باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 11

باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 11

الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضائل عيادة المريض وأثرها على العائد والمعود

يستعرض المقطع فضائل عيادة المريض مستنداً إلى حديث سعد بن أبي وقاص، مبيناً أنها أداء لحق المسلم وأن العائد يبقى في خرفة الجنة حتى يرجع. كما أنها تذكر العائد بنعمة الصحة فتدفعه للشكر والمحبة لله، وتنبه إلى أهمية السؤال عن الغائبين لمعرفة حالهم وعيادتهم.

آداب عيادة المريض وتفريج كربه والاستشارة

يذكر المقطع أن عيادة المريض تجلب المحبة وتؤنسه وتشرح صدره، مع أهمية تذكيره بالتوبة وحسن الظن بالله والدعاء له بالشفاء. ويشير إلى تفريج كرب المريض بالبشرى والتفاؤل، ويختم بآداب الاستشارة بذكر الحال على حقيقتها كما فعل سعد بن أبي وقاص مع النبي صلى الله عليه وسلم.

أحكام الوصية والصدقة في مرض الموت وحقوق الورثة

يبيّن المقطع جواز التبرع بالثلث فقط في مرض الموت المخوف حماية لحقوق الورثة، مستدلاً بمشاورة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم في أوقافهم وصدقاتهم. كما يؤكد أن إنفاق المرء على أهله وقرابته بنية وجه الله من أفضل الصدقات وأجرها عظيم.

فضل النفقة على الأهل وصدقة اللقمة في الفم

يوضح المقطع أن الإنفاق على الأسرة وتوفير احتياجاتهم يعد صدقة يؤجر عليها المسلم، مستشهداً بحديث اللقمة التي يضعها الرجل في فم زوجته. ويختتم الدرس بالإشارة إلى الانتقال لحديث آخر في الدرس القادم.

