تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 145

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 145

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 145، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية «من يعمل سوءا يجز به» وأنواع العقوبة

يشرح العلامة سعد أن الجزاء على السيئات قد يقع في الدنيا فقط، أو في الآخرة فقط، أو في كليهما، مبيناً أن تعجيل العقوبة في الدنيا قد يكون رحمة للمؤمن ليتوب. ويضرب مثال الصحابي الذي اصطدم بجدار فعدّ النبي ﷺ ذلك عقوبة معجلة لغفران ذنبه في الآخرة.

عقوبة البغي وعقوق الوالدين وبطلان الشفاعة بغير إذن الله

يوضح المقطع أن البغي وعقوق الوالدين من الذنوب التي يعجل الله عقوبتها في الدنيا مع ادخار العذاب في الآخرة، وأن تعجيل العقوبة قد يكون تكفيراً للمؤمن بينما تأخرها دليل على عدم العفو. كما ينفي اعتقاد المشركين وبعض المنتسبين للإسلام بأن الأولياء والأموات يشفعون يوم القيامة بغير إذن الله، مستدلاً بآيات تؤكد أن الشفاعة ملك لله وحده ولا تكون إلا بإذنه ولمن ارتضى.

موقف أهل السنة من صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله

يؤكد علماء السنة أن مرتكب الكبيرة دون الشرك يبقى تحت مشيئة الله تعالى، فيغفر له إن شاء أو يعذبه إن شاء، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. وهذا الموقف يبرز أن العقاب والرفع منه بيد الله وحده دون وساطة.

