كتاب النكاح من صحيح البخاري 102

كتاب النكاح من صحيح البخاري 102

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 102، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن العزل

يروي المقطع حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حيث استنكر النبي صلى الله عليه وسلم العزل وقال: «ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة». ويبين أن العزل مكروه عند الجمهور ويباح للحاجة، مع التأكيد على أن الحمل بقضاء الله وقدره ولا يمنعه العزل.

العزل وغزوة المريسيع واسترقاق المشركين

يوضح المقطع أن العزل لا يمنع وقوع الحمل لأن الله يخلق النطفة من قليل الماء، ويستدل بوقعة المريسيع على جواز استرقاق العرب المشركين حيث سبى النبي ﷺ بني المصطلق وأعتق جويرية وتزوجها. ويؤكد أن النبي ﷺ أجاز العزل لكنه بيّن أنه لا تأثير له على قدر الله.

أحكام إسقاط الحمل المبكر ومراحله الفقهية

يتناول المقطع قصة سؤال الصحابة عن العزل مع سبي بني المصطلق وإباحته، ثم يستعرض أقوال العلماء المعاصرين كابن عثيمين في إسقاط النطفة قبل الأربعين يوماً قياساً على العزل. يفصل الأحكام حسب مراحل الحمل: قبل 40 يوماً أهون، 40-80 يوماً أشد، 80-120 يوماً لا يجوز إلا لضرورة، وبعد نفخ الروح حرام إلا لضرورة، مع ذكر خلاف العلماء في اشتراط إذن الحرة.

حكم أم الولد والعزل عن الأمة

يذكر المقطع أن أم الولد لا تُباع، ويُعلل العزل عن الأمة بمنع نسب الولد إليها حتى لا يصبح عبداً. ويكتفى بهذا القدر في بيان الحكم المتعلق بأم الولد ومسألة العزل عن الأمة.