  • 12 جمادى الأولى 1447هـ - 02/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا زلنا في حديث سعد بن أبي وقاص في عيادة النبي صلى الله عليه وسلم له لما أصيب بوجع اشتد به. يقول العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله: وفي هذا الحديث فوائد عظيمة كثيرة، منها أن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم عيادة المرضى؛ لأنه عاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. ثم قال: وفي عيادة المرضى فوائد للعائد وفوائد للمعود، العائد الزائر للمريض، والمعود المريض. قال: أما العائد فإنه يؤدي حق أخيه المسلم، لأن من حق أخيك المسلم أن تعوده إذا مرض، يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم خمس»، وذكر منها عيادته إذا مرض، فهذا أداء لحق من حقوق المسلم عليك. قال: ومنها أن الإنسان إذا عاد المريض فإنه لا يزال في خرفة الجنة، يعني يجني ثمار الجنة حتى يعود، يشير إلى حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة». قيل: يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها»، يعني ثمارها. فهذا لا شك أنه فضل عظيم، من استشعره ومن رغب في هذا الفضل العظيم يعتاد زيارة وعيادة المرضى. قال: ومنها أي من فوائد عيادة المريض أن في ذلك تذكيراً للعائد بنعمة الله عليه بالصحة، لأنه إذا رأى هذا المريض ورأى ما هو فيه من المرض، ثم رجع إلى نفسه رأى ما فيها من الصحة والعافية، عرف قدر نعمة الله عليه بهذه العافية، لأن الشيء إنما يعرف بضده. ف رؤية المريض فيه تذكير العبد لنفسه بنعمة الله عز وجل عليه، حين ترى هذا المريض يتألم من المرض، حين ترى أن هذا المريض قد فقد شيئاً من أعضائه أو قد صار يتنفس بأكسجين صناعي ليس طبيعياً، فتذكر نعمة الله عز وجل عليك، وتعلم أن الصحة التي أنت فيها من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى عليك. وكما قيل: إن الشخص لا يعرف قدر النعمة التي هو فيها إلا إذا فقدها، إلا إذا فقدها. وكما قال شيخنا: الشيء إنما يعرف بضده، إنما يعرف بضده. لو لم تطلع الشمس لما عرف ظلام الليل، ولولا ظلام الليل لما عرف ضوء النهار، وهكذا لولا المرض لما استشعر الإنسان الصحة، وقس على ذلك في غيرها من النعم. فمن يعني فوائد عيادة المريض أن تستشعر النعمة التي أنت فيها فتزداد شكراً لله، وتزداد محبة لله إذ عافاك وابتلى غيرك، وإذ من عليك بالصحة وأخذها عن غيرك، فلا شك أن هذا يدعوك إلى شكر نعمة الله عز وجل عليك. انظروا إلى هذه الفوائد العظيمة، كم نحن مقصرون في عيادة المرضى! وكيف تعرف أن أخاك مريض؟ السؤال عنه إذا غاب وبيت فقده، إذا لم تره في مسجدك أو في مجالسك أو في دخولك وخروجك من بيتك تسأل عنه: فلان كنا نرى في المسجد، فلان كنا نراه في المجلس الفلاني، فلان كنت أراه وهو يدخل ويخرج من بيته، هذه الأيام لم أره، أين ذهب؟ لربما يقال لك إنه مريض، فتذهب لعيادته. ولا بأس أن تذهب إلى المستشفى وتعود إخوانك المسلمين، لا يشترط في عيادة المريض أن يكون معروفاً لديك، ولو لم يكن معروفاً، من أجل أن تنال الأجر، ومن أجل أن تتذكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليك، فتزور ما تيسر لك من المرضى ممن تعرف وممن لا تعرف. قال: ومنها أي من فوائد عيادة المريض أن فيها جلباً للمحبة والمودة، فإن الإنسان إذا عاد المريض صارت هذه العيادة في قلب المريض دائماً، على قلبه يتذكرها، وكلما ذكرها أحب الذي يعوده، وهذا لا شك أنه يعني أنها فائدة عظيمة أن تسود المحبة والرحمة والمودة بين المسلمين. فإذا عاد الصحيح المريض كما يقال استحضر المريض وتذكر هذه الزيارة، وأن فلاناً جزاه الله خيراً جاء وواساني عند مرضي وزارني ودعا لي ونحو ذلك، فيبقى هذا الأثر في قلبه، يبقى هذا الأثر في قلبه بسبب هذه الزيارة والعيادة، فالعيادة عيادة المريض سبب لجلب المحبة والمودة بين المسلمين. هذه فوائد العائد الزائر للمريض. طيب، ما هي فوائد المعود؟ حتى المريض يستفيد من هذه الزيارة، ماذا يستفيد منها؟ أولاً: تؤنسه وتشرح صدره، ويزول عنه ما فيه من الهم والغم ومن المرض. وربما يكون العائد موفقاً يذكره بالخير، يذكره بالخير والتوبة والوصية إذا كان يريد أن يوصي بشيء عليه من الديون وغيرها، فيكون في ذلك فائدة للمعود. فإذا زار الناس هذا المريض، منهم من يؤنسه، يخفف عنه، يذكره بأجر المرض، وهكذا يذكره بالتوبة، وأن المرض لربما يكون سبباً لقرب الأجل، فيذكره بالتوبة وبالإقبال على الله وبحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فلا شك أن هذا الأمر يستفيد منه المريض، يستفيد منه المريض كذلك. مما يستفيد منه المريض دعاء إخوانه له، فإذا أتيت وتقول له: لا بأس، طهور إن شاء الله، شفاك الله، عافاك الله، من الله عليك بالصحة والعافية، فلا شك أن هذا الدعاء له أثر على هذا المريض، فرب دعوة مستجابة تكون سبباً في شفاء هذا المريض، تكون سبباً في شفاء هذا المريض. ولهذا قال العلماء: ينبغي لمن عاد المريض أن ينفس له في أجله، أي يفرحه، يقول: ما شاء الله، أنت اليوم في خير، وأنت ما شاء الله العافية ظاهرة على وجهك، وهكذا تفرحه. ويعني ماذا؟ لا تقنطه ولا تحزنه ولا تذكر له كذلك خطر هذا المرض أو نحو ذلك مما يحزنه، وإنما تبث في نفسه التفاؤل وكذلك الفرح والسرور ونحو ذلك، فهذا أيضاً مما يستفيد منه المعود. مما يستفيد منه المعود كذلك: ذكر الشيخ العثيمين من فوائد هذا الحديث أن في هذا الحديث كذلك من الفوائد قال: أنه ينبغي للمستشير أن يذكر الأمر على ما هو عليه حقيقة، ولا يلوذ يميناً وشمالاً، بل يذكر الأمر حقاً على ما هو عليه. يعني إذا أردت أن تستشير غيرك تذكر له أمرك وحالك وهذا القضية بصدق بحقائقها، من غير مغالطة أو من غير كذلك عدم بيان وتوضيح لها، وإنما تذكرها على حقيقتها. فسعد بن أبي وقاص قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إني ذو مال»، انظر ذكر حقيقة حاله، «ولا يرثني إلا ابنة لي، وإنما لي ابنة واحدة»، فانظر إلى هذا البيان وإلى هذا التوضيح من هذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه وأرضاه. كذلك من فوائد هذا الحديث: فيه استشارة أهل العلم وأهل الفضل في مثل هذه الأمور في الوصايا وفي النفقات وفي أبواب الخير، فإن العالم يرشدك إلى ما هو أصلح وإلى ما هو أكثر لك أجراً وفضلاً، وقد وقع ذلك من سعد ومن غيره من الصحابة، حتى عمر بن الخطاب لما أراد أن يوقف وقفاً فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يجعلها في الأقربين، أن يجعلها في الأقربين. وهكذا أبو طلحة، نعم، لما كان معه ذلك البستان الذي هو من أحب أمواله إليه، فكذلك حثه النبي صلى الله عليه وسلم لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله في الفقراء والمحتاجين والأقربين. فانظروا إلى بركة مشاورة أهل العلم وأهل الفضل. ومنها كذلك كما تقدم: أنه لا يجوز للإنسان إذا كان مريضاً مرضاً يخشى منه الموت أن يتبرع بأكثر من الثلث من ماله، لا صدقة ولا مشاركة في بناء مسجد ولا هبة ولا غير ذلك، لماذا؟ لأنه سيحرم الورثة. لماذا لم يتصدق وهو صحيح وهو معافى؟ لماذا تقصد الصدقة بأكثر من الثلث في هذه الحال؟ لأنه يعلم أن هذا المرض ربما يكون سبباً لموته، فيريد أن يحرم الورثة من هذا المال. فلذلك ذكر أهل العلم أن الهبة وأن الصدقة التي تكون في الحياة إذا كانت في مرض الموت المخوف، يعني المرض الذي ليس هو بمرض كالعادة، مرض يسير ككحة يسيرة أو صداع أو نحو ذلك، وإنما هو مرض مخوف كتلك الأمراض التي انتشرت بهذا الزمان من السرطان أو من أمراض الكبد أو أمراض القلب أو أمراض كذلك غير ذلك من تلك الأمراض، عافانا الله وإياكم منها. فربما إذا رأى الإنسان أن هذا المرض يعني سيكون سبباً في موته يحاول أن يحرم ورثته، فلذلك جاء النهي عن ذلك، وجعل حكم ذلك حكم الوصية، والوصية التي تكون بعد الموت، فكما أن الإنسان لا يجوز له أن يوصي بعد موته بأكثر من الثلث، فكذلك لا يجوز للإنسان أن يتبرع أو أن يتصدق في مرضه المخوف بأكثر من الثلث، لهذا الحديث، لهذا الحديث. وكذلك من فوائد هذا الحديث: ظهور معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن الرسول قال: «إنك لن تخلف»، يعني لن تبقى في مكة بل ستذهب مع أصحابك، فكان الأمر كما توقعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن سعداً عاش إلى خلافة معاوية، وكما تقدم ورزق من الأولاد كثيراً. ومنها كذلك من فوائد هذا الحديث: فيه أن الصدق وترك المال للورثة خير من التصدق به، خصوصاً إذا كان الإنسان ذا مال قليل، فقد ذكر العلماء أن الأفضل لا يوصي بشيء، لا يوصي بشيء، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا أنفق نفقة يبتغي بها وجه الله فإنه يثاب عليها، حتى النفقات على الأهل فهي من أفضل الصدقة، فهي من أفضل الصدقة، حينما توفر لأولادك الطعام والشراب فإن في ذلك أجراً عظيماً، متى ما فعلت ذلك ابتغاء وجه الله. فلا تتبرم، بعض الناس يتبرم إذا قالوا له أهله: نريد رزاً، نريد دقيقاً، نريد أرزاً، يقول: أنتم كل يوم وأنتم طلبات، ويتضجر، ربما هذا التضجر يكون سبب حرمانك من الأجر. احتسب الأجر واعلم أن توفيرك لهذه الواجبات أو لهذه الطلبات فيه أجر صدقة تتصدق بها على أهلك، كما جاء في هذا الحديث: حتى اللقمة تضعها في في امرأتك، إذا ابتغيت بذلك وجه الله فإن لك بذلك أجراً. هذا خلاصة ما ذكر الشيخ من فوائد هذا الحديث، وبه ننتهي. وفي الدرس الثاني إن شاء الله القادم نأخذ حديثاً آخر، إلى هنا والله تعالى أعلم.