التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 160

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 160

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 160، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أنواع التوسل المشروع وأحكام الإقسام بأسماء الله وصفاته وأفعاله

يستعرض المقطع أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في التوسل المشروع بالأعمال الصالحة كحب الله والإيمان، مع ذكر قصص تدل على استجابة الدعاء بذلك. ثم يبين حكم التوسل بأسماء الله وصفاته وأفعاله كالرضا والمعافاة، ويناقش أسانيد بعض الأحاديث الواردة في الباب مبيناً ضعفها ومذهب أهل السنة في جواز الإقسام بأفعال الله القائمة به.

الخلاف في صفات الله: صفات الذات والأفعال ورد قول الحلولية والاتحادية

يناقش المقطع خلاف الفرق الكلامية في إثبات صفات الله، مبيناً أن الأشاعرة والماتريدية يثبتون صفات الذات دون الأفعال، بينما تذهب الجهمية والحلولية إلى أن أفعال الله تقوم بالمخلوقات. ويرد الشيخ على ذلك مؤكداً أن صفات الله قائمة بذاته، وأن الاستعاذة والحلف يكونان بصفات الله وأفعاله لا بالمخلوقات.

التفريق بين صفات الله والذات وبيان معنى السؤال بالرحم وحق جعفر

يوضح المقطع الفرق العقدي بين قول "الصفات غير الذات" الصحيح وقول "صفات الله غير الله" الباطل، لأن مسمى اسم الله يدخل فيه الصفات. ثم يفسر السؤال بالأرحم وقصة عبدالله بن جعفر مع علي بأنه توسل بصلة الرحم وحق القرابة المشروع، مبيناً الفرق بين التوسل المشروع والتوسل الباطل بالذوات.

أحكام التوسل بالأنبياء والصالحين والنهي عن اتخاذ القبور مساجد

يبيّن المقطع أن التوسل المشروع بالأنبياء والصالحين يكون إما بطاعتهم واتباع هديهم، وإما بدعائهم وشفاعتهم للسائل، أما مجرد ذكر أسمائهم دون طاعة أو شفاعة فلا ينفع. كما يحذر من اتخاذ القبور مساجد والسؤال عندها، مبيناً أن السلف لم يفعلوا ذلك وأن فعل ابن عمر كان اقتداءً لا تبركاً بالمكان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاهم. ما بعد: فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مسألة التوسل، وذكر ما يشرع في التوسل من التوسل بالأعمال الصالحة، ثم ذكر حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة. ثم قال رحمه الله: "من هذا يذكر عن الفضيل بن عياض أنه أصابه عسر البول". الفضيل بن عياض، الفضيل بن عياض أقصد التميمي بن بشر، الإمام الزاهد العابد، أنه أصابه عسر البول، أن عسر في البول لا يخرج، فقال: "بحبي إياك إلا فرجت عني". بحبي إياك، أي: بحبي لله عز وجل، توسل بحبه لله، ولما كان صادقا في حبه فاستجاب الله عز وجل له. قال: "بحبي إياك إلا فرجت عنه"، قال: ففرج عنه. وهذا موجود في حلية الأولياء. وقال: وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيى الله ابنها لما قالت: "اللهم إني آمنت بك وبرسولك وهاجرت في سبيلك"، فأحيى الله عز وجل لها ولدها. لكن الحديث ذكره القاضي عياض في الشفاء، وإسناده الظاهر أنه ضعيف. قالوا: هذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. وهذا أيضا توسل بالأعمال الصالحة، بالإيمان: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، هذا توسل بالإيمان بالله. قال: فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه وفعل ما يحبه والعبودية والطاعة هو من جنس فعل ذلك، وهذا ليس من التمني على الله، ليس من التمني على الله، وإنما يعتبر من الترجي، من الترجي في السؤال. قال: وهو من جنس فعل ذلك ورجاء لرحمة الله وخوفا من عذابه. وسؤال الله بأسمائه وصفاته، كقوله: "يسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان، بديع السماوات والأرض". وهذا أيضا من أعظم التوسل، أن يتوسل العبد بأسماء الله عز وجل وصفاته. قالوا: "بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد". هذه صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: نحو ذلك يكون من باب التسبب، فإن كونه المحمود المنان يقتضي منته على عباده وإحسانه الذي يحمده عليه. قالوا: كونه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، توحده في صمديته، الصمد هو السيد المقصود الذي يحتاج إليه ولا يحتاج لأحد، الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم. قال: بأن يكون هو السيد المقصود الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم، المستغني عما سواه، وكل ما سواه مفتقرون إليه لا غنى بهم عنه. وهذا سبب لقضاء المطلوبات. وقد يتضمن معنى ذلك الإقسام عليه بأسمائه وصفاته، مثلا تقول: "اللهم أقسمت عليك بأنك أنت الله الغني ونحن الفقراء فأنزل علينا الغيث"، فيدعو بما يريد. قال: وأما قوله في حديث أبي سعيد: "أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا"، فهذا الحديث من رواية عطية العوفي، وفيه ضعف. عطية بن سعيد العوفي وهو ضعيف مدلس، وكان يدلس خاصة في التفسير تدليسا عجيبا، وتدليسا أيضا خطيرا، والعهد على محمد بن السائب الكلبي. فمحمد بن السائب الكلبي قال: جاءني عطية بن سعيد العوفي وأخذ من عندي الحديث، أو أخذ التفسير، ثم قال لي: "أنا أقول حدثني أبو سعيد". ومحمد بن السائب الكلبي ليس بأبي سعيد، إنما هو أبو هشام، فقال: "أقول أبو سعيد". وعطية بن العوفي قد سمع من أبي سعيد الخدري، فيحسب الناس أنه أبو سعيد الخدري وهو ليس بذاته. فلهذا كان تدليسه أيضا يكون من الطبقة التي يرد فيها التدليس، وهي من الطبقة الرابعة؛ لأنه ضعيف وأيضا يدلس. قال: لكن بتقدير ثبوته فقد ذكره الشيخ، الشيخ محمد بن عبد الوهاب في فضل الإسلام. قال: لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه سبحانه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به والتوجه به والتسبب به. ولو قد رأى أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته، لأن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله. يعني يكون هذا عند لو قلنا بتصحيحه فيحمل على أن حق السائلين هو الإجابة، فهي من صفات الله عز وجل أنه يجيب المضطر إذا دعا، يجيب السائل، فقال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. فمعنى ذلك الإقسام به، كأنه يقول: "أقسمت عليك يا رب يا مجيب السائلين أن تجيب سؤالي، أن تجيب ما أطلب" أو كذا. قال: فصار هذا كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث الصحيح: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله في آخر وتره: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك". هذا التوسل برضاه عن سخطه، وبمعافاته عن عقوبته. قالوا: "وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". قالوا: الاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق. استدل به على الجهمية. ولأنه قد ثبت في الصحيح وغيره عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق". فهذا استعاذة برضا الله، ووصف من صفاته. قال: والاستعاذة لا تكون بمخلوق. فأورد بعض الناس لفظ المعافاة، فقال جمهور أهل السنة: المعافاة من الأفعال. "وبمعافاتك من عقوبتك"، أنا توسل بمعافاة الله عز وجل للعباد، وهي من صفاته وأفعاله، من أفعاله. قال: إن أفعال الله قائمة به. قال: طيب. قال: فقال جمهور أهل السنة: المعافاة من الأفعال، وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم يقولون: إن أفعال الله قائمة، إن أفعال الله عز وجل قائمة به، وإن الخالق ليس هو المخلوق. وعلى هذا جمهور أصحاب أحمد والشافعي ومالك، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وقول عامتها الحديث والصوفية، وقوافل منها الكلام والفلسفة، على أن أفعال الله عز وجل يجوز الإقسام بها. معناه يقول مثلا: "أقسمت بخلقك للناس"، أو "أقسمت بنصرك لعبادك"، فيجوز أن يقسم بأفعال الله. وأيضا هنا بقوله: "وبمعافاتك من عقوبتك"، المعافاة ليست من صفات الله وإنما هي فعل من أفعاله، أن يعافي الله عز وجل به عباده، فيقسم العبد كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم هنا، أو توسل بمعافاته جل