التفريغ النصي الكامل

الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، طيب. قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء. وهذا كما قلنا من مشايخ البخاري ممن يسمى بعبد الله بن محمد. قال: حدثنا جويرية، وجويريا بن أسماء، عن مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، عن الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله، وعبد الله بن شهاب الزهري، عن ابن محيريز. وابن محيريز هو عبد الله بن محيريز المكي، مولى أبي محذورة، عن التربى، أو رباه أبو محذورة المؤذن، مؤذن أهل مكة. قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: أصبنا سبياً، فكنا نعزل، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أوَ إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ» لتفعلون، قالها ثلاثاً: «مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ». تكلمنا في مسألة العزل في الكلام على حديث جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل، وذكرنا كلام أهل العلم في العزل في ذلك. والصحيح كما ذكرنا هو أنه مكروه، يكره العزل. المراد بالعزل هو أن يعزل الرجل ماءه عن المرأة، أن إذا وطئ الرجل وجاء مع الجماع، إما أنه ينزل، وإما أنه يكسل، بمعنى لا ينزل، فيقال: يكسل، أو يفحط، أو يفهر. هذا معنى أنه لا ينزل. أو يعزل، وهو يخرجه متعمداً، يخرجه متعمداً إلى الخارج، فهذا عزل، يعزل الماء عن المرأة، فيسمى عزلاً. وهذا كما قلنا الصحيح أنه مكروه، ولا حرج ولا بأس إذا كانت هناك حاجة، يجوز ويباح إذا كان هناك حاجة لذلك، مثل أن تكون المرأة مثلاً يصيبها مرض في الحمل ويشق عليها، أو أنها مرضعة، أو غيرها من الأسباب. وأما بدون سبب فأقل شيء فيه الكراهة، بل وبعضهم ذهب إلى التحريم. والنبي عليه الصلاة والسلام يبين أنه ليس سبباً لعدم الولادة، ليس هو سبباً أنه سواء استخدمه الإنسان أو لم يستخدمه فقد تحمل المرأة والرجل يعزل، قد تحمل المرأة والرجل يعزل، وهذا واقع. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال لرجل: «مَا عَسَاكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا»؟ فحملت امرأته، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ نُطْفَةٍ إِلَّا وَخَالِقُهَا اللهُ». وهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «أَوَ إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ»، قالها ثلاثاً. إما أنه من باب تقرير أنهم يفعلون ذلك، أو أن قوله: «أَوَ إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ» أي: هل تفعلون ذلك؟ لا عليكم أن لا تفعلوا. والأول هو الأقوى: «أَوَ إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ» استنكار من النبي صلى الله عليه وسلم: هل تفعلون ذلك؟ لماذا تفعلونه؟ كأنه يقول: لماذا تفعلون هذا؟ لا عليكم أن لا تفعلوا. «إِنَّمَا هِيَ نَسَمَةٌ»، أو قال: «مَا مِنْ نَسَمَةٍ إِلَّا وَاللهُ خَالِقُهَا». ما من نسمة إلا والله خالقها. وجاء في رواية أنه قال في صحيح مسلم: «افْعَلُوا وَلا تَفْعَلُوا، إِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ». معناه: لا عليكم إن لا تفعلوا، إنما هو القدر. وجاء أيضاً كذلك في رواية قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ». وجاء في رواية أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ مِنْ جَمِيعِ النُّطْفَةِ، لا يَخْلُقُ النُّسَمَةَ مِنْ جَمِيعِ النُّطْفَةِ». أي: لا يخلق الإنسان من جميعها، بل حتى لو شيئاً يسيراً. ولهذا قال أهل الاختصاص في هذا الباب في علم الطب: قالوا إنه قد تحمل المرأة مع العزل. لماذا؟ قال: لأنه أحياناً يسبق الماء، يسبق الماء قبل المتدفق، معناه: شيء من الماء يسبق قبل أن يخرج المتدفق، فيظن الظان أنه لم يخرج شيء وهو قد خرج، وهذا الشيء اليسير الذي خرج قد يخلق الله عز وجل به نسمة. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَخْلُقُ اللهُ ذَا النُّسَمَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمَاءِ». ليس من جميع الماء، بل حتى من جزء منه، شيء يسير منه، إذا دخل رحم المرأة فإنه قد تحمل بذلك. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَوَ إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ، لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا». والصحيح قوله: «لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا» من باب أنه سواء فعلتم أو لم تفعلوا، سواء فعلتم أو لم تفعلوا، فإذا أراد الله عز وجل أن يخلق النطفة خلقها، فكل ذلك راجع إلى قدر الله سبحانه وتعالى. فلهذا فلا داعي أن تفعل، لا داعي أن تفعل. ومن أراد أن يفعل ذلك فكما قلنا أن الصحيح أنه لا يحرم، وإنما أقل ما يكون فيه الكراهة. وهناك مسألة جاء أيضاً في رواية: «مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ». معنى: ليس من كل الماء يكون الولد، قد يكون من بعض. وأيضاً هنا في هذا الحديث حديث أبي سعيد أنهم كانوا في المريسيع، في غزوة المريسيع كما جاء في صحيح مسلم، أنهم كانوا في غزوة المريسيع أو بني المصطلق. فجاءت سبايا، سبايا من بني المصطلق. وهذا دليل على قول الجمهور أنه يجوز استرقاق العرب واستعبادهم، استرقاقهم، استعبادهم يجوز إذا كانوا من المشركين ولو كانوا من العرب، خلافاً لمذهب الشافعي رحمه الله في الجديد أنه قال: لا يسترق العرب. والصحيح أنهم يسترقون لأن النبي عليه الصلاة والسلام استرق بني المصطلق، بمعنى نساءهم. فهذه جويرية بنت