  • 12 جمادى الأولى 1447هـ - 02/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله: وقوله جل وعلا ﴿ ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾، أي من قوله جل وعلا ﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾، ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴿ من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾، أي في الدنيا والآخرة، والجزاء أيضا كذلك يجز به، أي في الدنيا يجز به، أي في الدنيا والآخرة، أن العقوبة تكون عقوبة في الدنيا، وقد تكون في الآخرة، وقد تكون هذه العقوبة في الدنيا وفي الآخرة، وقد تكون هذه العقوبة في الآخرة، أنا ثلاث عقوبات أو ثلاث حالات: إما أن تكون العقوبة عليه في الدنيا فقط، يعاقبه الله عز وجل في الدنيا ويعفو عنه في الآخرة، وإما تكون هذه العقوبة في الآخرة، وإما تكون في الدنيا والآخرة، يعاقبه في الدنيا ويعاقبه كذلك في الآخرة، ولا شك أن عذاب العقوبة الآخرة أشد. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام عن عدة من الصحابة، منهم أبو اليسر الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة». إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا. ولهذا جاء الرجل من الصحابة أنه رأى امرأة، وكان يبيع شيئا من تمر وغيره، فجاءت امرأة تشتري من عنده، فقال: «لو دخلتِ في البيت لكان فيه أفضل من هذا»، فدخلت، فكأنه أراد أن يقبلها وكذا، فلم تمانعه، ثم تذكر أن هذا معصية ولا يجوز، فتركها وخرج من بيته هائما يريد رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، وهو ذاهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام من شدة حاله في هذا الموقف ومما فعله، فاصطدم بجدار فأصاب رأسه، ثم قام وذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: فحكى للنبي عليه الصلاة والسلام هذه القصة، فقال له: «أنت عبد أراد الله عز وجل بك خيرا، أنت عبد أراد الله عز وجل بك خيرا، فعجل لك العقوبة، فعجل لك العقوبة»، أي كان اصطدامه بالجدار عقوبة له، هذه العقوبة فقط التي جعلها في الدنيا، ولأنه قد تاب ورجع، فلهذا غفرها الله عز وجل له في الآخرة. فأيضا مما يدل على أن العقوبة قد تكون في الدنيا والآخرة ما جاء عند أحمد وأبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليس هناك ذنب يعجل الله عز وجل به العقوبة في الدنيا مع ما يدخيره له في الآخرة من البغي وعقوق الوالدين». عن أن البغي أي الظلم، وعقوق الوالدين، يعجل الله عز وجل بهما العقوبة مع ما يكون له في الآخرة من العذاب، عن أنه يعاقبه في الدنيا ويعاقبه كذلك في الآخرة، يعجل عقوبته في الدنيا ويدخر له العقوبة يوم القيامة. إنما قلنا: إذا عجل الله، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له عقوبته في الدنيا»، أي ويغفرها له في الآخرة، وأما إذا بقي هذا الذنب وبقيت عقوبته إلى الآخرة فمعنى ذلك أنه لم يعف عنه الرب جل وعلا. قال جل وعلا ﴿ ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾، أي لإزالة بعض ما لعله يتوهم أن من استحق المجازاة على عمله قد يكون له ولي أو ناصر أو شافع يدفع عنه ما استحقه، كما ظن المشركين أن هناك من يشفع لهم، فظنوا أن هذه الآلهة التي يعبدونها تشفع لهم يوم القيامة، ولا أيضا يعذبهم الله لأنهم تشفع لهم هذه الآلهة. وللأسف أن هذا الاعتقاد عند بعض من يدعي الإسلام، يدعي أن هؤلاء شفعاء، أي أهل القبور والأموات والأولياء يكونون لهم شفعاء يوم القيام، حتى أنه ذكر في بعض القصص التي يذكر وهؤلاء أن الرجل منهم يقول: «خلان عبدي ولا يدخل عبد النار»، انظر إلى التبجح في هذا الباب، معنى أنه سيشفع له يوم القيامة، سيشفع له يوم القيامة، ولو ولم يذكر إذن الله جل وعلا في ذلك، بل يجزم على أنه سيشفع، وهذه محادة، وهذه محادة لله عز وجل، لأن الله عز وجل يقول ﴿ قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ﴾، فليس أحد يملك هذه الشفاعة، وقال جل وعلا ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾، وقال جل وعلا ﴿ ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ﴾، فكيف بعد ذلك يجترئ العبد ويقول أنه سيشفع لفلان وفلان، وأنه ينظر إلى أصحابه، من رأى أحدا من أهل تريب أو من أهل كذا سيخرجه من النار، وهذه جري على الله، جري على الله ومحادة لشرع الله، فلا يستطيع أحد أن يكون شافعا لأحد إلا بإذن الله. وأما هذا الذي أراد الله عز وجل لعقوبته فلا يجد له وليا ولا نصيرا، لا يستطيع أحد أن يشفع له أبدا، وليس له صديق ولا غيره أنه يشفع له يوم القيامة أو يخرجه من ذلك إلا بإذن الله جل وعلا، يأذن الله عز وجل لأهل الإيمان أن يشفعوا في أهليهم، وأيضا كذلك في أصحابهم وغير ذلك مما جاء في النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن تكون الشفاعة بإذن الله. فالشفاعة التي يظنها المشركون أنهم يشفعون، أو أن هذه الآلهة تشفع لهم، هذه قد أبطلها الله عز وجل في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله جل وعلا ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ﴾، ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ﴾، أي ليس حتى معين، ﴿ ولا يشفعون عنده إلا لمن أذن له ﴾، لا يشفعون أبدا إلا من أذن الله عز وجل له بالشفاعة، فلهذا فلا أحد يشفع إلا بالله جل وعلا بإذنه سبحانه وتعالى. فهؤلاء الذين يظنون أنهم سيجدون من يشفع لهم ومن يكون لهم وليا فهذا ظنهم فاسد، ولهذا قال الله عز وجل ﴿ ولا يجد له ﴾، أي هذا الذي سيعاقبه الله في الآخرة أو حتى في الدنيا، ﴿ ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾، قال: لإزالة بعض ما لعله يتوهم أن من استحق المجازاة على عمله قد يكون له ولي أو ناصر أو شافع. ومثل ما ذكرنا، أحيانا اللسان يغتر بعمله، يقول: أن عملي في الخير سيحجزني عن هذه العقوبة أو يرفع عني هذه العقوبة، هذا أيضا غرور، ﴿ أو شافع يدفع عنه ما استحقه ﴾، فأخبر تعالى بانتفاء ذلك، فليس له ولي يحصل له المطلوب، ولا نصير يدفع عنه المرهوب إلا ربه ومليكه، فإن شاء سبحانه وتعالى رفع عنه ذلك العقوبة وهو بإذنه جل وعلا، فهو الذي أنشأ عاقبه، وإن شاء رفع هذه العقوبة وغفر له. ولهذا يقول علماء السنة: أن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه وعذبه، لقول الله جل وعلا ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فلهذا أهل الكبائر الذين هم دون الكفر والشرك داخلون تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. فهذا ما يذكر، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر