الدرس في تفسير سورة النبأ من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع أمثلة على الآيات التي يفهمها الناس بشكل خاطئ مثل 'عليكم أنفسكم' و'الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم'. يُوضح التفسير الصحيح لها ويبين أن الفهم الخاطئ يمكن أن يؤدي إلى اعتقادات فاسدة.
يشرح المقطع معاني بعض الآيات بشكل صحيح مثل 'فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ' و'لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ'. يُوضح أهمية الرجوع إلى التفاسير الصحيحة لتجنب الفهم الخاطئ.
يتناول المقطع أمثلة إضافية على سوء فهم الآيات مثل 'لا إكراه في الدين' و'والشعراء يتبعهم الغاوون'. يشرح المعنى الصحيح ويبين أهمية الرجوع إلى أقوال أهل العلم.
يتضمن المقطع ختامًا بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. تعبر هذه الصيغة عن تعظيم وتكريم للنبي وتُستخدم في نهاية النصوص الدينية.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الدرس التمهيدي عما سيأتي معنا بإذن الله من قراءة في تفسير الجلالين لجزء عم، فكانت الإشارة إلى أهمية علم التفسير، وإلى أن المسلمين والمسلمات على حد سواء، حين إقبالهم على قراءة القرآن قراءة وحفظًا، عليهم كذلك أن يجعلوا لهم نصيبًا وحظًا من التأمل فيه والتأمل في معانيه، وذلك يكون عبر تفسير كلماته وبيان أحكامه. هنا تأتي العظة وتأتي الموعظة. أشرنا كذلك في درس أمس إلى ما هي الثمار والفوائد التي يجنيها المسلم إذا أقبل على تفسير كتاب الله جل وعلا. فإن من أعظم الثمار ما يكون به من معرفة لأحكام دينه، وأيضًا العمل بشريعة ربه، والعكس بالعكس. وإن الناس إذا أعرضوا عن علم تفسير القرآن ومعرفة كلمات آيات القرآن، جرهم ذلك إلى أن يعتقدوا الاعتقادات الفاسدة ويعملوا الأعمال الفاسدة إذا فهموا القرآن على غير فهمه الذي أراده الله من عباده. ها هنا، إخواني في الله، سأشير إشارات سريعة، وهي في الحقيقة نماذج عن بعض الآيات التي يقرأها كثير من الناس، إلا أنهم يفهمونها على غير التفسير المعروف الذي ذكره أهل التفاسير في كتبهم، وهو المراد من هذه الآية. فمن هذه النماذج، إخواني في الله، ما جاء مثلًا في قول ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. هذه الآية مثلًا نجد أن من الناس من يقرأها ويفهمها على أن الإنسان عليه أن يعمل صالحًا فيما بينه وبين ربه، ولا يتدخل بأحوال الناس، ولا يضره الفاسد والفاجر والماجن والمعرض والفاسق. «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» أن تهتم بنفسك وتصلح بينك وبين ربك، ولا يضرك من ضل، دعك من العصاة، ليس عليك من حسابهم من شيء. فذهب جماعة من الناس بهذا الظن، وهذا له أثره في الواقع إذا ما هناك أحد ينصح أحدًا أو يوجه أحدًا. وهل هذا المعنى هو الصحيح من الآية؟ الجواب: لا، هذا خطأ، وقد نبه جمع من الصحابة، كأبي بكر الصديق وغير واحد، على هذا الفهم الخاطئ للقرآن. وأن هذه الآية كما قال العلماء تحمل على عدة محامل. المحمل الأول: يا أيها الذين آمنوا، نعم عليكم أنفسكم بعدما تقوموا بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يضركم من ضل بعد ذلك. هكذا فُهمت الآية؛ لأن هناك آيات كثيرة أمرت وأرشدت إلى ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فنحن نأمر بالمعروف، ننهى عن المنكر، وبعد ذلك ما علينا من حساب الناس من شيء، من ضل فعلى نفسه، ومن اهتدى فلهاها. هذا التوجيه الأول: لا يضركم من ضل أي بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أو تحمل الآية: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل، أي أن ذنوب الغير، أنا ما أنا ملزم بها. نحن الآن نصلي ونصوم، بعض الناس من الأشقياء يعمل معاصٍ وذنوبًا، هل أنا أتحمل شيء من معاصيهم وأنا لست بسبب في هذا ولا في ذاك؟ الجواب: لا، لا يضرك أنا ما يضرني هؤلاء، أي ما يضروني بذنوبي ولا أتحملها، أصلي عن أحد؟ فهذا التفسير الثاني، وهو من التفاسير المشهورة عن المفسرين وعن سلفنا الصالح. لكن هذه التفاسير على خلاف التفسير الذي ذكرناه الشهير عند العامة: لا يضركم من ضل، أي ماذا؟ دعي الناس، أنت أصلح ما بينك وبين ربك، ولا تأمر ولا تنهى، هذا غلط، بل هذا هو الفساد بعينه. كذلك من الآيات ما جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. هذه الآية جاءت في صفة المدح لعباد الله، فتجد أن من الناس من يظن أن كلمة الظن في بابها وهي الشك والريب، «الَّذِينَ يَظُنُّونَ» أي أنهم يشكون في لقاء ربهم. وهل هذا المعنى صحيح؟ الجواب: لا، هذا معنى فاسد. يظنون هنا، قال العلماء: الظن هنا بمعنى اليقين، «الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ» أي الذين قد تأكدوا ومتأكدين ومستيقنين بملاقات الله جل وعلا. وهذه من استعمالات الظن في اللغة العربية، وهي من الاستعمالات القليلة، لكن ينبغي أن يتفطن لها القارئ لكتاب الله، فلا ترى أو تظن أن معنى قول الله عز وجل: «الَّذِينَ يَظُنُّونَ» أن يشكون، لا، يظنون هنا أي أنهم متأكدون من ملاقاتهم لربنا سبحانه وتعالى. وهكذا من الآيات التي اشتهرت عند الناس وتفهم على غير فهمها ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. تجد أن من الناس من يحمل الفتنة على الفتنة التي تدور بين شخصين اثنين، هذا يفتن على الثاني، اتق الله، هذه فتنة. «وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ»، هل هذا صحيح؟ هل الآية تنزل على ما يكون من نقل الأخبار بين الناس أو أن فلان يفتن فلانًا أو فلان يفتن على فلان؟ من قال بهذا من المفسرين؟ على أن الفتنة هنا ما يكون من الافتتان في الأخبار ونقل الأخبار على غير وجهها بقصد الضغينة؟ هذا ليس بصحيح. الفتنة هنا أي الفتنة في الدين، ما يكون من أمر الناس بالكفر والشرك، وما يكون من اختبارهم وتعذيبهم حتى يخرجوا عن الدين والملة، هذا الفعل أشد على أهل الإسلام من القتل؛ لأن هذا فيه إذهاب الدين، وهو رأس مال العبد المسلم. فالفتنة بمعنى الفتنة في الدين، أي إخراج المسلم عن دينه بتعذيبه وبصده عن شريعة ربه، هذا نعم أشد عليه من القتل. فهكذا تفهم هذه الآية. كذلك من الآيات، إخواني في الله، قول ربنا عز وجل: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. هذه الآية يقرأها كثير من الناس، وهي في قصة يونس عليه السلام، وذلك عندما خرج مغاضبًا من قومه، عندما رأى تعنتهم وعدم إقبالهم على التوحيد وعلى دعوة يونس، وهم كانوا أهل نينوى في أرض الموصل، فخرج من عندهم مغاضبًا. فقال ربنا عن يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. بعض الناس يحمل «نقدر عليه» أن يقدر هنا من باب القدرة، فيكون معنى الآية: فظن أن لن نستطيع عليه. وهل يونس عليه السلام يعتقد في ربه أن الله ما يقدر عليه، ما يستطيع عليه؟ هذا لا يصح. حتى أن الإمام القرطبي رحمه الله تعالى قال: من رأى هذا المعنى، هذا كفر، هذا كفر، إذا ظن هذا إنسان في ربه بأن الله ما يقدر عليه، هذا كفر. فما معنى ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾؟ نون «نقدر» ليست مأخوذة من القدرة، بل مأخوذة من التقدير، وهو التضييق، أي ظن وتوقع أن لن نضيق عليه، فضيق الله عليه في بطن الحوت، فضيق الله عليه في بطن الحوت كما في قصته الشهيرة. فالشاهد: أن لن نقدر أي لن نضيق عليه. وهكذا مما جاء من الآيات التي تفهم على غير معناها، أو يفهم من المعنى العام، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. تجد بعض الناس إذا قرأ القرآن يأخذ الأمنية أمنية، وهي الأماني، وأن هذا الشيطان البغيض يأتي إلى عباد الله الصالحين من الأنبياء والمرسلين، فلربما أدخلهم في الأماني الباطلة، ووعدهم بأشياء، فأوهم أن الناس يرون أن الأمر يتعلق بالأماني، وأن الشيطان يدخل في أمانينا ويوعد الأشياء العظيمة أو يخوف من أشياء جسيمة. «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ»، وهل هذا الكلام الذي عليه العامة صحيح؟ الجواب: لا؛ لأن «إِلَّا إِذَا تَمَنَّى» تمنى هنا بمعنى قرأ، قرأ، «أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» أي ألقى الشيطان في قراءته، هذا معنى الكلام، هذا معنى التفسير. وراجع، يا عبد الله، التفاسير بهذا. كما أشرنا أن من الناس من لربما يعتمد على ظاهر القرآن ويمشي ردحًا من الزمن على هذا التفسير وهو بعيد كل البعد، وما أحد قال بهذا. فالآية تتحدث عما كان من فعل الشيطان: أن الأنبياء والرسل الذين أنزل الله عز وجل عليهم الكتب كانوا إذا قرأوا الكتاب المقدس، كل بكتابه، كل بشريعته، فإن الشيطان يأتي ويحاول أن يدخل كلمات من عنده، يوهم الناس على أنه من الوحي، «إِلَّا إِذَا تَمَنَّى» أي قرأ النبي، «أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» أي ألقى الشيطان في قراءته، ما فيه التلبيس من الوحي المنزل، لكن الله عز وجل يمحظ هذا؛ إذ أن هذا التلبيس مؤقت وعارض لا يستقر ولا يثبت. الشاهد أن هذه الآية في «أمنيته» أي بمعنى في قراءته. وهكذا من الآيات ما جاء في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ﴾. هذه الآية كم طار بها من طار، وخاصة من بعض من عنده لوثة من اليساريين أو العلمانيين أو من لا يرفع بالدين رأسًا. «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ»، سمعناها ولا زلنا نسمع عنها، ومن أفواههم يتناقلونها، ومعنى أنهم بهذا يتذرعون بما يسمى بحرية الأديان. «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ»، دعي الناس، هذا يهودي، وهذا نصراني، وهذا ملحد، وهذا وثني، وهذا أصنام، وهذا كل يتعبد بما يراها. والله يقول: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ»، لا تكره أحدًا على دينك، غصبًا غصبًا يدخل في الإسلام. الجواب: نعم، غصبًا غصبًا يدخل في الإسلام. ما هي الفائدة أن الله أنزل الكتب وأرسل الرسل وشرع الجهاد والقتال؟ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. وما فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وتبليغ دين الله؟ لماذا هذا كله؟ إذن، ما معنى الآية «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ»؟ اقرأ، يا عبد الله، ما قرأه المفسرون. هذه الآية تتحدث عن ظرف معين، وهذا كما قال العلماء في حق الكتاب إذا أعطى الجزية. الكتاب إذا أعطى الجزية، من قواعد أهل الإسلام في دعوة غير المسلمين أن نخيرهم بأحد ثلاث: الكافر، نخيره بأحد خصال ثلاث: إما الإسلام، يسلم تسلم، وإما الجزية، يدفعها عن يد وهو صاغر، وإما القتال، نقاتله. فإن قال الكافر: لا، أنا القتال ما نقدر معكم، وأما الإسلام أنا ما نمنشرح لدينكم، لكن أعطيكم الجزية، فأعطانا الجزية. فماذا نفعل معه؟ نبقي على دينه، نبقي على دينه، يعيش بين أوساط المسلمين، يعيش في بلاده، وعلى يهوديته، وعلى نصرانيته، من أهل الكتاب. هنا هل نلزمه؟ لا، «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ»، لا إكراه، ندعوهم بالتي هي أحسن، آل السلام أفضل لك، لكن نلزمه؟ لا، إذا اختاروا الجزية نرفع أيدينا عن إلزامهم. هنا تفهم هذه الآية: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ». أما أنك تأتي الآية بعمومها وتلغي دعوة غير المسلم، هذا لم يقل به أحد من أهل العلم، ليس الآية تدل على ذلكم أبدًا. كذلك من هذه الآيات ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ۖ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. تجد أن بعض الناس إذا فسر هذه الآية تكلم عن الشعراء وعن ذنب الشعراء، وأن من صفات الشعراء أنهم يرتحلون، يسافرون هنا ويسافرون هنا، يلتمسون الأرزاق. لكن من أين جئت مسألة التنقل هذه؟ «يَهِيمُونَ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ»، هل مقصود بالوديان وديان الأرض؟ الجواب: لا، من قال بهذا؟ المفسرون على أن الشعراء «فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ» أي يهيمون في وديان الشعر، تجد أن الشاعر يهيم في وديان الشعر، يتكلم في الغزل، يتكلم في المدح، يتكلم في الذم، يتكلم في العزاء، يتكلم في التغزل، يتكلم في الأطلال، يتكلم في حث الهمم، يتكلم... أشياء في واد، «فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ» يهيم في هذه الوديان. وفي حقيقة حاله يقولون ما لا يفعلون، وهو من أبعد الناس عن كلامه. فإن تكلم مثلًا عن الغزل وعن العشق، تشعر أن هذا الرجل الشاعر مرهف الإحساس، وهو رجل قاس القلب، لا عنده إحساس ولا عنده مشاعر، لكن عنده لسان. وإذا تكلم في المدح ومدح ذاك الرجل ومدح ذاك الوالي الأمر أو ذاك الزعيم أو ذاك القائد، مدح بمدح عظيم، تقول: هذا مغرم به، وهو في حقيقة حاله لا يحبه، ما يحبه، يريد شيء من المال فقط، فهو يكذب، يقولون ما لا يفعلون. الشاهد أنهم «فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ»، ليس الوديان هنا ما يذهب إليه بعض الناس: يذهب في هذا الوادي ويذهب في ذاك الوادي في أرض فارس وفي أرض الروم ويذهب في الجزيرة، لا، لا، ليس هذا، ما أحد قال بهذا. «يَهِيمُونَ فِي الْوَادِي» أي في وديان الشعر. وهكذا من الآيات، إخواني في الله، ما جاء في قولي سبحانه وتعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. هذه الآية مثال أخير أختم به المقام. مثلًا يذكر ربنا عز وجل عن طبيعة خلقه العباد: «وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ»، نعم، هذه الآية يخبر ربنا أن الله فاوت بين العباد واجعلهم على درجات من درجات الدنيا، ذاك الأعلى وذاك الأدنى وذاك المتوسط، من حيث المعيشة. طيب، من هي الحكمة؟ قال: «لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا»، هنا الإشكال في فهم الناس للآية الثانية أو الجملة الثانية: «سُخْرِيًّا»، قالوا: الله عز وجل غاير بين الناس حتى يعلم من هو الشاكر ومن هو الساخر؛ لأن الناس من يجعل هذه الطبقية سخرية. فتجد الأغنياء يستهزئون ويسخرون من الضعفاء، والغني يضحك على الفقير. وهل هذه الآية؟ هل السخرية هنا بمعنى السخرية؟ هل بمعنى السخرية؟ الجواب: لا، ليس هكذا الآية. «سُخْرِيًّا» مأخوذة من التسخير، من التسخير، أي أن الله عز وجل فاوت بين العباد في طبقاتهم ودرجاتهم حتى أن الله جعل كل واحد مسخر للآخر، مسخر، ليس سخرية، مسخر. فالله جعل سبحانه وتعالى جعل الأغنياء طبقة حتى أن الفقراء يستطيعون أن يسخروا أموالهم فيما يعود عليهم بالنفع. وأن الله أوجد الفقراء أو أوجد العمال وأوجد الطبقات الكادحة حتى أنهم يسخرون من قبل الأغنياء. فكل واحد مسخر للثاني. فتخيلوا أن البلاد كلهم أغنياء مثلًا، نحن في قرية كلهم كم يقال؟ مليار درجات أغنياء، أثرياء، قصور فارهة، من السائق؟ من الطباخ؟ من صاحب الدكان؟ من صاحب المحل؟ من أصحاب التنظيف؟ من العمال؟ من الأيد العاملة؟ ما عندنا أحد. إذن كيف سيعيش المجتمع؟ ما هذه حكمة الله عز وجل؟ فلله الحكمة البالغة. ولهذا قال ربنا: «لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا»، أي للتسخير، كل مسخر للآخر، ليس من باب السخرية أن كل واحد يستهزئ بالثاني، لا. الشاهد، إخواني في الله، هذه نماذج سريعة، وإلا أذكر فيما أذكر أن من بعض أهل العلم والكتاب من ألف كتابًا في بيان مئة آية يخطئ الناس في فهمها، مئة آية. وما ذكرت إلا أحد الآيات، فدل ذلك على أن من الناس، إخواني في الله، من لربما إلى الآن يقرأ القرآن ويفهم معاني القرآن، ليس مرجعه إلى ذلك من كتب التفاسير أو من أقوال أهل العلم، وإنما يأخذ النص من ظاهره، وهذا ليس بصحيح. وقد مر معنى عبارة الإمام مسروق رحمه الله تعالى: «اتقوا التفسير؛ فإنه الرواية عن الله»، «اتقوا التفسير؛ فإنه الرواية عن الله». فهذا نماذج، إخواني في الله، أذكرها في هذا المقام. وكما أشرت وأعلنت، ونكرر ونعلن، من يوم السبت بإذن الله ستكون هناك قراءة في تفسير جزء عم، نسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.