الدرس في كتاب النكاح 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أركان النكاح الثلاثة: خلو الزوجين من الموانع، والإيجاب، والقبول، مبيناً أن الإيجاب والقبول يصحان من أي الطرفين دون اشتراط جهة معينة. كما يناقش خلاف العلماء في ألفاظ العقد، حيث يشترط الحنابلة في المشهور لفظي "زوجت" أو "أنكحت"، بينما يرى شيخ الإسلام ابن تيمية والشافعي صحة العقد بكل لفظ أو فعل يدل على النكاح ويعرفه الناس كذلك.
يصح عقد النكاح بأي قول أو فعل يدل على الرضا بأي لغة كانت، ولا يلزم غير العربي تعلم ألفاظ عربية محددة. كما أن تقديم القبول على الإيجاب يصح عند الجمهور خلافاً للمشهور من مذهب أحمد، بشرط أن يكونا في مجلس واحد دون انشغال بما يقطع العقد.
يناقش المقطع حكم تأخر القبول عن الإيجاب في عقد النكاح، مبيناً أن العقد يصح إذا لم يتفرق المجلس ولم يشتغل الطرفان بكلام يقطع التفاوض، أما إذا تفرقا أو اشتغلا بأمر أجنبي فلا يصح القبول المتأخر إلا بإعادة الإيجاب، مع ذكر رواية عن الإمام أحمد تجيز القبول حتى بعد مفارقة المجلس مستدلاً بقصة المرأة الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، والفرق بين ذلك وبين رد الإيجاب الصريح الذي يبطل العقد.
إذا لم يرد المتلقي على العرض أو أجاب بـ"خيراً إن شاء الله" ثم اتصل لاحقاً معلناً موافقته، يُعتبر العقد صحيحاً لأن عدم الرد لا يدل على رفض. عدم ظهور أي عدم رضا يجعل العقد منعقداً بشكل صحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. ما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: "فصل: وأركانه الزوجان الخاليان من الموانع". يعني: أركان النكاح ثلاثة. الرقم الأول: أن يكون الزوجان خاليين من الموانع، فأن تكون المرأة معتدة فلا يجوز أن يتزوجها وهي في عدة، ويكون العقد باطلاً. هنا مانع يمنع من نكاح هذه المرأة. فهذا الرقم الأول: أن يكون الزوجان خاليين من الموانع. أيضاً الرجل مثلاً إذا كان مجنوناً، أو مجبوباً (مقطوع الذكر) أو نحو ذلك، أو أنه مثلاً متزوج أربع، متزوج لأربع من النساء، فهذا أيضاً يعتبر مانعاً، وأن يكون عقده باطلاً على هذه المرأة. قال: "والإيجاب". وهذا الرقم الثاني: وهو الإيجاب، وهو قول ولي المرأة أو من يقوم مقامه. والصحيح أنه لا يشترط أن يكون الإيجاب من ولي المرأة، فإن بعضهم -بعض هذه المذاهب- يشترطون، كالشافعي يشترط أن يكون الإيجاب هو قول الولي، والقبول هو قول المتزوج أو العروس. والصحيح أن الأمر سهل: كان القبول من هنا أو من هنا، والإيجاب من هنا أو من هنا، المهم أن يكون هناك قبول وإيجاب. الاشتراط لا بد أن يكون قبول وإيجاب. إذا قال مثلاً الزوج: "يا فلان، تزوجني ابنتك"، فيقول: "نعم"، فهذا قبول وإيجاب. والآن الإيجاب كان عند من؟ عند الزوج الذي يريد أن يتزوج، هو الذي كان الإيجاب عنده، والقبول كان عند ولي المرأة. مثلاً يقول له: "زوجني ابنتك"، فيقول: "قبلت". "زوجني ابنتك"، فيقول: "قبلت". أو العكس: يقول الولي: "يا فلان، أزوجك ابنتي"، يقول: "قبلت". فالأمر سهل. وأما الاشتراط أن هذا له الإيجاب وهذا له القبول، فلا دليل عليه. والركن الثالث: القبول. فهم يقولون: هو قول الزوج أو من يقوم مقامه. ولو كان حتى هازلاً يدخل على الصحيح، بل على قول أكثر العلماء أنه يكون عقداً صحيحاً. استدلوا بحديث: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة"، رواه أبو داود والترمذي، إلا أنه مختلف في صحته. قال: "ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ: زوجت، أو أنكحت". فلا يصح من العربي، ولا ممن يحسن العربية من غير العرب، أن يقول بغير لفظ: "زوجت"، "تزوجت"، أو "أنكحت". باللفظين: إما بلفظ الزواج، أو بلفظ النكاح. فإذا قال: "ملكتك ابنتي"، أو "وهبتك"، أو "جوزتك"، أو نحو ذلك من الكلمات، فالنكاح هنا لا يصح، يعني على كلام المؤلف أنه لا