باب الصبر من رياض الصالحين 13

باب الصبر من رياض الصالحين 13

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الصبر والاحتساب عند موت الأحبة

يروي الحديث وفاة ابن بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أمرها بالصبر والاحتساب، مبيناً أن الصبر واجب مقرون برجاء الأجر. وتظهر رحمة النبي في بكائه مع تأكيده أن الله يرحم من عباده الرحماء.

ملكية الله لكل شيء وحسن التعزية بالاسترجاع

يشرح المقطع أن كل ما يملكه الإنسان من مال وأهل وولد هو ملك لله، فلله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء بأجل مسمى. ويبين أن قول «إنا لله وإنا إليه راجعون» عند المصيبة يسلم لملكية الله ويحول الألم إلى منحة وزيادة إيمان.

ختام الدرس والإشارة لاستكمال المسائل لاحقاً

يعلن المحاضر عن انتهاء وقت الدرس الحالي ويؤكد على استكمال بقية مسائل الحديث في درس قادم إن شاء الله. ويختتم بالبسملة والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الصبر، الحديث الخامس: وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه، رضي الله عنهما، قال: أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ابني قد احتضر، فاشهدنا" يعني: احضر إلينا. قال: فأرسل يقرئ السلام، ويقول: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب". فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتي، النهى. فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وعبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال، رضي الله عنهم. فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي، فأقعده في حجره، ونفسه تقعقع، ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده»، وفي رواية: «في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». متفق عليه. ومعنى "تقعقع": أي تتحرك وتضطرب. ووجه الشاهد من هذا الحديث في باب الصبر: قوله عليه الصلاة والسلام لذلكم الرسول أن يقول لابنته التي ابنها يحتضر: «مرها فلتصبر ولتحتسب». ففيه دليل على وجوب الصبر. "فلتصبر": أي تحبس نفسها عن التسخط، وعن النياحة، وضرب الخدود، وشق الجيوب. "فلتصبر"، وتقرن هذا الصبر بالاحتساب. هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. ومعنى الحديث: أن أسامة بن زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة كان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عبدًا في أول الأمر، فأهدته إلى النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار مولى للنبي عليه الصلاة والسلام. وكان يلقب زيد بن حارثة بـ "حب رسول الله" أي: حبيبه، وابنه أسامة: "حب حب رسول الله" صلى الله عليه وسلم. يعني: أسامة بن زيد، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب زيدًا وابنه أسامة. فزيد: حب رسول الله، وأسامة: حب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر أسامة أن إحدى بنات الرسول أرسلت إليه رسولًا، يعني: شخصًا يخبر ويبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن ابنها قد احتضر، أي: حضره الموت، فهو في النزع، في اللحظات الأخيرة. فتطلب من الرسول أن يحضر وأن يأتي ليخفف عنها هذا المصاب. فبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الرجل الذي أرسلته ابنته أن يمرها بالصبر، يعني: ما يستطيع أن يأتي إليها، وإنما يأمرها بالصبر والاحتساب. وقال: «فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى». فقوله: «فلتصبر»: أي فلتحبس نفسها عن السخط، وتتحمل المصيبة. وقوله: «ولتحتسب»: أي تحتسب الأجر على الله بصبرها. وانظر هنا: النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين الصبر والاحتساب، لأن بعض الناس لربما يكون عنده صبر، خلاص: هذا أمر واقع، ما معه إلا أن يحبس نفسه عن التسخط، لكن ما يستشعر الاحتساب. والاحتساب يخفف عنك المصيبة إذا علمت أجر الصابرين، وأن الله عز وجل بصبرك هذا يرفع درجاتك، ويثيبك الثواب الذي لا حد له: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. إذا استشعر المصاب هذا الأمر، نال أجر الصبر، ونال كذلك الأجور الكثيرة، وهذا يكون سببًا في تخفيف المصيبة عليه. عندما يحتسب المرء عند نزول المصيبة، فهذا الاحتساب يخفف عنه ألم المصيبة. فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصبر والاحتساب. نعم، ثم قال: «فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى». هذه جملة عظيمة. ولذلك، من... يعني: ربما نحن نقولها للمصاب بدون معرفة معناها، وبدون استشعار كذلك معناها. فما معنى: «فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى»؟ يعني: إذا كان الشيء كله لله، فإن أخذ منك شيئًا فهو ملكه. فهذا الشيء عندك كالوديعة. أرأيت لو أن إنسانًا قال لك: ضع هذا الذهب عندك وديعة، متى ما أردت أخذه جئت وأخذته منك؟ فإذا جاءك وأخذ هذا المال، هل تشعر بالحسرة والندامة، وتشعر بأنه أخذ منك شيئًا تستحقه؟ لا، لأنه حق هذا الذي أعطاك إياه، ثم طلبه منك. وهكذا كل ما تملك فهو لله: من مال، من زوجة، من ولد، من وظيفة، من سيارة، من أي أمر أنت تملكه، فهو ملك لله سبحانه وتعالى. فلصاحب الملك أن يأخذ ملكه متى شاء. «فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى». أخذ عليك هذا المال، فهو الذي أعطاك إياه. ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾، هو الذي آتاك هذا المال، وهو الذي أخذه منك. هذه كلمة عظيمة، والله لو استشعرناها لما ندمنا على مصيبة نزلت بنا، ولا جزعنا، ولا حزنا؛ لأن لله ما أخذ، وله ما أعطى. وله ما أعطى، فالأمر كله لله. الملك ملكه، والعطاء عطاءه، والمال ماله، بل والنفس التي بين جنبيك خلقه سبحانه وتعالى، فله أن يأخذها متى شاء. فهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى». ولذلك ذكر أهل العلم، ومنهم الشيخ ابن عثيمين، أن هذه الصيغة في العزاء من أفضل الصيغ، من أفضل الصيغ؛ لأنها واردة عن نبي صلى الله عليه وسلم، ولأن معناها معنى جليل وعظيم. لو استشعرها المصاب، والله لكانت كافية في تعزيته، وفي تخفيف المصاب عنه. نعم، ثم قال: ومثل قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ما معنى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾؟ يعني: ملك لله، يفعل بنا ما يشاء. هو الذي أوجدنا على هذه البسيطة، وهذه الأرض، وهو يأخذ ويقبض أرواحنا متى شاء. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: هو الذي خلقنا، وهو الذي يرجعنا ويردنا إليه سبحانه وتعالى. فهذا أيضًا مما ينبغي أن ينتبه له المؤمن عند المصيبة: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. أصبت بولدك، أصبت بزوجتك، أصبت بمالك، أصبت بأي مصيبة. والله لو قلت هذه الكلمة بإيمان، وتمعن، وتفكر، وتدبر، لزالت عنك آلام هذه المصيبة، ولا أصبحت هذه المصيبة منحة ونعمة، وزيادة إيمان، وهداية في قلبك، كما قال الله عز وجل: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، يهدي قلبك. وللحديث بقية، لانتهاء الوقت. نكمل بقية مسائل الحديث إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى.