الدرس في التعليق على رسالة من وصايا السلف للشباب 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع الوصية الرابعة من سفيان الثوري بالحث على التعجل بطلب العلم في مرحلة الشباب قبل فوات الأوان، والوصية الخامسة من الحسن البصري بالأمر بطلب الآخرة وبيان أن طالبها يدركها مع الدنيا بينما فاتها طالب الدنيا. ويؤكد السلف على أن الشباب فرصة ثمينة لا تعوض للعبادة وطلب العلم.
يؤكد المقطع أن من جعل الآخرة همه كفاه الله أمر الدنيا وأتته راغمة مستدلاً بالحديث النبوي وأقوال السلف، وينبه إلى جواز العمل والكسب المشروع بشرط ألا تكون الدنيا أكبر الهم. ويختتم بوصية عون بن عبد الله للشباب باغتنام سن الشباب في الطاعة قبل فوات الأوان.
يحذر المقطع من الاغترار برؤية المعمرين وتأجيل التوبة، مستشهداً بمثل الزرع الذي قد يحصد عند كماله أو تصيبه الآفة قبل بلوغه. ويؤكد أن الموت يغلب على الشباب أكثر من الشيوخ، لذا على المسلم أن يعيش كغريب وعابر سبيل مستحضراً الموت صباحاً ومساءً.
يستعرض المقطع ثلاث وصايا: الحث على طلب العلم في سن الشباب مستدلاً ببعثة الأنبياء وهم شباب، والأمر باكتساب حرفة للاستغناء عن الناس وتجنب الذل كما نص أيوب السختياني، والنهي عن رفع الأصوات والكلام الجانبي في المساجد مستشهداً بفعل ثابت البناني وإنكار عمر بن الخطاب.
يحذر المقطع من إزعاج المصلين بالهواتف والأصوات في المسجد، ويؤكد وجوب البدء بتحية السلام الشرعية قبل أي تحية أخرى. وينصح الشباب باستغلال قوتهم ونشاطهم في طاعة الله قبل فوات الأوان، مع تذكير الشيوخ باغتنام ما بقي من عمرهم في العبادة.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإن شاء الله إتماماً لهذه الرسالة من وصايا السلف للشباب، وقد توقفنا في الدرس الماضي عند الوصية الثالثة. قال: الوصية الرابعة، ومن وصايا السلف رحمهم الله تعالى للشباب ما جاء عن زيد بن أبي الزرقاء، قال: خرج سفيان بن الثوري ونحن على بابه، فقال: يا معشر الشباب، تعجلوا ببركة هذا العلم. نعم، قال: تعجلوا ببركة هذا العلم، فإنكم لا تدرون، لعلكم لا تبلغون ما تؤملون منه، ليفد بعضكم بعضاً. فقوله هنا، وهو زيد بن أبي الزرقاء: خرج سفيان بن الثوري ونحن على بابه، وهذا فيه حرص الشباب في ذاك الزمان على أخذ العلم عن العلماء، وعن انتظار العالم عند باب داره من أجل أخذ العلم عنه. وقوله: يا معشر الشباب، تعجلوا ببركة هذا العلم، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله: أي انتهزوا فرصة شبابكم واغتنموها لتحصلوا العلم. تعجلوا بركة هذا العلم، يعني في هذه المرحلة، فاغتنموا هذه المرحلة، مرحلة الشباب. لماذا؟ قال: لأن الإنسان إذا كبر لا يكون عنده من النشاط والذاكرة والقدرة على الاستذكار مثل ما هو في مرحلة شبابه. فالشاب كما تقدم معنا يحصل من العلم ما لا يحصله الكبير، لقوة ذاكرته ولنشاطه وبعده عن الأمراض والأسقام. فلا شك أن الشاب ينبغي عليه أن يتعجل بركة هذا العلم، معناه أنه يجد ويجتهد في التحصيل وقت شبابه. ثم قال الشيخ عبد الرزاق: إضافة إلى ما يكتنفه من مسؤوليات وأعمال ومشاغل ومصالح، وهذا أمر كذلك حاصل. فإن الشاب يكون متفرغاً، ما عنده مسؤولية، ما عنده زوجة، ما عنده أولاد يقوم عليهم ويكد من أجل توفير لقمة العيش لهم، وما عنده وظيفة أو كذلك إدارة أو نحو ذلك، فهو متفرغ، فيجد من الوقت ما لا يجده الكبير الذي عنده من المسؤوليات، وعنده من المشاغل والأعمال التي تشغله عن طلب العلم. وهذا والله وجدنا لما كنا شباباً، تجد فراغاً مثلكم الآن، أنتم في هذا المركز، ما عندكم مسؤوليات من مساجد مثلاً أو دروس، أو كذلك أسر وأولاد، زوجات، وظائف، ونحو ذلك. لكن في فترة من الزمن يحتاج الإنسان إلى هذه الأمور ولابد، فيجد أن الوقت يضيق عليه، أن الوقت يضيق عليه. فإذن يستغل الشاب هذه الفرصة، جئت من بلدك بتجلسها