيقال «ابن مل»، «ابن مل»، «ابن مل»، وابن الرحمن، والمشهور بالضم: «ابن مل»، أبو عثمان النهدي. قال: «عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه»، وهو حب رسول الله وابن حبه، كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب أسامة. قال: «عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار. وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء». وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم رحمه الله. وساق الإمام البخاري هذا الحديث في «مخالفة الزوج فيما هو حق له»، فهو تابع للذي قبله. فإذا عامة من دخلها النساء، فهذا كأنه أراد تابع لما قبله، الباب الذي فيه حق الزوج، فمخالفة الزوج فيما هو حق له تدخل المرأة النار والعياذ بالله. فأخبر أن عامة من دخل النار النساء. وقال هنا في الحديث: «وأهل الجد محبوسون» أو قال: «وأصحاب الجد محبوسون»، والجد هو الحظ والغنى، أن أهل الغنى محبوسون، كما جاء في الحديث في الصحيحين: «أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم»، وجاء في رواية: «بخمسمائة سنة»، أي بنصف يوم، إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون. فقال: «بنصف يوم»، أي أن أهل الغنى وأهل الأموال لا يدخلون الجنة حتى يحاسبوا بأموالهم، أما الفقراء فما عندهم شيء يحاسبون به فيدخلون قبلهم. فقالوا: «أهل الجد»، فالجد هو الحظ والغنى، وأنه «تعال جد ربنا»، أي أنه غني جل وعلا، وأيضا له الجاه العظيم. قوله: «وأهل الجد محبوسون» أو «أصحاب الجد محبوسون». وقال: «قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين». المساكين هم عامة أهل الجنة، لماذا؟ لأنهم غالبا لا تلهيهم الأموال ولا يلهيهم شيء عن الخير، فيلزمون الطاعة. ولهذا قال في الحديث الآخر في الصحيحين: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب ما لي لا يدخلني إلا الجبارون المتكبرون، وقالت الجنة: يا رب ما لي لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين، فقال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي». وأيضا في حديث عبادة بن الصامت: «أهل الجنة كل ضعيف مستضعف»، أي أنه ضعيف عند الناس، ليس عنده مال بل فقير، فلذلك كان عامة من دخلها -أي أكثر من دخلها- المساكين، وأصحاب الجد محبوسون. عنى بالحبس: وفي أكثر نسخ البخاري ومسلم بهذا: «محبوسون»، وجاءت في بعض ألفاظ هذا الحديث في بعض نسخ البخاري: «وأصحاب الجد محبسون»، محبسون: بمعنى محبوس، وهو إذا أقام بالمكان يسمى محبوسا، أو موثوقون لا يستطيعون الفرار، وكلها بمعنى واحد: فهم محبوسون لا يستطيعون أن يفروا، أولا لأنهم قد سلبوا قدرتهم فهم تحت أمر الله جل وعلا، أي أن الله عز وجل لم يعطهم شيئا من الإرادة كما في الدنيا، والأمر الآخر أنه قد حيط بهم، فقد جاء في بعض الأحاديث أن الملائكة تحيط بأهل النار الذين هم في النار، لكن هؤلاء ليسوا من أهل النار وإنما هم محبوسون لأجل القضاء، لأجل المحاسبة، يحاسبون في الأموال التي صرفوها والتي أخذوها وغير ذلك، لأنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به». فلذلك يسأل عن ماله سؤالين: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه. وحمل بعض العلماء هذا الحديث على من لم يؤد حقوق الله من الأغنياء، فعليهم أشياء من حق الله عز وجل التي أمره الله عز وجل بها، وإلا فهناك من بشر الله عز وجل بالجنة من الصحابة رضي الله عنهم من هو من الأغنياء، خاصة أكثر العشر المبشرين بالجنة هم يعتبرون من أغنياء الصحابة. فلذلك قال بعض العلماء: إنما المراد من ضيع حق الله عز وجل في هذا المال، فأما من أدى حق الله عز وجل في هذا المال وجعله في طاعته فهذا يؤجر كثيرا ويعطى كثيرا ويسلم أيضا من الفتن، ومن ذلك أنه يدخل الجنة، قد يكون أيضا ممن يدخل بغير حساب ولا عذاب. وأيضا في هذا الحديث كما ذكرنا، وهو من أجله ساق البخاري هذا الحديث، قوله: «وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء». وقد جاء في حديث أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر حطب جهنم»، وفي رواية: «تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار». فقالت امرأة: «يا رسول الله، بما ذلك؟» قال: «لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير». وفي رواية: «تكثرن الشكاية»، أي دائما تشتكي أنها على زوجها وأنه يفعل ويفعل وتنسى حسناته، وهذا معنى «تكفرن العشير»، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا يسوءها قالت: ما رأيت منك خيرا قط»، أي تنسى ما قمت به من الإحسان إليها ومعاملتها بالحسنة، كل ذلك تنساه إذا رأت منك شيئا يسوءها، فتقول: «ما رأيت منك منذ أن جئت إليك خيرا قط». وهذا أمر خطير، فتنكر نعمة الله عز وجل عليها، ولهذا التي تكثر الشكاية ليست على خير. ولهذا لما نبي الله إبراهيم اشتكت له تلك المرة زوجة ابنه، اشتكت ما هم عليه من الضيق وكذا، فقال لها: «إذا جاء فقولي له: غير عتبة بابك»، أي غير هذه الزوجة. فلما قالت له، قال: «هذا أبى، وأمرني أن أطلقك»، فطلقها، ثم تزوج أخرى. فجاء بعد فترة، فلما سألها عن حالهم، قالت: «نحمد الله عز وجل، أقوتنا كذا وكذا»، وذكرت له من الخير وأنهم في نعمة الله عز وجل. وهكذا ينبغي أن المرء، سواء كان رجلا أو امرأة، يحمد الله عز وجل مهما حصل من سوء الظروف أو سوء ما يحصل مثلا من الأمور التي قد تكون في المعاش وأيضا غلاء الأسعار وغير ذلك، فالنعمة لازالت موجودة، النعمة لازالت موجودة، يحمد الله عز وجل على كل حال. فلذلك قال إبراهيم لها: «إذا جاء إسماعيل فسلم عليه وقولي له: ثبت عتبة بابك». فلذلك فشكاوى المرأة هي من الأمور التي لا يجوز أن تستعملها المرأة، والواجب عليها أن تحمد الله عز وجل أن يسر لها هذا الزوج يرعاها وكذلك يقوم بأمرها. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها». فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث، ونكتفي بذلك والله تعالى أعلم.