الحارث المصطلقية، زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام أعتقها وتزوجها، أعتقها وتزوجها. فقالوا: أصهار النبي صلى الله عليه وسلم، فافتدوا، مع أنهم كانوا يحبون أن يبيعوا. حتى قال أبو سعيد: فكرهنا أن تحمل المرأة ونحن نريد أن نبيع. وجاء في رواية قال: فسألنا النبي عليه الصلاة والسلام عن العزل ونحن نريد المال، أو نحب المال، أن يريدون أن يبيعوها، لأنه لو وطئوها وحملت وجاءت لهم بالولد فتكون أم ولد، وعند أكثر الصحابة أن أم الولد لا تباع، لا يجوز بيعها، هذا كان مشهوراً عند الصحابة. فلهذا قالوا: لا نعزل عنها حتى لا تحمل. فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. فلهذا كما قلنا فيه جواز استرقاق العرب وأسرهم، لأن بني المصطلق من العرب، من خزاعة، هي قبيلة من قبائل خزاعة، وخزاعة كانوا في الحرم، ثم أخرجوا، أخرجتهم قريش، وأن أخرجهم قصي بن كلاب بن مرة بن كعب، وهو من أجداد النبي عليه الصلاة والسلام، فهو الذي أخرج خزاعة من الحرم، قيل لأنهم أفسدوا في الحرم فأخرجهم قصي. ثم بعد ذلك حصل بينهم وبين بني هاشم صلف وحلف، فكانوا أحلاف بني هاشم. ولهذا لما عقد النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية دخلت خزاعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحلف، وقد جاء أيضاً في حديث الصلح أنه قال: «وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ نَصْحِ رَسُولِ اللهِ»، عيبة نصح رسول الله. فلهذا بنو المصطلق كانوا من خزاعة، لكنهم كانوا كفاراً، أهل أوثان، ويعادون النبي عليه الصلاة والسلام، ليس مثل الذين كانوا قرب مكة كانوا أهل حلف. فلما تجمعوا عند ماء من المريسيع، علم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل، أو فخرج إليهم صلى الله عليه وآله وسلم حتى أسرهم، وقتل من قتل منهم، وهرب من هرب. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم بآسار بني المصطلق. فلما كانوا في الرجوع أراد بعضهم عندما قسم النبي صلى الله عليه وسلم السبي، أراد بعضهم أن يعزل كما قال أبو سعيد، فسألنا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، فقال: «أَوَ إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ، مَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا، أَنْ تَفْعَلُوا، أَنْ لا تَفْعَلُوا، مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ إِلَّا وَاللهُ خَالِقُهَا». وهناك رواية عند أحمد أو عند مسلم تدل على أنهم لم يفعلوا ذلك، وإنما أرادوا أن يفعلوا فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم. جاء في رواية أبي سعيد أنه قال: أي قال أبو سعيد: فقال بعضنا لبعض: نعزل حتى نبيع، فقلنا: كيف نعزل وعندنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نسأله؟ أنه كيف نعزل والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، أفلا نسأله؟ قال: فسألنا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. طيب. وأيضاً في هذا الحديث فيه مسألة تشبه هذه المسألة، وهي مسألة أيضاً قد ابتلي بها كثير من الناس. أحياناً تجد بعض الناس ما يريد الحمل، ما يريد زوجته تحمل، لمثلا عدة أسباب، لكنها تحمل، تجده يعزل، لكنها تحمل وتستقر فيها النطفة. فهل يجوز أن تخرج النطفة قبل الأربعين؟ معنى: تسقط النطفة قبل أن تصير علقة، قبل أن تصير على قول من قال بالحمل. فهل يجوز أن تسقطها؟ بعضهم قاس هذه المسألة على مسألة العزل، قاس هذه المسألة على مسألة العزل لأن المراد واحد هو إسقاط النطفة. فهذا يخرجها لأجل لا تحمل، وهذا أيضاً يخرجها حتى لا يستمر الحمل. وبعضهم من المعاصرين يقول: أنها ليست سواء، ليست سواء، لأن تلك قبل أن يضعها يعمل سبب، لكن الآن هي موجودة، هي موجودة. فلهذا فهل يجوز أن يخرجها؟ فالشيخ ابن عثيمين رحمه الله قال: هي أهون، إذا أراد أن يخرجها هي أهون. لكن إذا كان هناك سبب، إذا كان هناك سبب لأجل إخراجها، أن تكون المرأة مثلاً كما قلنا تمرض، أو أن حملها خطير عليها، وقد نصح لها الأطباء لا تحمل، أو غير ذلك من الأسباب الشرعية، فيجوز أنها تسقط بدون كراهة. وأما كان بدون سبب فأقل شيء فيه الكراهة، وإلا فذهب بعض المعاصرين إلى التحريم لأنه لا يجوز إذا كان بدون سبب. وأما إذا كانت علقة، معنى في الأربعين الثانية، أو صارت مضغة في الأربعين الثالثة، فهذا الأمر فيها شد. وأما إذا نُفخ فيه الروح بعد الأربعين الثالثة، أو فيها في الأربعين الثالثة، قال الشيخ ابن عثيمين: يعني بعد ٨١ يوماً، إذا صار الحمل ٨١ يوماً فلا يجوز بعد ذلك إسقاطه، لا يجوز بعد ذلك إسقاطه لأنه قد ينفخ فيه الروح، قد ينفخ فيه الروح في ذلك الوقت. فلهذا لا يجوز إسقاطه بعد ذلك إلا للضرورة، إذا كان هناك ضرورة لا شك أنه يجوز، يجوز إسقاط مثل هذا. أيضاً فيه جواز العزل أو معنى إباحته مع الكراهة للعموم، وأنه لا يشترط استئذانها. واختلفوا في الحرة كما قد ذكرنا: هل تستأذن؟ فالجمهور يقولون أنها تستأذن ولابد، والشافعي في المشهور عنه يقول أنها لا تستأذن، وليس لها حق في ذلك. ولم يأت شيء يصح في ذلك، جاء حديث في ذلك لكنه لا يصح. لحديث جاء أيضاً عن بعض السلف أنهم أجازوا ذلك وأباحوه. طيب. أيضاً في هذا الباب مسألة وهي أن أم الولد لا تباع كما ذكر. وأيضاً من العلل التي ذكرت لأجل العزل عن الأمة حتى لا يلحق الولد بأمه، لأن الولد يلحق بأمه يكون عبداً، فلهذا عزل عن، أو يعزل عن الأمة لأجل هذا. طيب. هذا خلاصة ما يُذكر في هذا المقام، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.