الدرس في قصة آدم عليه السلام 1، أهمية مبحث قصص الأنبياء والرسل . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المتحدث سلسلة دروس حول قصص الأنبياء والرسل، مشيرًا إلى أهمية هذا المبحث وضرورة الاقتداء بهم. يشدد على أن معرفة حياتهم الدعوية وأحوالهم مع أقوامهم تعتبر أمرًا ضروريًا لاستخلاص العبرة والعظة.
يبرز أهمية دراسة سير الأنبياء والرسل في فهم القرآن وتفسيره، ويشير إلى أن القرآن نفسه يشهد على أهمية هذا المبحث بكثرة ذكر أخبار الأنبياء والرسل. معرفتهم تمكن من فهم الأحكام والكلمات والحوادث المذكورة في القرآن.
يُبرز أهمية ربط الأحداث في قصص الأنبياء لفهم التسلسل التاريخي وتفسير القرآن. يشرح كيف أن هذه القصص تحتوي على أحداث متسلسلة يجب فهمها في سياقها التاريخي، مما يساعد على تفسير الآيات القرآنية بشكل أفضل.
أشار المتحدث إلى أنه ذكر بعض النقاط الهامة في المقام الحالي، ويعتزم التطرق إلى تفاصيل الموضوع في اليوم التالي بإذن الله. ختم حديثه بالدعاء لله تعالى أن يعينهم على طاعته ومرضاته، وييسر شؤونهم في الدنيا والآخرة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، في دروس خلت، وفي هذا المسجد المبارك، كنا قد تطرقنا إلى سلسلة في معرفة سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام، وذلك حين شرحنا للأرجوزة المئية، والتي جاءت في ذكر سيرة خير البرية عليه الصلاة والسلام، فذكرنا ما يتعلق بحياته من ولادته إلى وفاته عليه الصلاة والسلام. وإن مما يناسب بعد ذلكم أننا نستكمل هذه المباحث بمبحث آخر، وهو ما يتعلق بذكر قصص الأنبياء والرسل. هذا المبحث، إخواني في الله، لست فيه بقصد ذكر الأنبياء والرسل عقائديا، من أن الإيمان بهم من أركان الإيمان، وأن لا يتم الإسلام إلا بالإيمان بهم، وما يتعلق بالآيات القرآنية الدالة على ذلكم. ولست أيضا بصدد ذكر الأنبياء والرسل من حيث ذكر السيرة الذاتية، بمعرفة صفاتهم ومعرفة شروطهم، وما يجب على كل مسلم أن يعرفه عنهم. لا، لست بهذا الصدد، وإنما الذي أعنيه بذكر قصص الأنبياء والرسل، ما كان من حياتهم الدعوية، من ذكر حياتهم الدعوية، كيف قضوا ذلك المضمار في دعوة أقوامهم، في مدى حياتهم، هذا الذي أعنيه بهذه المباحث، الذي بإذن الله ستبدأ معنا في هذه الأيام، وفي هذه الأوقات. وبما أحب أن أبدأ به هذه السلسلة المباركة، الإشارة إلى أهمية هذا المبحث، إذ أن من الناس من لربما إذا سمع مثل هذا العنوان، لربما زهد فيه، ويرى أن هذا الموضوع عبارة عن قصص يؤتى بها هنا، يؤتى بها هنا، وتستكمل بها الأوقات، وتسل بها الأعمار. الجواب ليس الأمر كذلك، يا عبد الله، أن يصل الأمر إلى أن تستهين بهذا المبحث إلى هذا الاستهتار. وللأسف أن هذا الاستهجان قد نجده ليس فقط من عامة الناس، بل نجده حتى من طلبة العلم، فإذا سألت عن دعوة الأنبياء، وعن حال الأنبياء مع أقوامهم، لربما ما أحار لك جوابا، وما أعطى لك ردا، لأنه ما يعرف شيئا. وهذا ضعف، ضعف حق طالب العلم، بل كذلك ضعف في حق المسلم، أنه يجهل حقيقة أنبياء الله ورسله. وإن مما أدلل به على أهمية مبحث أخبار الأنبياء والرسل الأمور التالية: الأمر الأول، أن العلماء قديماً وحديثاً اهتموا بهذا المبحث، فألفوا وصنفوا ودونوا في ذكر قصص الأنبياء والرسل، حتى جاءت مجلدات. بل ما من مؤرخ من مؤرخ الإسلام، وأراد أن يتكلم عن الأمم والشعوب، إلا وكان من أوائل من يسطر لهم الأنبياء والرسل، وكيف لا، فهم خيرة البشر، هم الذين اصطفاهم الله من خلقه، ومكنهم الله عز وجل على عباده، بما حباهم الله عز وجل به من الآيات والمعجزات. فالشاهد، إخواني في الله، أن العلماء اهتموا بهذا المبحث، ولهذا تجد قديماً، وأيضاً حديثاً، من ألف ودون في هذا المقام. ثانياً، مما يدلل به على أهمية هذا المقام، أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأمر عظيم، فقال سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، اقتده. أمر ربنا جل وعلا نبيه بأن يقتدي، وأن يأتسي بهدى من كان قبله من الأنبياء والرسل. وإن كان الأمر لرسول الله، فهو لنا تبع، فنحن ينبغي كذلك أن نأتسي بأنبياء الله. يأتي السؤال: كيف نتأسى بأنبياء الله وبرسل الله، ونحن قد ضربنا حاجزاً وحاجباً بيننا وبينهم، ما ندري كيف كانوا؟ فكيف نأتسي بهم؟ كيف إذن؟ لا يمكن الاعتساء بهم إلا إذا تعرفنا عليهم، مما كان من دعوتهم، ما كان من أحوالهم مع أقوامهم، كيف عاشوا، كيف كانوا حينها؟ سنأخذ منهم العبرة والعظة في حياتنا. بل انظر إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، كيف كان يأتسي بهم، عندما اشتد به الأذى عليه الصلاة والسلام، تسلى بماذا؟ قال: «رحم الله أخي موسى، رحم الله أخي موسى، ابتلي بأكثر من هذا فصبر». تأسى، تسلى، لكن بماذا؟ بمعرفته بما كان من أذية موسى، الكثير العظيمة. فما هي أذية موسى؟ أنت ما ستعرفها هكذا إلا إذا قرأت وعرفت ما مر به موسى من ألم وأذى. وهكذا في قولي عليه الصلاة والسلام: «خير الصيام صيام أخي داود عليه السلام، كان من أهل التعبد، ومن أهل التحنث». وذكر نبينا شيئا من تعبده، ما كان من أمر صيامه. فكان يتسلى به، إذن نعرف ماذا كان داود، وكيف كانت حياته الدينية التعبدية. وهل مجرد... فلا يمكن التأسى بأنبياء الله وبرسله إلا إذا عرفنا شيئا عن حياتهم، وكيف عاشوا، وكيف كانوا. ثالثا، مما يدلل به على أهمية هذا المبحث، مبحث معرفة أخبار الأنبياء والرسل، أن هذا المبحث من المباحث المهمة العظيمة، والتي دل عليها القرآن بنفسه. القرآن بنفسه شاهد على أهمية هذا المبحث. وكيف القرآن يشهد؟ يشهد القرآن بعظيم هذا المبحث، بكثرة الوقائع، بكثرة الوقائع. القرآن مليء بذكر أحوال الأمم والشعوب، وكيف كانوا مع أنبيائهم ورسلهم. من باب الفائدة، عندما تطرق العلماء إلى قوله عليه الصلاة والسلام في فضل «قل هو الله أحد»، أنها تعدل ثلث القرآن، أنها تعدل ثلث القرآن. إذن القرآن ثلاث أثلاث: ثلث، ثلث، ثلث. ثم اختلفت أنظار العلماء في هذه القسمة، لكن أكثر العلماء ذهبوا إلى أن من ثلث القرآن ذهب في بيان أخبار الأنبياء والرسل، وما جرى مع أقوامهم. ثلث القرآن، ثلث وثلث كثير. هذا ما معنى أن القرآن سلط الأضواء على هذه السيرة النبوية لأنبيائه ورسله. فإذا كان الأمر كذلك، فكيف لا نعتني بأمر اعتنى به ربنا في كتابه؟ والأنبياء قصصهم كثيرة، وكثيرة جدا. حسبك بموسى، بموسى عليه السلام، حتى قال السيوطي رحمه الله تعالى: «كاد موسى أن يذهب بالقرآن»، كاد موسى أن يذهب بالقرآن، أي من كثرة ذكر موسى في القرآن. كاد أن يكون القرآن كله موسى، لكثرة ما جاء ذكره في كتاب الله جل وعلا. وموسى نبي من أنبياء الله، أكثر ربنا من ذكره لحكم عظيمة، نتتبع ونعرف بقية الأنبياء. فالشاهد، إخواني في الله، أن مما يدلل به على أهمية هذا المبحث، ما كان من عناية القرآن. الأمر الرابع، مما يستدل به على أهمية هذا المبحث، إخواني في الله، أن هذا المبحث ليس في الحقيقة عبارة عن مادة في السيرة، أو مادة قصصية، أو تاريخية مؤرخة، لا، بل هي كذلك تحمل في طياتها تفسير القرآن، تفسير القرآن. لأن كما قلنا الآن، إذا كان القرآن مليء بالحوادث وأخبار الأنبياء والرسل، إذن هذه الأخبار والأحوال تأتيك، وهذه تحتها أحكام، تحتها ألفاظ، تحتها كلمات، تحتها حوادث، تمكن أنت لن تستدركها، ما تعرفها. لكن لما تأتي القصة التاريخية، ستفهم هذه الكلمات. ستأتيك، مثلاً، في قصة آدم عليه السلام: أن الله خلقه من حمأ مسنون. أنت تقرأ: الحمأ المسنون ما هو؟ الله أعلم. تقرأ في قصة نوح عليه السلام، وما جرى مع قومه، إلا أن قال الله: «وفارت التنور». فارت التنور، كيف فارت التنور؟ اقرأ، إذا علمت قصة نوح، ستعرف ما معنى فارت التنور، وما قصة التنور الذي يفور، بقضية الفيضان الذي وقع على الأرض. وإذا قرأت مثلاً في قصة سليمان عليه السلام، ستقرأ: «واتبع ما تتلو الشياطين على ملك سليمان». عندك سليمان، وعندك شياطين، وعندك سحرة. تقرأ أنت هذه الآيات، ما علاقة هذه الآية بهذه الآية؟ إذا قرأت القصص التاريخي، فهمت القصة، ستفهم آيات القرآن. وهكذا، قصص في قصة موسى عليه السلام، أعطاه الله عز وجل الآيات العظام، ليس فقط آية اليد أو العصى، بل سلط الله على الفراعنة في ذلكم الوقت، سلط الله عليهم الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، آيات مفصلات أرسلها ربنا. ما هذه الآيات؟ ما هذه الآيات؟ نعم، جاءت في آية مجملة، لكن عندما تقرأ القصة التاريخي، ستعرف ما الذي ذكره العلماء، شارحين، مفسرين لهذه الآية القرآنية. وهكذا، يا عبد الله، حدث عن كل نبي من أنبياء الله، ما ذكره ربنا في كتابه عنه، ستحتاج إلى أنك مع الفهم ستفهم الآيات، تكون تعرف القصة، وتعرف تفسير الآية، تعرف الحدث، وتعرف تفسير الكلمات القرآنية. خامسا، من أهمية هذا المبحث، الذي قل أن تجده في مكان آخر، وهو يا عبد الله، الترابط، الترابط بين الحوادث، الترابط السلسلة. وهذا الذي سنعمله في مثل هذه المقامات، نبدأ بقصة كل نبي، ليس عبارة أن نأتي بحدث هنا، ونأتي بحدث هنا، ونعلق