هنا سنة أو سنتين، ينبغي عليك أن تحرص على كل لحظة وكل ساعة من هذه الفترة الزمنية حتى تحصل العلم، وحتى تنال بغيتك. فهذا معنى قوله: تعجلوا بركة هذا العلم. قال: وأيضاً فإن مرحلة الشباب تنقضي سريعاً، مرحلة الشباب بسرعة تنقضي، لأن الشاب يجد فيها من القوة ومن الاندفاع ومن كذلك الرغبة في كثير من الأمور، بخلاف كبير السن، بسبب ضيق وقته، وبسبب كثرة مشاغله، وبسبب كذلك هجوم الأمراض عليه. فلربما يرى الوقت يمشي بطيئاً، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط. يعني شبه الشاب شيئاً كان في كيسه ثم افتقده بأن سقط من هذا الكيس. هكذا شبه هذه المرحلة، مرحلة الشباب. وهذا يدل على سرعة انقضائها، سرعة انقضائها. ولذلك فإن كثيراً ممن كبر يندم على تلك المرحلة، لما يرى من يعني ألم الشيخوخة والكبر في السن، كما قال القائل: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب. أيش فعل المشيب؟ أتعبه وأقعده. فهو يتذكر أيام شبابه، يتذكر أيام شبابه، ربما في شبابه يستطيع أن يصلي صلاة القيام، صلاة الليل، فلما شاخ وكبر عجز عن ذلك. ربما في شبابه يستطيع أن يصوم من الأيام الفاضلة ما كتب الله له كالأثنين والخميس ونحو ذلك، فلما كبر لم يستطع الصيام، فهو يتذكر أيام شبابه، فأخبره بما فعل المشيب. قال: وقوله: فإنكم لا تدرون، لعلكم لا تبلغون ما تؤملون منه. قال الشيخ عبد الرزاق: فالشاب قد يؤمل أن يحصل من العلم كذا، وأن يحفظ كذا، وأن يقرأ من الكتب كذا، وغيرها من الأمور التي يؤملها، فلا يحصل. بمعنى أن الشاب يقول: أنا أريد أن أحفظ القرآن وأن أتقنه، وأريد أن أتضلع في علم الفقه، وأن أدرس كتب الفقهاء، يؤمل أشياء، فلعله لا يبلغ ما يؤمل، بسبب ماذا؟ عدم حرصه على التحصيل في وقت هذا الشباب. فإنكم لا تدرون، لعلكم لا تبلغون ما تؤملون منه. نعم، فيقول: سأحفظ القرآن، يمضي عليه الوقت وهو لم يستطع ذلك، فيشعر لو قد ظهر الشيب على رأسه، وإذا بقواه تضعف، ويدخل في سني الشيخوخة، ولم يحصل ما أمله، لسبب تفريطه وعدم كذلك انتهازه لفرصة الشباب. هذا معنى كلامه. قال: ولكن إذا جاهد نفسه واستعان بالله وحرص على اغتنام مرحلة شبابه، فإنه بإذن الله عز وجل يحصل خيراً عظيماً. وهذا نرى في المجتهدين، ممن يجتهد من الشباب في تحصيل العلم، فتجد ينال من الفائدة وينال من العلم الشيء الكثير، بسبب جده واجتهاده واستعانته بربه سبحانه وتعالى. قال: يقول الله ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فمن جاهد نفسه أعانه الله، أعانه الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله: ليفد بعضكم بعضاً. قال: في حث للشباب على اغتنام لقاءاتهم بالفائدة النافعة، وحسن تذاكر العلم. يعني أن الشاب إذا فتح الله عليه لا يبخل على إخوانه بمجالستهم، وبتعليمهم، وبطرح الفائدة عليهم. وهذا الأثر، أثر سفيان، أخرجه أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء. وأثر الإمام أحمد: شبهت الشباب، أو ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كم فسقط، ذكره الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء. قال: الوصية الخامسة، ومن وصايا السلف رحمهم الله للشباب ما ورد عن الحسن البصري رحمه الله، أنه كثيراً ما كان يقول: يا معشر الشباب، عليكم بالآخرة فاطلبوها. فكثيراً رأينا من طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا، وما رأينا أحداً طلب الدنيا فأدرك الآخرة مع الدنيا. كلام عظيم، وصية جليلة، يقول الحسن البصري، وهو الذي قيل أن كلامه يشبه كلام الأنبياء، لما في كلامه من الحكم ومن النصح ومن الإحكام. ففي هذا الأثر ينادي الشباب: يا معشر الشباب، عليكم بالآخرة فاطلبوها، اطلبوا الآخرة بالإقبال على الله، بطاعة الله عز وجل، بطلب العلم، برجاء عند الله عز وجل، فاطلبوا الآخرة. ثم حث ورغب في ذلك، فقال: فكثيراً رأينا من طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا. وهذا كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: من أراد الآخرة فعليه بطلب العلم، ومن أراد الدنيا فعليه بطلب العلم. طلب العلم سبب لكل خير، سواء كان من خير الدنيا أو خير الآخرة. هنا الحسن البصري يقول: فكثيراً رأينا من طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا، تفرغ لطاعة الله وأقبل على الله، فأتته الدنيا وهي راغمة. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همه شتت الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له». فهذا هذا المعنى، كم رأينا من طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا، إي والله، رأينا ذلك بأم أعيننا. كم من طلاب العلم الذين في أول طلبهم للعلم يقال عنهم أنهم ضائعون، وأنهم كذلك ماذا؟ ضيعوا مستقبلهم، ونحو ذلك من تلك العبارات التي فيها من سوء الظن بالله عز وجل، فما هي إلا فترة يسيرة، فإذا بالدنيا تأتي إليهم وهي راغبة، فمنهم من تزوج، ومنهم من كذلك فتح الله عليه بفاعل خير يتكفل بجميع أمور شؤونه، أو بقيامه بدعوة أو بمسجد، في يكرم من قبل أهل هذا المسجد إكراماً عظيماً. فصدق الحسن البصري رحمه الله حين قال: فكثيراً رأينا من طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا، وما رأينا أحداً طلب الدنيا فأدرك الآخرة مع الدنيا. ائتني بشخص تاجر منشغل بالدنيا، منكب عليها، وهو من أهل الآخرة، من أهل التقى، من أهل العلم، من أهل الفضل، ما تجد ذلك. قال الشيخ عبد الرزاق: وهذا تنبيه عظيم جداً من الإمام الحسن البصري للشباب، بأن يجعل همه الآخرة، وأن يعتني بتحصيلها، وأن يشغل وقته بما يقربه من ربه، فإن فعل ذلك فإن الله عز وجل يمن عليه بنصيبه وحظه من الدنيا. كان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى، بثقته بربه، كان يقول لطلابه: والله لا يضيعكم الله يا طلاب العلم، لا يضيعكم الله. كيف يضيع الله عز وجل رجلاً أقبل عليه وطلب مرضاته، وتحمل الابتلاءات والمشاق والمشاق من أجل نصرة دين الله عز وجل؟ ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾؟ ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾؟ ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾؟ كيف ضيع الله عز وجل عبداً أقبل عليه؟ فكان شيخنا يربّي الطلاب ويصبرهم ويحثهم على الاستمرار على هذا الخير. قال الشيخ عبد الرزاق: ولا يفهم مما تقدم أن الإنسان يترك تحصيل ما يقيم دنياه ورزقه ومسكنه وملبسه، ويبقى عالة على الآخرين. بل لا يضر المسلم أن يعمل ويكدح ويحصل المال، ولو أصبح المال عنده كثيراً. لكن الذي يضره أن تكون الدنيا همه وبغيته ومقصده ومبلغ علمه، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا». وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً لسعد: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». الشيخ عبد الرزاق هاهنا نبه على أمر قد يفهم خطأ، وهو أن طالب العلم يبقى في طلبه للعلم ولا يتسبب في الرزق، أو يكون عالة على غيره، يكون عالة على غيره. فلا يمنع أن يكون للمسلم، أو أن تكون للمسلم مهنة أو وظيفة أو عمل يكتسب، وكذلك يقتات منه. فالمذموم هو الانشغال بهذا المال والميل إليه، وترك ما أمر الله عز وجل به، أو ارتكاب ما نهى الله عز وجل عنه من أجل هذه الدنيا أو هذا المال. فالله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم كذلك: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾. وكان أتقى الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، لهم من المهن والحرف والوظائف والأعمال. فأهل المدينة كان أكثر عملهم في الزراعة، والمهاجرون كان أكثر عملهم في التجارة والبيع في الأسواق. وردت آثار كثيرة عنهم، رحمهم الله، رضي الله تعالى