يصح. فلا يصح إلا بلفظ: "أنكحت" أو "زوجت". قالوا: لأنه هو الوارد في القرآن: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وقال: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وهذا مذهب في المشهور في مذهب أحمد: أنه لابد بهذين اللفظين. وهناك رواية عن أحمد أيضاً، اختارها شيخ الإسلام، وهي أيضاً قول الشافعي: أنه يصح بكل لفظ دل على النكاح. دل كل لفظ يدل على النكاح فيصح به النكاح. أنا في حكم... أنا في حكم الناس، كما قال شيخ الإسلام: "ينعقد النكاح بما عده الناس نكاحاً، بأي لغة ولفظ وفعل كان". أنه إذا تعرفوا حتى على الفعل يجوز. شيخ الإسلام حتى الفعل: لو أنه مثلاً عندهم فعل يعتبر نكاح، مثل عند النصارى: النكاح عندهم أن يلبسها الخاتم، فإذا وافقت أن تلبس الخاتم من يده يعتبر عندهم نكاحاً أنها راضية. وأيضاً باللغة: سواء كان لغة عربية أو باللغة العجمية، وسواء دل عليه الفعل أو دل عليه القول، لأن المقصود هو الرضا، والدلالة على الرضا يدخل في الرضا، وهذا يحصل بالفعل ويحصل بالقول. النبي عليه الصلاة والسلام قال لذلك الرجل الذي أراد تلك المرأة الواهبة: «اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن». قال: «اذهب فقد ملكتكها». لم يقل: "زوجتكها" أو "أنكحتكها"، وإنما قال: "ملكتكها". فالتمليك يعتبر من الزواج أيضاً، ومن ألفاظ الزواج. فبكل فعل أو قول دل على النكاح يجوز. فلو مثلاً قال الذي يحسن العربية قال لامرأة، أو قال لولي امرأة، كلمته باللغة التي بينهما، مثلاً إندونيسية أو كذا، فقال له: "أريد مثلاً أن أتزوج ابنتك"، فقال الولي: "قبلت" بالكلام الذي يكون بينهما، فهل هذا يقال أنه ليس عقداً صحيحاً؟ لا، ما يقال أنه ليس عقداً صحيحاً، بل العقد صحيح، النكاح صحيح. قال: "وقبلت". هذا النكاح، أو "تزوجت"، أو "تزوجت"، أو "قبلت". هذه ألفاظ القبول. ومن جهلهما لم يلزمه تعلمهما، وكفاه معناهما الخاص بكل لسان. أنا من جهل هذه الألفاظ... لا، لكن من عرف... من كان يحسن العربية من العجم، فلابد أن يتلفظ بالألفاظ العربية بالنكاح. فإن كان لا يحسن العربية، بل هو جاهل فيها، فهل يلزمه التعلم؟ قال المصنف هنا: لا يلزمه التعلم، لأن هذه الألفاظ مما لا يتعبد بلفظه. وهذا مما يدل على ضعف هذا القول، لأنه لو كان الأمر واجباً لأوجبنا عليه التعلم، أو كان هذه الألفاظ واجبة أن يتلفظ بلفظ العربية: "نكحت" أو "زوجت"، لا، لأوجبنا عليه أن يتعلم هذه الألفاظ. لكن كما تقدم أن الصحيح أن النكاح يصح. قال: "فإن تقدم القبول لم يصح". وهذه المسألة التي ذكرناها: إذا تقدم القبول لم يصح. يعني إذا قال: "زوجني فلانة"، فيقول الولي: "زوجتك"، ها؟ أو يقول: "قبلت زواجها لك". هذا عندهم لا يصح. وهذا هو المشهور في مذهب أحمد، وهو مذهب الشافعي كذلك... أو أقصد: لا، الشافعي يقول... خلافة الشافعي يقول يصح. هذا المشهور من مذهب أحمد. وهذا من العجائب أن أحمد يقول مثل هذا القول. قد يكون أحياناً يصرح بهذا، وأحياناً يفهم بعضهم هذا من كلام وليس هو قول له صريح. ولهذا له قول آخر أنه يجوز تقديم القبول على الإيجاب. ولهذا عدوه بعض العلماء أن هذا من مفردات مذهب أحمد، وإلا الجمهور يرون أنه يصح إذا قدم القبول على الإيجاب، يصح النكاح. لأن المقصود هو الرضا، المقصود هو الرضا. فما دام أن الرضا موجود، سواء كان القبول من هذا أو القبول من هذا. ولهذا لما قال الرجل في حديث الواهبة: «إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها»، معناها: صار الإيجاب من من؟ من المتقدم والمتزوج الذي يريد الزواج. فقال له: «إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد ملكتك إياها». فصار القبول من الولي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صار مثل الولي لها. فصار القبول من الولي. أنا أقصد: الإيجاب، الإيجاب صار بعد القبول، صار بعد القبول. وهذا كما قلنا يصح إذا صار الإيجاب بعد القبول أو قبله، كل ذلك يصح. قال: "وإن تأخر الإيجاب صح ما دام في المجلس ولم يتشاغل بما يقطعه". أنا قال: إذا تأخر القبول عن الإيجاب، كأن يقول الولي: "زوجتك ابنتي فلاناً"، ولم يرد عليه... معناها: الولي يقول: "زوجتك" للخاطب أو المتزوج، ساكت. وإنما لما أراد أن يقوم قال له: "أنا موافق". فهنا يقول أنه جائز. فتأخر القبول على الإيجاب، فما دام أنه ما في المجلس، لم يتفرق، فالزواج صحيح والعقد صحيح. فهنا قال: "ما في المجلس ولم يتشاغل بما يقطعه". يعني: كان يتشاغل ببيع مثلاً. قال له: "تريد أن تزوجتك ابنتي"، فدخل معه بعد ذلك: "كيف السيارة، تريد تبيعها، تريد كذا"، فدخلوا في بيع وشراء. وهنا قالوا: يقطع، خلاص انقطع كلام الولي الذي تكلم به. أنا يحتاج أن يتكلم مرة أخرى. لو قال مثلاً بعد ذلك، بعد أن تشاغل بما يقطعه، قال مثلاً بعد ذلك: "أنا قبلت كلامك، قبلت زواج ابنتك"، فيقال هنا له: "لا، قد انتهى هذا الرد، وقطعته، وقطعته بالكلام في البيع وغيره". لكن لو كان الكلام مستمراً، مثلاً قال له: "أزوجك ابنتي"، فيقول مثلاً: "أي بناتك هذه؟"، فيقول: "البنت الوسطى"، فيقول له مثلاً: "كم سنها؟"، فيقول: "كذا". معناه: هناك في أجوبة، في مثلاً أسئلة، لكن متعلقة بالموضوع، فعلق بالموضوع نفسه، فهذا يعتبر لا بأس. هكذا. لكن لو تشاغل بأمر أجنبي عن الموضوع، فلابد أن يعيد الكلام. قال: "وانت فرق قبله بطل". يعني: إذا قال: "قد زوجتك ابنتي"، ثم خرج ونسأ، فهنا لابد أن يأتي به مرة أخرى. عن إذا تفرق، ولم يتكلم الخاطب بالقبول، معناه: بعد ما ذهب إلى البيت، قال له: اتصل مثلاً الخاطب بالولي وقال له: "أنت قلت لي كذا كذا، أنا موافق"، حتى نجعله لأسبوع الآخر، فهذا لا ينفع. وجاءت رواية عن أحمد أنه لا يمل، ولو تشاغل عنه بما يقطع، أو تفرق قبله، فانه لا يمل. واستدل بقصة الواهبة، لأن الرجل قد سكت، بل وولّى، ثم دعاه بعد ذلك، مع أنه أيضاً قد فارق المجلس وذهب يبحث عن الخاطب، ففيه أنه مفارق، وفيه كذا، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز هذا الزواج. ولهذا جاء في رواية في البخاري: «فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه، قام، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مولّياً، فأمر به فدُعي». إنه قد ابتعد، قد فارق المجلس. فقال له: «ماذا معك من القرآن؟» قال: «معي سورة كذا وسورة كذا». قال: «تقرؤهن على ظهر قلب؟» قال: «نعم». قال: «اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن». أنا هذه الكلمة جاءت متى؟ بعدما حصل خروج ودخول وإتيان وكذا، حتى بعد ذلك قال: "ملكتكها من القرآن". فهذا دليل على أنه ولو حصل الفصل، ولو خرج من المجلس. وأما القياس... وأما القياس بما حصل في... أو ما جاء في عقد البيع، فهو ليس قياساً صحيحاً. لأن ذاك في البيع، وهذا نكاح، ولا... ولا مثلاً هناك ما يدل على أن يقاس هذا على هذا. فالصحيح أنه... أنه ولو فارق المجلس، ولو كذلك شغل بشيء آخر، ما دام أن مفارقته لم تكن عن عدم قبول، فيصح بعد ذلك القبول. لو مثلاً التقى معه في الليل، ثم فقال له: "أريد أزوجك ابنتي"، أو قال له هذا الخاطب: "ستزوج ابنتك"، أو "زوجني ابنتك"، ثم تفارق وهو لم يتكلم عن شيء. إن كان مثلاً قال له: "لا، ابنتي تتعلم، تفعل كذا، عندها كذا"، أو مهم: اعتذر له، ثم ترك المجلس. فقال بعد ذلك، بعد الصباح، وقال: "قبلت عن الكلام الذي قلت لي: إنك تزوجني ابنتك، أنا قبلت". هل هذا العقد يكون صحيحاً؟ لا، لأنه قد رفض، يحتاج إلى قبول آخر أو إيجاب آخر. لكن إذا كان مثلاً لم يرد عليه، أو قال له: "خيراً إن شاء الله"، ثم اتصل به الصباح وقال: "أنا موافق"، فهذا هنا يكون العقد صحيحاً. هنا يكون العقد صحيحاً، لأنه لم يظهر منه عدم الرضا. طيب، إن شاء الله. نكتفي بهذا. اشتركوا في القناة.