الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 741، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع سير أئمة الحديث مثل أبي داود وبندار وغندر، مبيناً كيف عوض الله بنداراً بكثرة الحديث لبره بأمه، ولزوم غندر لشعبة عشرين سنة. ويخلص إلى أن طلب العلم يتطلب صبراً ومجاهدة ومشقة كما دل عليه القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
يتميز الإمام شعبة بن الحجاج بحفظه المتقن وقدرته على رواية الحديث بأسانيد متعددة وألفاظ متباينة تميز بين الصحابة. وقد نقل تلاميذه الثقات كابن مهدي هذه الوجوه بدقة، خلافاً لمن ضعف حفظهم فخلطوا بين المرسل والمتصل.
يعرض المقطع صفة الأذان مثنى مثنى والإقامة مرة مرة مع تثنية تكبيرة الإقامة، مستنداً لحديث ابن عمر وحديث أبي محذورة في الترجيع. ويناقش مذاهب الشافعي وأحمد في مشروعية الترجيع، والخلاف في صفة الإقامة بين الإفراد والتثنية، مؤكداً أن الأمر واسع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى: ما اسمه؟ أبو داود سليمان بن الأشعث بن بشير السجستاني، إمام من أئمة الحديث، كان من تلاميذ أحمد، له سؤالات عن الإمام أحمد. قال: حدثنا محمد بن بشار الملقب ببندار، وهو بصري ثقة، كما قلنا: أنه لم يرحل طاعة لأمه، لم يرحل إلى طلب الحديث طاعة لأمه، فعوضه الله عز وجل بكثرة الحديث، هو الغالب في أهل الحديث الذي يكثر من حفظ الحديث، وأيضا عنده حديث كثير هو الذي يرحل، لكن هذا ترك الرحلة لأجل أمه، منعته أمه فحاول لها لكن أصرت على أنه يجلس، فجلس، ترك ذلك لله، طاعة لأمه، ولأن الرحلة ليست واجبة، الرحلة ليست واجبة مادام عنده أهل العلم، فلهذا أطاع أمه، فعوضه الله عز وجل بأن يسر له أحاديث كثيرة، وصار من حفاظ الإسلام، صار من حفاظ أهل الإسلام، رحمة الله عليه، وأخذ عن جميع مشايخ البصرة وأكثر عنهم، عن يحيى بن سعيد، وعن عبد الرحمن بن مهدي، وعن محمد بن جعفر، وغيرهم من أئمة أهل البصرة، ولهذا لا تجد محمد بن بشار روايته غالبا إلا عن أهل البصرة، إلا من جاء من أهل الكوفة إلى البصرة فأخذ عنه. قال: حدثنا محمد بن جعفر، مع أن محمد بن بشار في طبقة الإمام أحمد، في طبقة يحيى بن معين، إلا أنهم احتاجوا إليه واحتاجوا إلى حديثه، فالإمام أحمد يروي عنه في المسند. قال: حدثنا محمد بن جعفر، وهو البغدادي أبو عبد الله البغدادي الذي يقال له غندر، وقيل إن الذي سماه غندر هو ابن جريج، لما جاء إلى البصرة وازدحم الناس، فكان محمد بن جعفر يشاغب ويصيح، فقال له ابن جريج: اسكت يا غندر، فأخذ بهذا اللقب، لأن الغندر هو المشاغب. قال: حدثنا شعبة، وشعبة هو زوج أمه، أنا محمد بن جعفر ربيب شعبة، وأخذ وجلس عند شعبة عشرين سنة، أخذ الحديث من شعبة، وهذا لصبر أهل الحديث ولثباتهم، لأن هذا الحديث لا يأتي إلا بالصبر والمجاهدة، العلم يحتاج إلى مصابرة ومجاهدة، ما يأتي هكذا، ولهذا يقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه جبريل غطه غطا شديدا حتى بلغ منه الجهد، فأخذ بعضها، العلم من هذا أن العلم فيه مشقة، فيه مشقة شديدة، قال الله عز وجل: ﴿ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ﴾، فالعلم يحتاج إلى صبر ومجاهدة واجتهاد حتى يفلح العبد، أما بدون هذه الأشياء فغالبا يكسل ويذهب عنه العلم ولا يستمر في العلم، ولهذا تجد في تراجم أهل الحديث أن هذا جلس أكثر من عشرين سنة عند شيخ، وهذا جلس ثلاثين سنة، أو الوليد الباجي ذهب إلى المشرق وترك بلده الظاهر أكثر من أربعين سنة حتى جاء إلى بلده وهو إمام، وهذا كله في سبيل العلم ومشقة العلم واحتمال الصبر لله، معنى ليس يريدون دنيا وإنما يريدون الدار الآخرة ورضى الله سبحانه وتعالى، فلهذا يوفقهم الله سبحانه وتعالى في الحفظ والفهم وغير ذلك. قال: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أبو بسطام، شعبة من الحجاج بن الورد العتكي، أبو بسطام، وهو أمير المؤمنين في الحديث، كان حافظا كبيرا يحفظ طوال الأحاديث يسردها سردا، يقال: إنه ليس هناك مثل شعبة في سرد الأحاديث الطوال. قال: سمعت أبا جعفر، ومن ما أعطى الله عز وجل هؤلاء الحفاظ من الكرامة ومن الإتقان تجد أنه يروي الحديث عن جماعة من مشايخه فيميز الألفاظ وكذلك السند، مثل رواية شعبة يروي حديثا من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ويرويه كذلك من طريق مثلا حديث عن عبد الله بن مسعود يرويه أيضا من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، وهكذا يرويه عن عدة من الصحابة بأسانيد أخرى والحديث نفسه، وأيضا يفارق في الألفاظ التي فارق فيها الصحابة، وهذا يدل على شدة تثبته وشدة أيضا إتقانه، ولهذا تجد لا يحفظ مثل هذا إلا من كان حافظا، يعني من قرأ في مسألة موافقة المشايخ في حديث الحافظ يجد بينهم اختلاف، بعضهم يختلق عليه هذا فيلفق رواية الإسناد أو يأتي بخطأ في الإسناد أو يأتي بإسناد واحد ولا يستطيع أن يأتي بإسناد آخر، أما أصحاب شعبة الذين هم حفاظ في حديثه تجد أنه يأتي برواية شعبة على خمسة أوجه أو على ستة أوجه، مثل محمد بن جعفر، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد، فهؤلاء يأتون بحديث شعبة على أوجهه التي حدث بها، لأن شعبة يحدث في مجلس مثلا هنا عن أبي جعفر، وفي مجلس آخر يحدث عن رجل آخر نفس الحديث ويسنده إلى نفس الشيخ، وهذا يدل على حفظ هؤلاء، ولهذا العلماء إذا رأوا مثل هذا عن حافظ من حفاظ الإسلام كالزهري وشعبة والثوري وغيرهم يقولون: إن هذا قد حفظ هذه الأسانيد كلها، ولا يقولون: إن هذا يعارض هذا، بخلاف غيرهم، يعني إذا كان حفظه ليس بذاك الحفظ والإتقان تجد أن العلماء يقولون: إنه اختلط عليه الحديث، اختلط عليه هذا الحديث، فأحيانا يرويه عن هذا الشيخ وأحيانا يرويه عن هذا الشيخ، وأحيانا بعض الناس يروي أو بعض الأئمة يروي الحديث يجمع فيه شيوخا كثيرون وتجد أنه لا يميز بين رواياته، وحصل ذلك لحماد بن سلمة، فكان يقول: حدثنا قتادة وثابت وحميد وعلي بن زيد بن جدعان، يذكرهم في رواية واحدة ولا يميز، أحيانا تكون بعضها مرسل وبعضها أيضا ألفاظها لم يذكرها هذا الشيخ وهكذا، فلا يميز. قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا جعفر، ابن جعفر هذا هو محمد بن ربيعة بن مسلم، وهو مؤذن مسجد العريان كما سيأتي، وقد وثقه ابن معين وغيره، قال: سمعت أبا جعفر يحدث عن مسلم أبي المثنى، وهو أبو المثنى مسلم بن المثنى، قد وثقه أبو زرعة، وغلط فيه الحافظ فقال: مقبول، وإنما هو ثقة، قال: سمعت أبا المثنى مؤذن المسجد الأكبر يقول: سمعت ابن عمر، قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فإذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة. قال شعبة: لم أسمع من أبي جعفر غير هذا الحديث. قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، هو الذهلي، محمد بن يحيى الذهلي، إمام أهل نيسابور، قال: حدثنا أبو عامر، يعني العقدي، عبد الملك بن عمر العقدي، قال: حدثنا شعبة، أنا أبو جعفر مؤذن مسجد العريان، قال: سمعت أبا المثنى مؤذن المسجد الأكبر يقول: سمعت ابن عمر، أنا كأنه زاد رجلا في هذه الرواية، وهذا الظاهر من الأسانيد أو من متصل المزيد في متصل الأسانيد، معنى: زاده أبو عامر العقدي رجلا وهو أبو جعفر، أو لا، لم يزد، أبو جعفر مؤذن مسجد العريان وأبو المثنى مؤذن المسجد الأكبر، أي الظاهر في البصرة، يقول: سمعت ابن عمر. طيب، الحديث هذا فيه سنة الأذان وسنة الإقامة، وهذا الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الأذان مرتين مرتين والإقامة مرة مرة، أنا يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، إلى آخر الأذان، والإقامة مرة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، إلا قد قامت الصلاة، فإنه يثنيها: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فهذا المعهود من الأذان، لكن قد جاءت روايات أنه كان النبي عليه الصلاة والسلام يكبر تكبيرة واحدة، معناها جملة واحدة: الله أكبر الله أكبر، دون التربيع، وهذا جاء في مسلم، لكن الظاهر أن بعض العلماء يقول: إنه لعله خطأ من بعض الرواة، وإلا فالأكثر على تربيع التكبير، فيجعل التكبيرتان تكبيرة واحدة: الله أكبر الله أكبر، هذه تكبيرة واحدة مكررة، أو أن المراد بالتربيع معناها أربع مرات على أنها الله أكبر كلمة واحدة فتكون أربع، وجاء أيضا كذلك في حديث أبي محذورة في صحيح مسلم: الترجيع في الأذان في الشهادتين، يعني يذكرهما بصوت منخفض ثم يذكرهما بصوت مرتفع، هذا الترجيع، وجاء كما قلنا في صحيح مسلم في حديث أبي محذورة وهو حديث صحيح، ففيه سنة زائدة وأخذ بها الشافعي رحمه الله كما في الأم، وكذلك أيضا هي الرواية عن أحمد مشهورة أنهم أخذوا بالترجيع وأنه سنة، وأما الإقامة فجاءت مفردة، وجاءت كذلك في حديث أبي محذورة مثنى بالتثنية، لكن الغالب أنها بالإفراد، وكله سنة، فهذا ما جاء في الأذان والإقامة، فالغالب في الأذان أنه مرتين مرتين والإقامة مرة مرة، هذا الغالب، لكن كما قلنا جاءت أحيانا بعض السنن يفعلها المؤذن أحيانا، فعلها المؤذن أحيانا، والله أعلم.