الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 708، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الطحاوي في «مشكل الآثار» بسند حسن عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم زكّى أربع أخوات مؤمنات، ويؤكد الشيخ مقبل الوادعي صحة الحديث بمجموع الطرق مع عناية العلماء بذكر الإخوة من أهل الحديث.
يستعرض المقطع أسماء الأخوات ميمونة وأم الفضل وسلمى وأسماء بنت عميس، ونسبهن الهلالي القرشي، وإسلامهن المبكر، وزواج ميمونة بعد فتح مكة، ومكانة العباس وأمانة النبي فيه.
تناولت أسماء بنت عميس هجرتها مع جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، ثم زواجها من أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، وبشارة النبي لها بأجرين لأهل السفينة الذين هاجروا من الحبشة، ويختتم الدرس بالاكتفاء بما ذُكر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الطحاوي في «مشكل الآثار»: حدثنا إبراهيم بن أبي داوود، إبراهيم بن أبي داوود حافظ من حفاظ الحديث، وكان في مصر وأصله كوفي، فكان من حفاظ الحديث والمعتنين به. قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، هو ثقة. قال: حدثنا الدراوردي، الدراوردي هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهو ثقة إلا أن له أوهام. وكما قيل: لقبه الدراوردي لأنه كان من خرسان، فيتكلم بلهجة الأوردو، فكان إذا أراد أن يدخل بيتًا قال: «أندري» بمعنى: «سأدخل» أو «أدخل»، فلقب بذلك «أندري وردي»، فحذفت النون للتخفيف، فكانوا يقولون: الدراوردي. قال: عن إبراهيم بن عقبة، وهو أخو موسى بن عقبة صاحب كتاب المغازي، وإبراهيم بن عقبة وموسى أسديان، وكلاهما ثقة، ولهم أيضًا أخ ثالث. قال: عن كريب، مولى ابن عباس، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا أخوات المؤمنات أربع؟». ألا أخوات المؤمنات، أي: في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «أخوات المؤمنات أربع: ابنة الحارث زوج النبي عليه الصلاة والسلام وهي ميمونة، وأم الفضل ابنة الحارث أم ابن عباس، وسلمى ابنة الحارث امرأة حمزة بن عبد المطلب، وأختهن لأمهن أسماء بنت عميس الخثعمية». قال: هذا حديث حسن، وقد جاء أيضًا من طريق إبراهيم بن عقبة من غير طريق الدراوردي، فالحديث صحيح. قد أخرجه أيضًا الطبراني في «الكبير». فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الأخوات المؤمنات أربع، وفيه الاهتمام بهذا الأمر، لهذا اهتم العلماء بالإخوة والأخوات، أن أهل الحديث يذكرون من ضمن أنواع الحديث: الإخوة والأخوات، أي: من كانوا على معنى مهتمين بالحديث، من كان مهتمًا بالحديث من الإخوة والأخوات القرون، مثل آل عيينة إخوة سفيان بن عيينة، وقبلهم كذلك آل سيرين إخوة محمد بن سيرين، وقبل ذلك أيضًا من الصحابة: أولاد مقرن، وهم كثير، سبعة أو ستة، وأيضًا أبناء الخنساء: معوذ، عفراء، وغيرهم، كذلك كانوا إخوة من أهل الإيمان. وهنا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام اجتماع هذه الأربع من الأخوات، وأنهن من المؤمنات. أولاً: فيه تزكية لهن، هنا فيه تزكية من النبي عليه الصلاة والسلام وثناء على أنهن مؤمنات، فهي شهادة من رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. أولهن: ميمونة بنت الحارث، زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. وهن هلاليات قرشيات، من بني هلال، وبن هلال فخذ من قريش. وميمونة، ولبابة بنت الحارث وهي أم الفضل، وكذلك سلمى بنت الحارث، هؤلاء ثلاث أخوات شقيقات من بني هلال، وأختهن من الأم أسماء بنت عميس، زوجة جعفر، ثم تزوجها الصديق، ثم تزوجها علي، وهي خثعمية، لكن أختهن من الأم. فقال: «أخوات المؤمنات أربع: ابنة الحارث ميمونة»، وتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة، بعد أن فتح مكة تزوجها في مكة، والصحيح أنه تزوجها وهو حلال، لأنه لما دخل مكة لم يحرب، لم يحرب بدخوله في الفتح، وإنما لما رجع من الجعرانة، رجع من حنين، أحرم بالجعرانة واعتمر، كان في السنة التاسعة في ذي القعدة، لكن تزوج ميمونة قبل ذلك، أي بعد الفتح. وقال: «وأم الفضل ابنة الحارث أم ابن عباس»، واسمها لبابة، وقد أسلمت قديمًا في مكة، أسلمت قديمًا في مكة، وكان أيضًا العباس أسلم، لكنه أخفى إسلامه، أو أنه لم يسلم لأنه أسر في غزوة بدر، لكن فكه النبي عليه الصلاة والسلام بما يعلم من صدقه، وأيضًا محاماته عن الإسلام ومحبته للنبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي به في بيعة العقبة في الأولى والثانية، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يثق فيه، يثق فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يريد أحدًا يعلم باجتماعه مع الأنصار، لكن جاء بابنه عباس لأنه يعلم أنه لن يبوح بسره. وأم الفضل كانت كما ذكر ابن عباس في بعض الحديث: أن أمه أسلمت قبل أبيه. وقال: «وسلمى ابنة الحارث»، وهي زوجة حمزة بن عبد المطلب. قال: «واختهن لأمهن أسماء بنت عميس». أسماء بنت عميس هاجرت معنا، ممن أسلم قديمًا، كانت زوجة جعفر بن أبي طالب، وأسلمت وهاجرت معه إلى الحبشة، حتى رجع من الحبشة، رجعت كذلك معه إلى المدينة. وفي مرة عندما جاءوا إلى المدينة، دخل عمر عند ابنته حفصة، وكانت أسماء بنت عميس عندها، فتكلم عمر لحفصة، ثم قال: «من هذه التي عندك؟» فقالت: «هذه أسماء بنت عميس». فقال: «الحبشية هذه، البحرية هذه، معنا التي جاءت من طريق البحر من الحبشة». ثم قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منكم، أنتم معنا، أنتم كنتم في الحبشة، ونحن عند النبي عليه الصلاة والسلام نلازمه، معنا كلامه». هذا فغضبت أسماء، وقالت: «والله ما أنتم بأحسن أو أفضل منا برسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن البعداء»، معناه: تحملنا البعد لأجل دين الله جل وعلا. فذهبت وأخذت ثيابها، أخذت ثيابها معنا، شدت ثيابها على نفسها، وذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبرته بما قال عمر. فقال: «بل أنتم لكم أجران، بل أنتم أهل السفينة، بل أنتم أهل السفينة لكم أجران: أجر الهجرة، وأجر تحمل المشاق في إتيانهم من ذلك المكان». فقال: «أهل السفينة لهم أجران». فقال أسماء: «كان الأشعريون، أبو موسى وغيرهم، كانوا يسألوني عن هذا الحديث، أنا فرح بهذا الحديث، لأن الأشعريين جاءوا مع جعفر بن أبي طالب في السفينة، لما أرادوا أن يسلموا كان أقرب إليهم الحبشة، ذهبوا إلى الحبشة، وكانوا مع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، حتى لما هاجروا هاجروا معهم، وجاءوا إلى المدينة، فكان الأشعريون يفرحون بهذا الحديث، أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل لهم أجرين». فهذه أسماء بنت عميس، وكما قلنا: هي زوجة جعفر، ولما توفي جعفر تزوجها أبو بكر الصديق، ثم مات عنها، وتزوجها علي رضي الله عنه، وتربى محمد بن أبي بكر عند علي. قالوا: أختهن لأمهن أسماء، وهذه خثعمية، لكنها أختهم من الأم، والثلاث البقية هن هلاليات. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا.