الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 106، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث أنس رضي الله عنه في إقامة الزوج سبعاً عند البكر وثلاثاً عند الثيب، ويقرر قاعدة أصولية مفادها أن قول الصحابي: "السنة كذا" يُعد مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم تقم قرينة صارفة.
يبيّن المقطع أن السنة النبوية تقضي بالمبيت عند البكر سبعاً وعند الثيب ثلاثاً عند التعدد، ويعرف البكر بأنها من لم توطأ وطئاً صحيحاً، موضحاً أن الحكمة مواساة البكر لاستيحاشها، ومؤكداً أن الجمهور على استحبابه لا وجوبه، بينما الواجب هو العدل بين الزوجات.
يفصل المقطع حكم القسمة إذا تزوج الرجل امرأتين في ليلة واحدة فيقرع بينهما وتكون الأولى من سبق عقدها، ويستحب المكث عند البكر سبعاً وعند الثيب ثلاثاً، ويجوز للزوج إعطاء الزيادة من حق الأخرى برضاها، مستنداً إلى أحاديث أم سلمة وأنس وإجماع أهل العلم.
يختتم المؤلف كلامه مؤكداً أن ما ذُكر هو ما ورد في الباب، وأن العلم الكامل والمطلق عند الله تعالى وحده.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب إذا تزوج البكرة على الثيب». إذا تزوج البكرة على الثيب، أي عنده امرأة ثيب، والمرأة الثيب هي المرأة التي قد سبق لها أن وطئت وطئاً صحيحاً، فتزوج أخرى وهي بكر. قال: حدثنا مسدد، وهو مسهر أبو الحسن البصري، قال البخاري: وهو مسدد كاسمه، والمسدد هو الذي يسره بصواب. قال: حدثنا بشر، وهو ابن المفضل البصري، وهو ثقة ثقة حافظ. قال: حدثنا خالد، وخالد هنا هو خالد بن معدان أبو المنازل رحمة الله عليه. قال: أقصد خالد الحداء أبو المنازل. قال: حدثنا، أو عن، قلابة عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ولو شئت». قال أنس: «ولو شئت أن أقول»؛ فالظاهر قوله: «ولو شئت أن أقول» الظاهر أنها من خالد كما جاء في بعض الروايات: خالد الحداء قال: «ولو شئت أن أقول». قال: «قال النبي عليه الصلاة والسلام: ولكن قال السنة: إذا تزوج البكرة أقام عندها سبعة، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً». طيب، هذا الحديث قال أنس: «السنة»، ولم يقل: «قال النبي عليه الصلاة والسلام». فهل هذا من المرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ فأكثر أهل العلم على أن هذه الصيغة تعتبر من المرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فالسنة المراد بها سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يكون هذا الأصل أي أنه مرفوع. فإذا جاء هناك قرينة تدل على عدم الرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قيل بهذه القرينة، وإلا فالأصل أن السنة المراد بها سنة النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا لما قال عبد الله بن عمر للحجاج لما أراد أن يحج بالناس، أرسل إليه عبد الملك بن مروان: أن خذ بكلام عبد الله بن عمر. أنا أسأل عبد الله بن عمر في المناسب، فقال له: «إن أردت السنة فهجر بصلاة الظهر» أي في يوم النحر. «إن أردت السنة فهجر بصلاة الظهر». فقال لسالم: ما أراد بالسنة؟ فقال سالم: «وهل يريدون بها إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟». فلهذا فالمراد بالسنة هي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فقال عليه الصلاة والسلام، أو قال السنة: «إذا تزوج البكر إذا تزوج البكر أقام عندها سبعاً، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً». فالبكر هي التي لم توطأ وطئاً صحيحاً، تسمى بكراً. فهذه إذا تزوجها الإنسان على أخرى، فإنه يجلس عندها، أن يبيت عندها سبعة أيام، يبيت عندها سبعة أيام. فإن تزوج ثيباً على أخرى، فيبيت عندها ثلاثة أيام. ذكر العلماء حكماً كثيراً من هذا: أولاً لأن غالباً البكر تستوحش المبيت وحدها، فلهذا يؤنسها أسبوعاً. وأيضاً كذلك أن الإنسان غالباً يرغب في البكر أكثر من رغبته في الثيب، فلهذا أعطاه الشرع أسبوعاً. وقد ذهب جمهور العلماء على أن هذا ليس بواجب، وإنما هو مستحب، أنه مستحب، أي أن يجلس عندها تلك الأيام، وليس أنه واجب. لكن الواجب العدل. لكن رخص له الشرع أنه يجلس أسبوعاً عند البكر. فإذا كما جاء في حديث في رواية أخرى: «من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعة وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثاً ثم قسم». إذا تزوج الثيب على البكر، والظاهر أن هنا «على البكر» في رواية مسلم كأنها إما أنها زائدة أو خطأ، لأن غالباً الذي يتزوج يتزوج على الثيب. لكن قد يحصل أن الإنسان يتزوج على بكر إذا لم يمسها بعد، مثلاً تزوج وهو في مكان بعيد، مثلاً المسافر أرسل أو وكل من يعقد له في بلدة من البلاد أو في بلدته، فعقد له ولم يدخل بهذه المرة، ثم بدا له أن يتزوج في ذلك المكان، فتزوج امرأة ثيب. فهنا إذا كان سيدخل على هذه البكر التي قد تزوجها، فإنه يمكث عند هذه ثلاثاً ثم يرجع إلى البكر ويجلس عندها سبعة، أو أنه مثلاً تزوج ثيباً وبكراً في يوم واحد، في يوم واحد أو في ليلة واحدة. وهنا قال العلماء: إذا كان تزوجهما معاً، يعني في نفس الليلة، والعقد في وقت واحد، فإنه يقرع بينهما. فمن خرجت عليها القرعة يجلس عندها، إن كانت خرجت على البكر جلس عندها سبعة، وإن خرجت القرعة على الثيب جلس عندها ثلاثاً. فأما إن كان سبق إحداهن الأخرى، أو سبقت إحداهن الأخرى، أي في العقد، فإن الأولى هي التي تقدمت. أيضاً كذلك في هذا الحديث أنه كما جاء في صحيح مسلم: لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام على أم سلمة، دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة لما تزوج، فجلس عندها ثلاثاً. في الرابعة، في الرابعة أراد أن يخرج، فأمسكت بيده، فقال: «ما أردت» أو قال: «ماذا تريدين؟» فقالت: «اجلس عندي سبعة». فقال عليه الصلاة والسلام: «إنها ليست بك على أهلك هوان، أنا أنت عزيزة وغالية وبنت كرام» - يقال: بنت أناس أو بنت ناس - لكن قال: «إن شئت سبعت لك، وإن شئت سبعت لك سبعت لنسائي». أنا ممكن أني أسبع لك، أجعل لك سبعة أيام، لكن سأسبع لنسائي، معنى سأأخذ الأربعة أيام التي أعطيتك إياها الزائدة فأعطيها للنساء. فهذا معنى كلام النبي عليه الصلاة والسلام. فإن طلبت المرأة أكثر فوافقها الزوج، فإنه يعطي هذه الأيام الزائدة، يعطيها لأزواجه الأخريات. وإن كان لم يوافق، فاكتفى بما جاء في السنة: إن كانت بكراً فسبعة، وإن كانت ثيباً يجلس عندها ثلاثة أيام أو ثلاث ليال. فهذا الذي جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء في بعض الأحاديث: أن للبكر ثلاثاً وللثيب ليلتين. جاء ذلك عن عبد الله بن عمر، وجاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، لكن أكثرها فيه ضعف، وما صح منها يحمل على الزيادة، يحمل على الزيادة ما جاء في حديث أنس رضي الله عنه، وكذلك في حديث أم سلمة رضي الله عنها. فلهذا الذي استقر عليه كلام أهل العلم: هذا أنه يستحب أن من تزوج بكراً جلس عندها سبعة، ومن تزوج ثيباً جلس عندها ثلاثاً. ثيب. هذا ما ذكر، والله تعالى أعلم.