على هذا الحدث، لا، بل نحاول أن نربط أول حدث صار مع هذا النبي، ثم الحدث الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، إلى أن قبض الله روحه. النبي الآخر، أول ما بدأ بالحدث الأول، مسلسلة بما جاء من كتاب ربنا عز وجل. مثال قصة آدم عليه السلام، ما جاء في خلق آدم. خلق آدم ما كان على حالة واحدة، بل كان على مراحل. تارة يأتي ربنا بأمر: أنه من حمأ مسنون، وتارة: أنه من طين لازب لاصق، وتارة: أنه صلصال. كيف؟ ماذا الذي خلق الله به آدم؟ طين أم أنه صلصال أم أنه تراب؟ عندما تأتي هذه القصة، سنذكر الوقائع، كيف خلق الله آدم، أول ما خلق، المرحلة الأولى، المرحلة الثانية، المرحلة الثالثة، حتى جعله الله بشرا سويا. ربط في قصة إبراهيم عليه السلام، وهو أبو الأنبياء الثاني، كما يقول العلماء، له حوادث انتقل، كان في الشام، ثم ذهب إلى مكة، ذهب إلى مصر، ودخل إلى العراق. هنا حوادث، هنا حوادث. كيف ستربط؟ ستأتيك الحوادث: أين عاش؟ أين ترعرع؟ أول ما سافر إلى أين؟ ثم إلى كذا، ثم إلى كذا؟ وما الذي صار في هذه المناطق التي تنقل فيها عليه السلام؟ قصة موسى، وهي الأكثر والأشهر، وهي التي ملئت بالحوادث. عاش موسى عليه السلام مراحل طويلة، طويلة. المرحلة الأولى، منذ ولادته، عاش في مصر، تحت قصر فرعون، ما الذي صار فيها؟ ثم انتقل إلى مدين، هذه مرحلة ثانية، وعاش، وصار له حوادث في مدين. ثم انتقل بنزول الوحي، ورجع إلى مصر، وواجه فرعون. وتمته الحوادث، وصراع دائم، استمر عشرات السنين. ثم انتقل بعد أن نجاه الله إلى قضية التيه في طور سيناء. هذه الحوادث، أنت ربما تقرأ حدث قرآني، لكن الذي ما عنده ما يعرف هذا الحدث، أين صار؟ هل هذا كان في مدين؟ أم كان في مصر قبل بعثته؟ أم بعد بعثته؟ هل هذا بعد أن نجاه الله من الغرق؟ لأن بعد الغرق، هناك فترة وقعت فيها حوادث، وبعد ذلك وقعت فيها حوادث. الحوادث كثيرة. أنت ستقرأ القرآن، ستفسر الكلمات، هذا معنى كذا، لكن السؤال: متى وقع؟ متى؟ هذه السلسلة، ليس نذكرها، إخواني في الله، سنربط كل حدث بوقته، انتقل من هنا، ومن ثم من هنا، ومن ثم إلى هنا، إلى أن توفاه الله جل وعلا. أشهد، إخواني في الله، من خلال هذا الطرح، والذي من خلاله أريد أن أبين على أن هذا المبحث، وهي مباحث أخبار وقصص الأنبياء والرسل، من المباحث المهمة. أولاً، لاهتمام العلماء. ثانياً، لأننا أمرنا بالاتساء بهم، ولكن ذلك إلا بمعرفة أحوالهم. ثالثاً، أن القرآن ملئ بأخبارهم، اهتماماً لشأنهم، ونحن نهتم بما اهتم به القرآن كذلكم. رابعاً، فيه التفسير للقرآن، فهذا الحدث عبارة عن علم مادتين، علميتين: التاريخ والتفسير. ورابعاً وخامساً، معرفة التسلسل التاريخي لهذه الحوادث. هذا الذي أذكره في هذا المقام. في يوم غد، بإذن الله، سندخل في الشروع في هذا الموضوع. أسأل المولى جل وعلا أن يعيننا وإياكم على طاعته، وعلى مرضاته، وعلى تيسير شؤوننا وأحوالنا في الدنيا والآخرة. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.