وعلا وتعوذ بها، وهذا من باب الإقسام: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك". قالوا: بهذا يحصل الجواب عما أورده المعتزلة ونحوهم من الجهمية نقضا. فإن أهل الإثبات من أهل الحديث، وعامة المتكلمة الصفاتية من الكلابية والأشعرية والكرامية، أن هؤلاء يسمون من مثبتة الصفات، مع أن هؤلاء ما يثبتون إلا خاصة. أن الأشعرية والكلابية يثبتون سبع صفات، والأشعرية والماتريدية والكلابية أيضا يثبتون صفات الذات لكن لا يثبتون صفات الأفعال، وكذلك الكرامية، أتباع محمد بن كرام السنجستاني. قال: وغيرهم استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق، فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره. معنى: يجعلون أفعال الله عز وجل ليست، يجعلونها مخلوقا. قالوا: اتصف به ذلك المحل لا غيره. معنى: تقوم على ذلك المحل، أي الذي حصل فيه المعافاة وهو المخلوق. فقالوا: مادام أنها تعود إلى المخلوق فهي ليست من صفات الله. هذا جهل. قالوا: اتصف به ذلك المحل لا غيره. فإذا خلق الله لمحل علما أو قدرة أو حركة أو نحو ذلك كان هو العالم به، القادر به، المتحرك به. أنا هذا لو أعطى الله عز وجل المريض العافية فقام وتحرك فهو يتحرك بهذه العافية التي أعطاه الله. أنا يقولون: هذا الفعل قام بالعبد وليس قام بالرب جل وعلا. لكن من هو المحرك؟ هو الله. ومن هو المعافي ومن هو المعافى؟ هو الله الذي عافاه. قال: ولم يجز أن يقال: إن الرب المتحرك بتلك الحركة، ولا هو العالم القادر بالعلم والقدرة للمخلوقين، بل بما قام به من العلم والقدرة. قالوا: فلو كان قد خلق كلاما في غيره كالشجر التي نادى منها موسى، لكانت الشجر هي المتصفة بذلك الكلام، فتكون الشجر هي القائلة لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾، ولكان ما يخلقه الله من إنطاق الجلود والأيدي وتسبيح الحصى وتأويب الجبال وغير ذلك كلاما له كالقرآن والتوراة والإنجيل، بل كان كل كلام في الوجود كلامه لأنه خالق كل شيء. وهذا قد التزمه مثل صاحب الفصوص. هذا الكلام ليس صحيحا. ليس أن الفعل الذي هو فعل الله عز وجل إذا قام بمحل فمعنى ذلك أن المحل هذا مخلوق، أو أنه يعتبر أن فعل الله عز وجل مخلوق، وأن هذا المحل هو الله. معنى: إذا قلنا أن هذا المحل الذي قام به الفعل، الفعل فعل الله، معنى أن هذا المحل هو الله وهو فعله. وهذا جهل. وهذا جهل. والتزمه بعض الصوفية، التزم هذا اللازم، فجعل كل شيء في الوجود هو الله. مثل: قالوا: هذا قد التزمه مثل صاحب الفصوص، وهو ابن عربي، محيي الدين ابن عربي، وهو مميت الدين. قالوا: أمثال من هؤلاء الجهمية الحلولية الاتحادية. الجهمية الحلولية: الذين يعتقدون أن الله حل في كل شيء. والاتحادية: هم الوجودية الذين يعتقدون أن الله عز وجل قد اتحد في كل شيء، فكل شيء هو الله. قال: فأوردت المعتزلة صفات الأفعال كالعدل والإحسان، فإنه يقال: إنه عادل محسن بعدل خلقه في غيره وإحسان خلقه في غيره. فأشكل ذلك على من يقول: ليس لله فعل قائم به، بل فعله هو المفعول المنفصل عنه، وليس خلقه إلا مخلوقه. ولهذا المعتزلة يقولون: أن كل فعل يفعله الإنسان فهو من خلقه، يعني هو الذي يخلق فعل نفسه، وليس لله عز وجل دخل في هذا. وهذا كله فرارا من أن يقال: أن هذا فعل الله، وفعل الله لا يكون مخلوقا، ولا يحل بالحوادث كما يقولون. فهذا كلام ليس صحيحا. فالفعل فعل الله جل وعلا، ولكن قام هذا الفعل به المخلوق، قام بالمخلوق، فالمخلوق له أيضا مشيئة لكنها تابعة لمشيئة الله جل وعلا. قال: وأما من طرد القاعدة وقال: أيضا إن الأفعال قائمة به، ولكن المفعولات المخلوقة هي المنفصلة عنه، وفرق بين الخلق والمخلوق، فاضطرد دليل واستقام. والمقصود هنا أن استعاذة النبي عليه الصلاة والسلام برضاه ومعافاته من عقوبته، مع أنه لا يستعاذ بمخلوق، كسؤال الله بإجابته وإثابته، وإن كان لا يسأل بمخلوق. وكل هذا أراد أن يبين الشيخ أن قوله في الحديث: "أسألك بحق السائلين عليك"، هذا من باب الأفعال، وليس من باب التوسل بحق أحد، وإنما حق السائلين عليه هو إجابتهم، فهي من أفعال الله عز وجل. والاستعاذة أو الإقسام بأفعال الله والتوسل بها أيضا مما جاء في الشرع، مثل: "بمعافاتك من عقوبتك". قال: وإن كان لا يسأل بمخلوق. ومن قال من العلماء: لا يسأل إلا به، لا ينافي السؤال بصفاته، كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". وفي لفظ للترمذي: "من حلف بغير الله فقد أشرك". قال الترمذي: حديث حسن. "من حلف بغير الله فقد أشرك". جاء عند النسائي وغيره. وأيضا كذلك في الترمذي من طريقي منصور عن سعد بن عبيدة عن عبد الله بن عمر. لكن سعد لم يسمعه من عبد الله بن عمر لأنه غاب عن المجلس وحدثه بعد ذلك بهذا أبو محمد الكندي، وهو مجهول. لكن قد جاء هذا الحديث من طريق سالم عن أبيه بإسناد لا بأس به. وفيه قال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من حلف بغير الله"، قال: فقال فيه قولا شديدا. فقال فيه قولا شديدا. يحمل هذا القول الشديد هو قوله: "فقد أشرك". ولهذا فالحديث حسن بإذن الله جل وعلا. قال: مع هذا الحلف بعزة الله، و"لعمري الله"، ونحو ذلك مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحلف به. وأيضا كذلك قوله جل وعلا: ﴿لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ﴾، فالتقليب القلوب من أفعاله سبحانه وتعالى. أنا يريد أن يبين أن هذا أيضا حصل في الإقسام، في الحلف، فيحلف بالله وبصفاته وبأفعاله. قال: لأن لفظ الغير قد يراد به المباين المنفصل. ولهذا لم يطلق السلف وسائر الأئمة على القرآن وسائر الصفات إلا أنها غيره. فعنها: ليس هناك من أهل السنة من يقول أن القرآن غير الله، وإنما كلام أهل البدع: أن كلام الله ليس الله. هذا كلام أهل البدع. بل صفاته قائمة بذاته سبحانه وتعالى، فليست صفاته غيره، بل صفاته هو جل وعلا. ولهذا يقول سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. عبر هنا جل وعلا بالوجه على ذاته سبحانه وتعالى، فالوجه صفة من صفاته، عبر بها على ذاته، فدل على أن صفاته من ذاته سبحانه وتعالى. فالذات الله هي صفاته سبحانه وتعالى القائمة به جل وعلا، وليست مباينة كما يقول الجهمية والمعتزلة والأشاعرة. قال: لأن لفظ الغير فيه إجمال، قد يراد به المباينة المفصلة، فلا يكون صفة الموصوف، وبعضه داخلا في لفظ الغير. وقد يراد ما يمكن تصوره دون تصور ما هو غير له، ويكون غيرا بهذا الاصطلاح. ولهذا تنازع أهل النظر في مسمى الغير، والنزاع في ذلك لفظي، ولكن بسبب ذلك حصلت في مسائل الصفات من الشبهات ما لا ينجلي إلا بمعرفة ما وقع من الألفاظ من الاشتراك والإبهامات، كما قد بسط في غير هذا الموضع. ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن أول هذا الأمر، قال: "كان الله وليس معه غيره". كان الله وليس معه غيره. فهنا غيره: أي من المخلوقين المباينين المفصلين. قالوا: لهذا يفرق بين قول القائل: "الصفات غير الذات"، وبين قول: "صفات الله غير الله". فإن الثاني باطل. أنا فرق بين: "الصفات غير الذات"، وفرق بين، أو أيضا: "صفات الله غير الله". فـ "صفات الله غير الله" باطل، لأن مسمى اسم الله يدخل فيه صفاته. وأما الذات فلا يدخل فيها الصفات، بخلاف مسمى الذات فإنه لا يدخل فيه الصفات. ولهذا لا يقال: "صفات الله زائدة عليه" سبحانه، وإن قيل: "الصفات زائدة على الذات"، لأن المراد أنها هي زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات المجردة. وهذا تنبيه مهم جدا يغلط فيه كثير ممن يتكلم في الاعتقاد، فيقول: "الصفات زائدة، الصفات زائدة عن الله"، وهذا كلام باطل. لكن لو قال: "الصفات زائدة على الذات"، فهذا كلام صحيح. قال: فليس اسم الله متناولا لذات مجرد عن الصفات أصلا، ولا يمكن وجود ذلك. ولهذا قال أحمد رحمه الله في مناظرته للجهمية: "لا نقول: الله وعلمه، والله وقدرته، والله ونوره، ولكن نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره، هو إله واحد". وهذا من فقهه رحمه الله ومعرفته باللغة. لأن قوله: "الله وعلمه"، فأن جعل العلم منفصل عن الله، و"الله وقدرته"، أي جعل القدرة منفصل عن الله، وهذا أيضا الباطل. لأن الله عندما نقول: "الله"، هو بذاته وبصفاته وأفعاله، فيدخل في هذه الأشياء. قالوا: قد بسط في هذا، قد بسط هذا في غير هذا الموضع. والشيخ رحمه الله من طريقته أنه يوسع في الكلام حتى يوضح المسألة، فيأتي بأشياء مماثلة لها ثم يختصر الكلام، لأن هذه المسائل ليس محلها هنا. قالوا: أما قول الناس: "أسألك بالله وبالرحم"، وقراءة من قرأ: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، والأرحم، ليس معنى أنكم تساءلون بالأرحم، تساءلون الله عز وجل بالأرحم، ليس هذا المعنى. قال: فهو من باب التسبب بها. أنا أسألك بصلتي بالأرحم. قال: فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته. فسؤال السائل بالرحم لغيره يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، وليس هو من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توصل بما يقتضي المطلوب، كالتوسل بدعاء الأنبياء وبطاعتهم والصلاة عليهم. أنا يعتبر هذا من باب التوسل بالأعمال الصالحة. ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، فلو جعلناها مما يتساءل به، أي أن العبد يسأل ربه جل وعلا وعلى بصلته بالأرحم، بصلته بالأرحم أن تفعل لي كذا وكذا، وهذا من باب التوسل بالأعمال الصالحة. قالوا: من هذا الباب ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: كنت سألت عليا رضي الله عنه شيئا فلم يعطنيه، قلت له: "بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه"، فيعطينيه. وعبد الله بن جعفر، ابن أبي طالب، جعفر بن أبي طالب، ولد بالحبشة. وهذا الخبر ما الله أعلم بصحته، لكن وجهه الشيخ هنا. قالوا: كما قال: فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من باب قولهم: "أسألك بحق أنبيائك" ونحو ذلك، وليس كذلك. بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله هو ابنه، وله عليه حق الصلة. وعبد الله تربى عند عمه علي، لأن جعفر لما مات في موته، وكانت جاءت له زوجته أسماء بنت عميس بمحمد وعبد الله، كان عبد الله أكبر، أكبر من محمد. ثم تزوجها الصديق، تزوجها الصديق، وجاءت له بمحمد بن أبي بكر. تزوجها الصديق وجاءت له بمحمد بن أبي بكر. فأسماء بنت عميس أم عبد الله بن جعفر، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر الصديق. ولدت في حجة الوداع في ذي الحليفة. فأولاد ثلاثة كانوا عند علي. لماذا كانوا عند علي؟ لأن عليا تزوج بأسماء بنت عميس بعد الصديق، بعدما مات أبو بكر الصديق، تزوج علي بأسماء بنت عميس، فصار عبد الله ومحمد ابن جعفر ومحمد بن أبي بكر كلهم تحت علي، معنى ربيبة، فرباهم علي رضي الله تعالى عنه. قالوا: فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من باب قول: "أسألك بحق أنبيائي"، وليس كذلك. بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله هو ابنه، وله عليه حق الصلة. فلما يقول له: "بحق جعفر"، أي: بصلتك بأخيك وحقه عليك. قال: صلة لأبي جعفر، كما في الحديث: "إن من أبر البر، إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي". وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم. "إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه"، أهل ود أبيه: أي أصحابه الذين كان يودهم بعد أن يوليه. هذا من البر بالوالد، من البر بالوالد أنه يبر أصحابه. قالوا: وقوله: "إن من برهما بعد موتهما الدعاء لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما". وهذا أيضا حديث حسن، وفيه حق الوالدين بعد موتهما. قالوا: لو كان هذا من الباب الذي ظنوه، لكان سؤاله لعلي بحق النبي وإبراهيم الخليل ونحوهما أولى من سؤاله بحق جعفر. فكان علي إلى تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته وإجابته السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره. لكن بين المعنيين فرق. فإن السائل بالنبي طالب به منتسب به، فإن لم يكن في ذلك السبب يقتضي حصول مطلوبه، ولا كان مما يقصم به، لكان باطلا. على فرق: مثلا يقول: إذا قلت: "بالنبي أسألك بالنبي"، فهذا هنا سؤال برسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، يريد به طلب منتسب به، فهو توسل بالذات. وهذا لم يثبت في شرع الله جل وعلا، ولم يأت عن الصحابة. وإنما يجوز إذا كان بسبب العمل. وهنا قوله لعلي: "بحق جعفر"، فهو من باب الصلة بين المخلوقين. قال: وإقسام الإنسان على غير بشيء، يقوم من باب تعظيم المقسم للمقسم به. وهذا هو الذي جاء به الحديث من الأمر بإبرار القسم. ومن مثل هذا قيل: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره". وهذا الحديث جاء في الصحيحين وغيرهما. قال: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره". جاء في لفظ مسلم: "ومنهم البراء المعرور". قال: وقد يكون من باب تعظيم المسؤول به. فالأول يشبه ما ذكره الفقهاء في الحليف الذي يقصد به الحظ والمنع. والثاني: سؤال المسؤول بما عنده من محبة المسؤول به وتعظيمه، رعاية حقه. فيقسم عليه بحقه عليه. قال: فإن كان ذلك أما يقضي حاجة مقصودة، سائل حسن السؤال، حسن السؤال، كسؤال للإنسان بالرحم. وفي هذا سؤال لله بالأعمال الصالحة، دعاء أنبياء وشفاعتهم. مثل ما يقول الله، أو يقول العبد: "برحمتك منك". أنا هنا: "برحمتك منك"، يريد التوسل بما عنده، بما يعظم به رحمته، بما يعظم به رحمته، فهو سؤال بالصلة، سؤال بالصلة. قال: وعما بمجرد الأنبياء والصالحين، ومحبة الله لهم، تعظيمهم له، ورعاية لحقوقهم التي أنعم الله بها، فليس فيها ما يوجب حصول مقصود السائل إلا بسبب بين السائل وبينهم: إما محبتهم وطاعتهم فيثاب على ذلك، وإما دعائهم له فيستجيب الله شفاعتهم فيه. فالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم، وإما بدعائهم وشفاعتهم. هذا المشروع. فمجرد دعائهم بهم من غير طاعة منه لهم، ولا شفاعة منهم له، فلا ينفعه، ولا ينفعه. معناه: وأما بدعائهم وشفاعتهم، فمجرد دعائهم بهم، فإذا قال: "أسألك بنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم"، وهو لا يطيع أصلا، لم يتوسل بطاعته، ولم يتوسل أيضا بشفاعته بدعائه له، وإنما توسل بدعائه المجرد، فهذا لا ينفعه، لأنه ليس هناك ما يتوسط به. قالوا: "إن عظم جاه أحدهم عند الله". قالوا: قد بسطت هذه المسائل في غير هذا الموضع، أنا في كتاب ألفه في هذا الباب، وهو "التوسل والوسيلة". قالوا: المقصود هنا إنه إذا كان السلف ولأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد ذكر، فكيف بسؤال المخلوق الميت؟ سواء سئل أن يسأل الله، سئل قضاء الحاجة، أنا سواء قيل: "يا فلان سل الله لي"، أو سئل قضاء الحاجة: "أسألك أن تفعل لي كذا". قالوا: نحو ذلك ما يفعله بعض الناس إما عند قبر الميت، وإما مع غيبته. وصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حسم المادة وسد الذريعة بلعنه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، حتى يسد هذا الباب. قالوا: أن لا يصلى عندها لله، ولا يسأل إلا الله، وحذر أمته ذلك. فكيف إذا وقع في نفس المحذور من الشرك وأسباب الشرك؟ وقد تقدم الكلام على الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد. قالوا: قد تبين أن أحدا من السلف لم يكن يفعل ذلك، إلا ما نقل عن ابن عمر. أنا ما كان أحد يأتي ويدعو عند القبر، أو يتوسل بالقبر، أو غيرها من هذه الأفعال، إلا ما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي عليه الصلاة والسلام، والصلاة في المواضع التي صلى فيها. حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ وصب فضل وضوئه في أصل شجرة، ففعل ابن عمر ذلك. وهذا ابن عمر تحرى لمثل فعله، فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، أنا قصد الاتباع فقط في نزوله وصلاة، وليس التبرك كما يظنه كثير من الناس، وإنما قصد الاتباع. لكن بعضهم يجعله تبركا، يجعله تبركا. قالوا: هذا، قال: قال: و صبه للماء وغير ذلك، لم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها. طيب. قالوا: الكلام هنا في ثلاث مسائل. طيب، إن شاء الله نترك هذه المسائل في الدرس اللاحق.