الدرس في تفسير سورة الأعلى من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع يتناول تفسير الآيات القرآنية من سورة الأعلى، موضحًا عظمة خلق الله وتسوية المخلوقات وتقديره للأشياء وهدايته لها. يشير إلى تناسق أجزاء المخلوقات وهدايتها إلى مصالحها.
المقطع يشرح الربط بين نعمة الله الدنيوية المتمثلة في الزرع والمطر ونعمة الله الدينية المتمثلة في القرآن. يتطرق إلى معنى قوله تعالى 'سنقرئك فلا تنسى' وإعجاز هذه الآية في حفظ النبي للقرآن.
المقطع يتناول تفسير الآية الكريمة ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾، موضحًا قولين لأهل العلم في تفسيرها، الأول أن النبي لن ينسى القرآن إلا ما شاء الله، والثاني أن الآية تشير إلى نسخ بعض الآيات.
المقطع يشير إلى انتهاء الدرس مع التأكيد على أن العلم بيد الله تعالى، ويتبع ذلك بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن سورة الأعلى وما جاء في فضيلة هذه السورة، بما كان من عناية نبينا عليه الصلاة والسلام بقراءتها في كثير من المناسبات. ثم أشرنا إلى ما في قول ربنا عز وجل: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ من مسائل. ثم قال سبحانه: ﴿الذي خلق فسوى﴾، قال: مخلوقه جعله متناسب الأجزاء غير متفاوت. في هذه الآية بيان لعظمة الله عز وجل، الرب الأعلى سبحانه الذي خلق فسوى خلق. خلق ماذا؟ هنا لم يذكر المفعول، لم يذكر المعمول، وذلك لكي يعم الخطاب. الذي خلق كل شيء سبحانه وتعالى، الذي خلق فسواك، الذي خلق فسوى قال: خلق مخلوقه من أي كائن، ومن أي صنف من الأصناف، خلقه الله عز وجل إلا وجعله متناسب الأجزاء. وخاصة ما يجده الإنسان في خلقة ربه له، تبارك الله أحسن الخالقين. جعل الله عز وجل الآدم على صورة بديعة جميلة ما لها نظير بين سائر المخلوقات. فخلق الله عز وجل الآدم وهم متناسبون من حيث الأعضاء: اليدين والرجلين والرأس، وجعل فيها من الحواس، وجعل فيها من القدرات وأسرار عظيمة بديعة خلقها الله عز وجل فسوى كل خلق. قال: والذي قدر ما شاء فهدى إلى ما قدره من خير أو شر. وفي قوله تعالى: ﴿والذي قدر﴾، أي أن الله عز وجل قدر كل شيء. فهذه المخلوقات التي خلقها الله عز وجل إنما خلقها بتقدير من الله. وفي هذه الآية إثبات لإثبات عقيدة القدر السابق، وأن الله عز وجل قد قدر الأشياء في الأزل، قدرها في الأزل. والذي قدر ما شاء فهدى إلى ما قدره من خير أو شر، هنا المؤلف رحمه الله تعالى جعل الهداية متعلقة بباب الخير والشر، أن الله عز وجل قدر على المخلوقات ما ستعمله، ثم هداها إلى هذه التي قدرها لها من خير أو شر. ومن المفسرين -وهذا الأصوب- أنه جعل «فهدى» عامة. فالله عز وجل الذي هدى جميع المخلوقات، هداها إلى مصالحها في هذا الكون الفسيح العظيم. تجد فيه آلافا -لا أقول من الأعيان- بل آلافا من الأصناف من نباتات، ومن دواب، ومن طيور، ومن حشرات. وكل صنف يتفرع، وكل هؤلاء لهم هداية جبلهم الله عز وجل عليها. كيف هم في مأكلهم؟ الله أعلم. في مشربهم؟ الله أعلم. في منكحهم؟ تكاثرهم؟ تزاوجهم؟ الله أعلم. كل فصيل يسير، لا تظن أنك أنت وحيد في هذه الأمة، لا. يعبد هناك أمم. ألم يقل نبينا صلى الله عليه وسلم عن ذلكم الكلب: «إن الكلاب أمة من الأمم»؟ أمة، أمة الكلاب تعيش ولها علاقات فيما بينها، بينها علاقات صراع وتزاوج وتكاثر وأمور. وهكذا قس في باب الطيور، ليس كل الطيور، بل كل طير على حدة. هذا الغراب له عالم بأكمله. كل هؤلاء يسبحون. ناهيك عن الدواب وعن الهوام والحشرات. في عالم النمل، انظر لهذا العالم كيف يسير، يدب. هل تظن أنه يسير هكذا؟ هذا عالم قد هداه الله في كيفية الحصول على طعامه، الحصول على شرابه، في مأكله، في مسكنه، في تكاثره. عوالم عظيمة، عظيمة جدا. فالله عز وجل أودع في هذه المخلوقات هدايات. وانظر وقرأ يا عبد الله ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مفتاح دار السعادة». تطرق إلى مثل هذه المسائل، ثم أخذ يذكر أصنافا من هدايات لهذه العوالم. لو ربما اقشعر منه بدنك لعظيم هداية هذه الحيوانات إلى مصالحها. لا تظن أنك الأوحد في هذا الكون، لا. هناك عوالم، بل فاق البشر فاق البشر في هدايتهم لمصالح أنفسهم ما لا يخطر على بال أحد. فالله عز وجل قدر وهو سبحانه وتعالى هدى، هدى هذه الكائنات والمخلوقات من إنس وجان ودواب وحشرات وهوام، هداها إلى ما فيه مصالحها. ثم قال سبحانه: ﴿والذي أخرج المرعى﴾. والله عز وجل هو جل فعلا. قال المؤلف: أنبت العشب المرعى، بمعنى أنبت العشب. وهو سبحانه وتعالى الذي أخرج المراعي من العشب والنباتات والكلأ. وهذه الزروع والأعشاب والأشجار وغيرها من الثمار التي تظهر على سطح الأرض، من الذي أخرجها للناس؟ الله عز وجل. قال: ﴿والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى﴾. فمعنى قوله عز وجل: ﴿فجعله غثاء أحوى﴾، هذا في بيان مصير هذا العشب. هذا العشب الأخضر الذي تزينت به الأرض واستفاد منه الخلق والدواب، الذي كبر وترعرع وآتى ثماره، فإنه سيأتي عليه زمان ينعكس وينتكس، ﴿فجعله غثاء أحوى﴾. قال: غثاء، أي جاف هشيم. وهذا في مآل ذهاب خضرة وفائدة هذا الزرع في غير موسمه، فإنه يعود هشيما، يعود يابسا أحوى، بمعنى أسود يابسا. فما قال العلماء؟ إن الكلأ إذا يبس يسود، فإنه يسود. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾. وهنا فائدة حتى نجعل الربط بين الآيات. الآية السابقة في قول تعالى: ﴿والذي أخرج المرعى﴾، وهنا قال سبحانه: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾. هل هناك ربط بين هذا وذاك؟ من المفسرين من قال: أن هذه الآية في بيان سرد النعم التي أنعمها الله عز وجل على الخلق. فذكر ربنا عز وجل ما كان من نعمة الزرع، وهي إشارة إلى ما قبلها وهي نعمة المطر، لأن ما ينبت الزرع بهذا النبات والمرعى إلا بزرع. فهنا ذكر الله عز وجل الخلق بنعمة النبات ونعمة الأمطار التي عمها لكل الفئات. والآن في هذه الآية: ﴿سنقرئك﴾، التذكير بالنعم الدينية. الأولى التذكير بالنعم الدنيوية، والآن يذكرنا الله عز وجل بالنعم الدينية وهي الكامنة في القرآن، في القرآن وما يكون من بعدها من بعثة رسول الأنام عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾. قال: سنقرئك القرآن فلا تنسى ما تقرأه. أي لا تنسى. فلا تنسى هنا أي إخبار، أي لن يقع منك نسيان. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يتخوف من هذا، فكان يخاف من أن ينسى شيئا من القرآن. ويظهر ذلك جليا في مجالسة جبريل معه، فكان جبريل إذا جلس مع نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان جبريل إذا تلا وقرأ شيئا من القرآن، كان من أمر نبينا أنه يقرأ معه، يقرأ معه ويرفع صوته بالقراءة. يقرأ جبريل، نبينا يقرأ معه مباشرة. وفي صورة من صور القراءة أنه إذا انتهى جبريل قام نبينا مباشرة ويسرد القراءة سردا. لماذا يفعل ذلك؟ خشية النسيان. لأن النبي يعظم هذا الوحي، هذا الوحي سماوي، وأن أي كلمة -كلمة- ينساها من هذا الوحي، فإن ذلك له عواقب ليست خيرا، بل على أمته. فكان من حرص نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كان يتلقى الوحي بحذر، فكان يسمع -كما يقال- يسمع القرآن عند جبريل إما معه أو بعد نهاية المجلس. وكان هذا ظاهرا كما جاء في سورة القيامة، فجاءت البشارة من الله، ما هي البشارة؟ أنك يا محمد لا تفعل ذلك، فإن الله عز وجل قد تكفل بجمع القرآن في صدرك. ولهذا كهذه الآية: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾، أي لن يقع منك نسيان. ولهذا في قول سبحانه وتعالى في آية أخرى: «لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه». كان يحرك لسانه إذا نزل جبريل ويتكلم معه. «لا تحرك لسانك لأنه يفعل ذلك حتى لا ينسى» صلوات ربي وسلام عليه. فحينئذ جاءت البشارة بأن لا تفعل ذلك، وإنما استمع فقط، وما ستسمع سيدخل مباشرة إلى جوفك ويكون محفوظا كما سمعت. فقال سبحانه: ﴿سنقرئك القرآن فلا تنسى ما تقرأه﴾. وهذه الآية فيها إعجاز لنبينا عليه الصلاة والسلام. الوجه الأول من أوجه الإعجاز فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه أمي، ومع ذلك حفظ هذا الكتاب المنزل، ما كله وما خرم منه حرفا عليه الصلاة والسلام. والإعجاز الثاني أن هذه الآية في مكة، مكية كما مر ذلك معنا. وأكثر القرآن والأحكام والشرائع جاءت متى؟ في المدينة. فأخبره ربنا -وهي كان يخبره- أن هذا وما سيأتي لن تنساه، أن هذا وما سيأتي لن تنساه أبدا. فهذا فيه إعجاز من هذا ومن ذاك. قال: ﴿سنقرئك القرآن فلا تنسى ما تقرأه إلا ما شاء الله﴾. بنسخ تلاوته وحكمه. وكان صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة مع قراءة جبريل خوفا من النسيان. فكأنه قيل له: لا تعجل بها، إنك لا تنسى، فلا تتعب نفسك بالجهر بها. إنه تعالى يعلم الجهر من القول والفعل وما يخفى منهما. هذا الكلام قد مضى معنا، قد كما أشير إليه سلفا، من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى من نسيان القرآن، فبشره ربه بأنه لا ينسى ولن ينسى شيئا من القرآن. هنا الإشكال في الآية التي في قوله: «إلا ما شاء الله»، ما معنى هذا الاستثناء؟ بأن الله عز وجل سيحفظ لك القرآن ويجعله في صدرك إلا إلا ما شاء الله؟ أي إلا ما شاء الله أن تنساه. هنا للعلماء في هذا عدة أقوال. وأشير إلى مسلكين اثنين، وإلا أكثر من ذلكم، لكن من باب الاقتصار. من أهل العلم من حمل الآية وهذه الآيات على ظاهرها: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾، إلا ما شاء الله. أي سنقرئك يا محمد فلا تنسى، هنا لا تنسى ليس إخبارا، وإنما طلب، كقولي أو قولي فلان لك: يا عبد الله، أنا أعطيك نصيحة لا تنساها. هذا طلب. فبعضهم جعل هذه الآية: ﴿سنقرئك القرآن سنقرئك فلا تنسى﴾، أي لا تنسى، لا تكن ناسيا، أو لا يأتيك النسيان، إلا ما شاء الله. أي على هذا المعنى: إلا ما حصل منك نسيانه. وهذا مقتضى الجبلة، مقتضى الجبلة البشرية أن الإنسان ينسى، حتى قيل: إن الإنسان ما سمي إنسانا إلا لنسيانه. فهذا شيء مجبول عليه الإنسان جبل، ونبينا كذلك. قالوا: إن النبي يعتريه ما يعتري الجبلة، وهي مسألة النسيان. فنبينا قد قد ينسى شيئا من القرآن، لكنه يذكر، أي ما يستدام النسيان لا يذكر. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يرحم الله فلانا، يرحم الله فلانا، قد ذكرني بآية قد نسيتها». «يرحم الله فلانا قد ذكرني بآية قد أنسيتها». فالشاهد أن هذا من هذا. فمن أهل العلم من حمل هذه الآية على ظاهرها، وعلى أن الله عز وجل جمع القرآن في صدره، وأمره أنه لا ينسى، فلكن إلا ما شاء الله. لكن بمقتضى الجبلة قد يقع منه النسيان، لكن هذا النسيان ما يستدام، وإنما يأتيه من يأتي بتذكيره، فيبقى الوحي محفوظا محفوفا من النسيان الذي فيه إزالة لشيء من أحكامه. والمعنى الثاني في قول ربنا: «إلا ما شاء الله»، هو ما أشار إليه المؤلف، قال: أن تنساه بنسخ تلاوته وحكمه. أي وهذا مسألة النسخ. أي أن القرآن سيبقى معك محفوظا يا محمد في صدرك، ولن تنسى. كان القول الأول أن هذا خبر: ما ستنسى منه شيء، ما دخل إلى جوفك لن تنساه. هذا القول الثاني: إلا ما هو إلا ما نسخ لفظه. هذا ليس لك. هذه عملية النسخ. النسخ أن النبي صلى الله عليه وسلم نزلت عليه آيات من بداية التشريع في العهد المكي في غار حراء بدأ الوحي، ولا زال الوحي يتنزل، يأتي منجما مفرقا على رسول الله عليه الصلاة والسلام على حسب الوقائع والأحداث. خلال هذه الفترة المديدة لربما تأتي آيات متأخرة تنسخ آيات ماضية. وهذه عملية النسخ أن القرآن ينسخ. ومما يكون من عملية النسخ النسيان. قال الإمام البغوي رحمه الله: والإنساء نوع من أنواع النسخ، واستدل بقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها﴾. إذن هذا النسيان «إلا ما شاء الله» هو نسيان ليس صادرا من رسول الله، على خلاف من قال القول الأول، لا. وإنما هذا نسيان من الله عز وجل، أن الله ينسي نبيه بعض الآيات. وهذه من باب نسخ الآية، أن هذه الآية لا يحتاج لها الآن. لأن هذا باب عظيم جدا، باب النسخ، أن الله يفرض أحكاما على العباد، ثم بعد ذلك تنسخ الآيات. مثل مثاله في موضوع الخمر، الخمر لم ينزل تحريمه من الوهلة الأولى، وإنما الحكم الأول، ثم الحكم الثاني، ثم الآية الثالثة، ثم الآية الرابعة: ﴿فهل أنتم منتهون﴾. رجعت هذه الآية فنسخت كل الآيات. وهكذا آيات الصبر والعفو عن الكفار نسخت بآيات القتل ومجاد آيات القتل. فنسخت كل ما مضى. فأصبح عندي آيات منسوخة أحيانا منسوخة الحكم، وأحيانا منسوخة اللفظ. تجد أنها كانت موجودة في القرآن ثم ارتفعت. وهذه لها أمثلة كثيرة. فشاهد أن «إلا ما شاء الله» تحمل على أحد محملين: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ إلا ما شاء الله. إما المحمل الأول: على أنك يا محمد هذا القرآن حافظ على حفظه، فلا تنسى منه شيئا إلا ما يقع منك من مغتب الجبلة. فإذا نسيت لكن يأتيك من يذكرك. هذا القول الأول. القول الثاني: «إلا ما شاء الله» في قضية ماذا؟ نسخ الآيات. وهذا ليس لك. فإنك يا محمد ستحفظ هذا القرآن ولن تخرم ولن تنسى منه شيئا إلا أمرا أراد الله أن تنساه، لأن حكمه سيكون منسوخا. هذا ما يذكر في هذا المقام. وفي غد -نواصل- أو في أسبوع القادم بإذن الله نواصل حديث عما بقي من هذه الآيات. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.