عنهم. فلا ينكر على من أراد أن يجمع بين الاكتساب وبين طلب العلم والإقبال على الآخرة. فليس الشأن كل الشأن أن تعف نفسك، أن تتعفف ثم تكون عالة على غيرك، وإنما الشأن كل الشأن أن تستغني بنفسك عن غيرك، ولا تذل نفسك، ولا تسأل غيرك. فهذا هو الذي أراد الشيخ عبد الرزاق في هذا التنبيه. ومع هذا يقول مشايخنا: من كفاه الله أمر الدنيا، وعنده ما يكفيه، فتفرغ لطلب العلم، هذا أمر محمود. قال: لك أب أو أخ، اذهب اطلب العلم وأنا أكفيك، كما قالت أم سفيان الثوري لسفيان، قالت له: يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي. بعض الآباء يحب أن يكون ولده عالماً، شيخاً، طالب علم مستفيد، فبكل حب ورغبة ينفق هذا الأب على هذا الطالب أو هذا الابن، يتفرغ لطلب العلم، هذا أمر طيب. أو كذلك أخ عنده خير في الدنيا، فشجعك لطلب العلم، ويتعهدك بالنفقة، هذا أمر طيب. لا يعني تستبدل به غيره، فاستمر على هذا الخير. لكن من احتاج، ورأى نفسه أنه ثقيل على من ينفق عليه، أو أنه يتعرض ويسأل ونحو ذلك، فيكتسب ويجمع بين الأمرين، والله عز وجل يجعل له من أمره مخرجاً. قال الشيخ عبد الرزاق: فمن جعل همه الآخرة جمع الله عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، كما تقدم معنا في الحديث. ولكن من جعل همه الدنيا، جعل الله فقره بين عينيه، ولم يأتيه من الدنيا إلا ما كتبه الله عز وجل له. الوصية السادسة: قال، ومن وصايا السلف رحمهم الله للشباب ما جاء عن عقبة بن أبي حكيم، قال: كنا نجلس إلى عون بن عبد الله، فيقول لنا: معشر الشباب، أي معشر الشباب، يخاطبهم، قال: قد رأينا الشباب يموتون، فما ينتظر بالحصاد إذا بلغ المنجل، ويمس لحيته، ويمس لحيته، رحمه الله. ومعنى هذا الأثر ومراده، كما قال الشيخ عبد الرزاق: أن من بلغ هذا السن، يعني سن الشباب، فحان له أن يحصد، حان له أن يحصد. لأن الزرع إذا تم حان حصاده. الآن لما الشاب هذا يقوى ويكون قوياً يافعاً، هذا الآن مثل الزرع، لما يشتد ويكون قوياً، ويكون يعني قريب الاكتمال، قريب الاكتمال، فالزرع إذا اشتد وحان اكتماله، أيش يفعل به؟ يحصد، يخرج من زرعه ويستفاد منه، كما هو معلوم. فهذا يقول: أن من بلغ هذا السن حان له أن يحصد، لأن الزرع إذا تم حان حصاده. قال: والذي كبر أيضاً دنت منيته، خلاص، إذا وصلت مرحلة الشباب ما بقي إلا الشيء اليسير، ثم تدخل في مرحلة الكبر. فذكر لهم ذلك لماذا؟ لينبههم أن لا يغتر الإنسان برؤيته لمن أمد له في العمر، لأن كثيراً من الناس يغتر عندما يرى بعض المعمرين، ويظن أنه سيبلغ من العمر مثله، فيفرط في كثير من الأمور، يسوف ويؤجل. وكما قيل: يُعَمَّر واحد فيغر قوماً. هذا الواحد يغر قوماً، وينسى من يموت من الشباب. يعني الآن كثير من الشباب، ربما إذا نصحته لما ترى عليه من المعاصي ومن كذلك الكبائر والموبقات، يقول لك: يا أخي، خلينا نمتع بشبابي، أنا الآن ما زلت شاباً صغيراً، بعدين إذا صرت مثلك، لحيتي بيضة، سأتوب وأرجع، ويحسن حالي، ويستقيم حالي. هكذا كثير من الشباب. فهنا عون بن عبد الله يقول: قد رأينا الشباب يموتون. أنت أنظر في واقعك، كم تعرف من أقرانك، أي ممن هم في سنك، أو كذلك ممن هو أصغر منك، قد وافتهم المنية، وباغتهم الأجل، وهم في ريعان الشباب، وهم في ريعان الشباب. فلا تغتر بمن ترى من كبار السن الذين عمروا إلى هذا السن، لا تغتر، لا تنظر بعين واحدة، تنظر للكبير فقط، طيب، انظر لمن مات من الصغار، كم ماتوا من الصغار، ما تعتبر بهذا؟ كما قال الشاعر في هذا البيت: يعمر واحد، رأوا واحد شيخ كبير، قالوا: نحن سنكون مثل هذا، فيغر قوماً، هذا الواحد يغتر به جماعة كبيرة من الشباب، وينسى من يموت من الشباب. قل: رأيت هذا الواحد الكبير فقط، طيب، تذكروا من مات من الصغار. قال الشيخ عبد الرزاق: وفي المعنى نفسه جاء عن الحسن البصري أنه قال ذات يوم لجلسائه، وكان فيهم شيوخ وشباب، مجلس مختلط فيه شباب وفيه شيوخ. ماذا قال لهم الحسن البصري؟ قال: يا معشر الشيوخ، ما ينتظر بالزرع إذا بلغ؟ قالوا: الحصد. إذا خلاص الزرع اكتمل واشتد، فما له إلا القطع، حصد، يقطع. ثم توجه إلى الشباب، قال: يا معشر الشباب، إن الزرع قد تدركه العاهة قبل أن يبلغ. فهو يقول: لا تغتر أيها الشباب، لا تغتر أيها الشباب. الآن الشايب هذا الكبير، ما مثله إلا كمثل الزرع إذا سلم وقوي وحان حصاده، هذا هذا حال، هذا حال الشيوخ. فالشيخ ما ينتظر إلا الحصاد، خلاص يأتيه الموت ويقطع عجلة. لكن الزرع قبل أن يكتمل، أليس هو عرض للعاهة؟ يعني للفساد، يفسد قبل أن يكتمل. كم من زروع فسدت قبل أن تكتمل؟ قالوا: هذه السنة الخريف ضعيف، ليش ضعيف؟ قالوا: لأن جاءت آفة، بينما هو في النخيل جاءت مطر، وهذا المطر إذا بدأ الزرع فيه، أو بدأ النخل فيه الطلع، يفسد هذا المطر. انظر هذه عاهة. قالوا: السنة هذا العليم ضعيف، ليش؟ قالوا: جاءت آفة، جاءت مثل السوسة، وخربت هذا الإنتاج، خربت هذا الإنتاج. إذن الزرع قد تأتيه الآفة قبل أن يكتمل، وهذا هو من الشباب، الشاب قد تأتيه الآفة قبل أن يكتمل، فتقطع أجله هذه الآفة، فيموت. فهذه موعظة للجميع، وهذا المجلس فيه كبار وصغار، صح، وهو فيه شباب وفيه شيوخ، فهي موعظة لنا جميعاً. نقول للكبار الشيوخ: ما ينتظر بالزرع إذا بلغ؟ لماذا عنا نتعلق بالدنيا، ونريد أن نعمر، ونريد أن نبني، ونريد أن نجمع المال، ونريد ونريد في هذه الدنيا، والزرع قد بلغ، فما ينتظر بعد بلوغه إلا الحصد والقطع؟ فما علينا إلا أن ننتظر حصادنا، معاشر كبار السن. وأما الشباب فيقال لهم: إن الزرع قد تدركه العاهة، انتبه، هل تضمن أنك تعيش إلى أن تبلغ مرحلة الشيوخ؟ لا تأمن ولا تضمن، الموت يأتي لكل أحد، وكم من صغير، وكم من صغار يرتجى طول عمرهم، وقد أدخلت، وقد أدخلت أكفانهم ظلمة القبر. نعم، كم من صغار من جيراننا، من أقاربنا، من زملائنا، ذاك بحادث، ذاك بحادث سيارة، وذاك بغرق، وذاك بموت في حرب، وذاك نام ولم يقم، وذاك وذاك بمرض، ونحو ذلك. فإذا هذه موعظة عظيمة لنا جميعاً. قال: فينبغي للمسلم أن يكون حاله كما جاء في الأثر، وهو حديث عبد الله بن عمر في البخاري، لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبه، وقال له: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». ثم كان يقول ابن عمر: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء. المسلم لا يؤمل، لأن الموت قد يأتيك، وكن دائماً على استعداد، كن دائماً على استعداد. إذا فتحت عينيك عند قيامك من النوم، تقول: ماذا؟ الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور. الحمد لله، أحياك الله، وإلا كم من شخص نام فلم يقم، أتى أهله يوقظونه فلم يقم، كانت كانت نومته الكبرى، وأنت أذن الله لك بذكره وأحياك. إذا تحمد الله، وهكذا إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، لا تنتظر الصباح. فمن أذكار النوم: ماذا؟ «اللهم إني وضعت جنبي، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». فهذا أيضاً فيه هذا المعنى، أن الإنسان لا يطيل الأمل، ويستعد للموت صباح مساء. قال: قال ابن الجوزي رحمه الله: يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعداً، ولا يغتر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان. ولهذا ينذر من يكبر. هل هذا كلام صحيح؟ ها، الآن لو نظرت بيننا في طيبة هنا، كم الكبار وكم الشباب؟ ها، كم الكبار وكم الشباب؟ الكبار قليل، صح، الكبار قليل. لماذا قليل؟ لأن ما أحد يبلغ سنهم إلا فيما ندر. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل من يتجاوز ذلك». فإذا أقل من يموت الأشياخ، نعم، وأكثر من يموت الشبان، لأن الشبان ما يبلغون سن الشيوخ، فالقليل من يبلغ سن الشيوخ، فالقليل من يبلغ سن الشيوخ. ولذا قوله هذا ينذر من يكبر، يعني ما يصل أحد سن الكبار إلا فيما ندر، إلا فيما ندر. وسيأتي معنى أثر يدل على هذا المعنى، ووصية تدل على هذا المعنى، إن شاء الله. قال: وشاهد ذلك أنك إذا نظرت في الأسر فستجد المعمرين قلة. اعمل نظر إلى كثير من البيوت الآن، كم في هذا البيت من كبار السن، وكم فيه من الشباب؟ تجد من كبار السن قليل، المعمرين قلة. لماذا يكون في البيت عشرين معمراً، خمسة عشر معمراً من جملة مثلاً ثلاثين نفراً في هذه الأسرة؟ لأن الكبير ما يصل إلى هذه المرحلة إلا القليل منهم. وهذا كلام حق. فلذا قال: وشاهد ذلك أنك إذا نظرت في الأسر ستجد المعمرين قلة، وأكثر من يموت يكون في مرحلة الشباب أو الطفولة. لعله حان وقت الآذان. الوصية السابعة: ومن وصايا السلف رحمهم الله للشباب ما جاء عن قابوس بن أبي ظبيان، قال: صلينا يوماً خلف أبي ظبيان صلاة الأولى، ونحن شباب كلنا من الحي، إلا المؤذن، فإنه شيخ. انظر هذا يؤكد والمعنى المتقدم، أن الكبار قليل، لماذا؟ لأن القليل من يصل إلى هذه السن. فانظر هذا يقول: ونحن الشباب كلنا من الحي، إلا المؤذن، فإنه شيخ، فقط واحد، واحد فقط المؤذن الكبير، الباقي كلهم شباب. قال: فلما سلم، أي أبو ظبيان، قال: التفت إلينا، ثم جعل يسأل الشباب: من أنت؟ من أنت؟ فلما سألهم، قال على وجه الحث والتشجيع والتنشيط لهم: إنه لم يبعث نبي إلا وهو شاب، ولم يؤت العلم خير منه وهو شاب. وهذا صحيح، الله عز وجل يقول عن نبيه إبراهيم: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾، وقالوا: ماذا؟ لما هدنا أصنامهم، قالوا: سمعنا فتى يذكرهم، يقال له إبراهيم. ونبينا عليه الصلاة والسلام بعث في ريعان شبابه، بسن الأربعين، وهكذا غيره من إخوانه من الأنبياء. ثم قال: ولم يؤت العلم خير منه وهو شاب، يعني ما يتضلع في العلم ويستفيد في طلب العلم خير منه وهو شاب، يعني في سن الشباب، في سن الشباب. قال: فنبههم على اغتنام خيرية الشباب وبركته، وأنه الفرصة العظيمة للتزود والتحصيل، واستغلال النشاط والقوة. فاحرصوا يا شباب على أن تأخذوا العلم في هذا السن. قال: الوصية الثامنة، وهذا الأثر رواه أبو خيثمة في كتاب العلم. قال: الوصية الثامنة، ما رواه الإمام أحمد في كتابه الزهد، عن عبد الوهاب الثقفي، قال: خرج علينا أيوب السختياني، فقال: يا معشر الشباب، احترفوا، لا تحتاجون أن تأتوا أبواب هؤلاء، وذكر من يكره، يعني لعله يقصد الأمراء أو المتكبرين أو المنانين أو نحو ذلك ممن يكره. فقوله: احترفوا، يعني اجعلوا لكم حرفة من بيع أو شراء أو صناعة أو مهنة أو نحو ذلك، حتى لا تحتاجون إلى أهل. سفيان الثوري كان يقول: لولا مهنة هذه لتمندلوا بي. أيش معنى تمندلوا بي؟ يعني أذلوني وأهانوني، لأن المنديل يهان، تأخذ المنديل وتطبع فيه البصاق، وأعقبكم الله المخاط، وهكذا. من احتاج إلى الناس، من احتاج إلى الناس، أذلوه وأهانوه واستصغروه. قيل للحسن البصري: لماذا يحبك الناس؟ فقال: لأنهم احتاجوا إلى علمي، ولم أحتج إلى دنياهم. احتاجوا إلى علم ينتفعون به، وهو ما ينتفع منهم بشيء، ما يطلبهم شيئاً، ما يأخذ منهم شيئاً. وهذا هو من أعظم أسباب محبة الناس للعالم العفيف المتعفف، الذي ينفع الناس، يعلم الناس، ويدعو الناس إلى الخير، ولا يطلب من الناس شيئاً، ولا كذلك يعطي هذا العلم من أجل دنيا يصيبها، أو من أجل مال يجمعه. ما يحتاج إلى الناس، والناس يحتاجون إليه، لا شك أن هذا سيكون عندهم محبوباً، لأن الناس يكرهون من يأخذ من أموالهم، ويتعرض لأموالهم. فهذا الأثر بهذا المعنى: لا تحتاجون أن تأتوا أبواب هؤلاء، وذكر من يكره. قال: ومعنى كلامه، قال الشيخ عبد الرزاق: ومعنى كلامه أن يكون للشاب مع تحصيل للعلم حرفة يكتسب بها مالاً ورزقاً، ينفق به على نفسه. قلنا: هذا إذا احتاج، أما إذا لم يحتج، إنسان مثلاً عنده ما يكفي، معه بيت مثلاً مؤجر، عنده زراعة يعمل فيها عامل، عنده تجارة، عنده عمال يعملون، ما يحتاج أن يعني يعمل بنفسه، وأحب أن يتفرغ لطلب العلم، فهذا أمر يشكر عليه. أو طالب علم كفاه أحد أقاربه بمحبة ورغبة في ذلك، وأنفق عليه على أن يطلب العلم، فهذا أيضاً ليس بمذموم. وإنما المذموم أن يطلب العلم، يتفرغ، ثم يتعرض للناس، أو يذل نفسه، أو كذلك يكون عالة على غيره. قال: وفيما بعد على أهله وولده، يعني ينفق به على نفسه، أو فيما بعد على أهله وولده، وأن لا يكون عالة على الآخرين، حتى لا يحتاج إذا كبر أن يذهب إلى فلان أو إلى فلان لطلب المعونة والمساعدة. بمعنى أنه يجعل له مهنة أو حرفة مستمرة تدر عليه بما يكفيه، كتجارة مستمرة، أو كذلك بناء بيت ليدر عليه بمال يكفيه، أو نحو ذلك، فهذا أيضاً ينفعه عند الكبر، وعند العجز عن العمل، ونحو ذلك. قال: وأبرك الرزق وأنفعه وأطيبه ما كان من كسب اليد، أو وردت في ذلك أحاديث كثيرة. الوصية التاسعة: ومن جملة وصايا السلف للشباب ما جاء عن جعفر، قال: كان ثابت البناني رحمه الله يخرج إلينا، وقد جلسنا في القبلة، فيقول: يجلسون في القبلة، فيقول: يا معشر الشباب، حلتم بيني وبين ربي أن أسجد له. وكان قد حبب إليه الصلاة. ما معنى هذا؟ يعني أنهم كانوا يتكلمون، ويرفعون أصواتهم، ويشوشون عليه، يشوشون عليه، فهم يحيلون بينه وبين ربه في الصلاة، فيشوشون عليه. قال الشيخ عبد الرزاق: يشير رحمه الله إلى أن بعض الشباب الذين يلتقون ويجتمعون في المسجد، ويستغلون فرصة لقائهم بأصدقائهم في المسجد بالأحاديث الجانبية، ويكون إلى جوارهم من جاء المسجد ليعبد الله، ويطمئن في صلاته، ويخشع، فيحولون بينه وبين صلاته. فلا هم اشتغلوا في المسجد بالعبادة والذكر لله عز وجل، ولا هم تركوا من جاء ليعبد الله في المسجد أن يشتغل بالعبادة ويقبل عليها. وهذه الظاهرة للأسف الشديد استشرت وانتشرت في زماننا هذا، قل ما تجد مسجداً، حتى هذا المسجد، المراكز السنية، إلا وتجد من الشباب من يشوش على إخوانه طلاب العلم والعباد الذين يصلون ويقرؤون ويذكرون الله عز وجل. فهذا أمر مخالف لتعظيم شعائر الله، فالمساجد من شعائر الله، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. وقد أمر الله عز وجل بأن تعظم هذه المساجد، وأن لا كذلك يكون فيها ما لا يليق بها. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ الآية. فإذا نحذر من رفع الأصوات في المساجد، وكثرة الكلام فيها، والتشويش على العابدين فيها، فهذا مما أنكره السلف، ومما كذلك جاء بالنهي عنه. عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع، سمع شابين يرفعان أصواتهما في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لهما: من أين أنتما؟ فكانا ليس من أهل المدينة، غرباء، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً، أترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فانظر إلى إنكار عمر إلى هذين الشابين. فينبغي لنا أن ننكر ذلك، وأن لا نترك هذه الظاهرة تزيد وتكثر، فننبه بين حين وآخر على هذه الظاهرة، وأنها مما أنكرها السلف. قالوا: مما يحتاج أن يتنبه له الشاب، مراعاة حرمة المسجد، ومراعاة حرمة ومكانة أهل المسجد، لألا يشغلهم، لألا يشغلهم بأمور جانبية عن العبادة والقنوتين والخشوع في الصلاة. بعض المساجد، بعض الصلوات، ما تستطيع أن تصلي السنة من شدة رفع الأصوات من قبل الجالسين، وليت هذا الصوت بقراءة قرآن، أو بدرس علمي، أو نحو ذلك، قيل وقال، كلام في الرياضة، أو في السياسة، أو في الدنيا، يشوش على الناس. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن»، بالقرآن، إذا كان مصلي يصلي، وأنت تقرأ القرآن، لا يجوز لك أن ترفع صوتك بالقراءة، لأنك تشوش على هذا المصلي، هذا بالقرآن، فكيف إذا كان بكلام جانبي، كلام يعني فيه قيل وقال؟ فلا شك أن الحرمة أشد. ناهيك عما استجد في هذا الزمان من وسائل الاتصال التي يحملها الشاب في جيبه، ربما أشغل الناس في صلاتهم برنين هاتفه، أو برده على الهاتف، أو نحو ذلك، مما يحدث للناس تشويشاً في صلاتهم، وعدم الراحة والطمأنينة. وصدق حفظه الله، أحياناً تصلي، يأتي اتصال لأحد المصلين، ونغمته موسيقى، موسيقى، وإن كان الجوال يصعب عليه إقفاله وإغلاقه، جعله هكذا، وما تدري، تقرأ الفاتحة وما تقرأها، وماذا قلت في صلاتك؟ مرة صلينا وهكذا، أحدهم عامل نغمة يعني غنية لفريق من الفرق الرياضية، وحاول يغلقه ما استطاع، ثم اتضح أن الجوال لابنه، ليس له، وما يستطيع أن يغلق الجوال، المهم الصلاة كلها ونحن على هذه الأغنية، كل الصلاة ونحن على هذه الأغنية، الله المستعان، هذا مصيبة. وهكذا لربما إنسان جالس في المسجد، ليس وقت صلاة، يتصل به متصل، يرفع صوته كأنه في الشارع، ليس في المسجد، كأن لم يكن بجانبه أحد يقرأ القرآن أو يصلي، هذا خطأ. إذا أتيت بجوالك في المسجد، أغلقه، أو اجعل نغمة محترمة، قليل شيء، يعني فيها شيء من يعني عدم الإزعاج، وعدم الموسيقى والغناء، ونحو ذلك، فهذا مما يتنبه له. الوصية العاشرة: ومن جملة وصايا السلف للشباب ما جاء عن محمد بن سوقة، قال: لقيني ميمون بن مهران، فقلت: حياك الله، فقال: هذه تحية الشباب، قل بالسلام، أي سلم، أي قل: السلام عليكم، ما حياك الله. قال: وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه». وقوله رحمه الله: هذه تحية الشباب، أي أن بعض الشباب تستطيب نفوسهم نوعاً من التحية، ويرى أنها أجمل مما يكون عندما يلقى إخوانه أو زملاءه، فيترك السلام ويهجره، ويبدأ ببعض التحيات التي يرغب فيها ومال إليها، فربما اقتصر عليها وترك السلام، وربما أتى بالسلام بعدها، وهذا أيضاً ليس بصحيح. أنك تلقى أخاك وتحييه بتحية غير تحية السلام، بعضهم يقول له: صباح الخير، صباح النور، كيف، بعضهم يقول له: حياك الله، وبعضهم كذلك يأتي ربما بتحية بكلام أجنبي، باللغة الإنجليزية، ونحو ذلك. لا، ابدأ بالسلام، السلام عليكم، هذه تحية أهل الإسلام، ولا بأس بعد السلام أن تأتي بما اعتاده الناس، وما فيه محذور شرعي، كصباح الخير، صباح النور، أهلا وسهلاً، أو نحو ذلك، لكن أولاً تبدأ بالسلام، فهذا فيه تنبيه للشباب. الوصية الحادية عشرة: ومن جملة وصايا السلف رحمهم الله للشباب أيضاً ما جاء عن أبي المليح، قال: قال لنا ميمون بن مهران، ونحن حوله: يا معشر الشباب، قوتكم اجعلوها في شبابكم، ونشاطكم في طاعة الله. يا معشر الشيوخ، حتى متى؟ هذه وصية أولاً للشباب، ثم للشيوخ، جمع الوصيتين لهاتين الشريحتين من شرائح المجتمع، الشباب والشيوخ. فقال للشباب: يا معشر الشباب، قوتكم اجعلوها في شبابكم، يعني الأعمال التي تحتاج إلى قوة، اجعلوها الآن، لا تجعلوها بعد أن تضعف قواكم. حتى في أمور الدنيا، تريد أن تبني بيتاً، أيهما أفضل أن تبنيه وأنت شاب، وأنت شيخ كبير؟ أنت شاب، تستطيع أن تطلع سطح البيت، تستطيع أن تحمل الأثقال، تستطيع، هذا في أمور الدنيا، فكيف بأمور الآخرة؟ اجعل قوتك في شبابك، ونشاطك في طاعة الله، أنت الآن شاب، عندك نشاط، اجعلها في طاعة الله، فيما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى، لا في المعصية، وفي السفاسف، وفي كذلك الأمور التي لا تفيدك. وهكذا وعظ الشيوخ، فقال: يا معشر الشيوخ، حتى متى؟ حتى متى؟ وأنتم في غفلة، وأنتم في معصية، وأنتم في تكاسل، وكذلك تهاء في عبادة الله سبحانه وتعالى. قال الشيخ عبد الرزاق: أوصى رحمه الله باستغلال قوة الشباب ونشاطهم في طاعة الله عز وجل، وما يقرب إليه، ثم قال: يا معشر الشيوخ، حتى متى؟ يعني حتى متى تنتظرون ولا تستغلون حياتكم في طاعة الله عز وجل؟ الوصية الثانية عشرة: عن الفريابي، قال: كان سفيان الثوري رحمه الله يصلي، ثم يلتفت إلى الشباب، فيقول: إذا لم تصلوا اليوم فمتى؟ إذا لم تصلوا اليوم فمتى؟ وهذا فيه نصيحة للشباب الذي لا