الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 154، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن الأمر الإلهي "كونوا قوامين بالقسط" يلزم المسلم بالعدل في حقوق الله بعدم استخدام نعمه في المعصية، وفي حقوق الناس بأداء الواجبات والمعاملة بالمثل. ويؤكد أن الدين والأمة يقومان على العلم والعدل بينما الظلم والجهل هما مصدر الفساد.
يوضح المقطع أن القسط الحقيقي يقتضي الإنصاف في الكلام والشهادة دون ميل للأقارب أو المحبين، مستنداً إلى حديث النبي ﷺ عن الموت على الإيمان والتعامل بالعدل. كما تستند الآية القرآنية التي تأمر بالشهادة لله حتى على النفس والوالدين إلى هذا المبدأ.
يجب على الشاهد أن يؤدي شهادته مستنداً إلى علم ويقين حسي، لا يميل للغني ولا للفقير، لأن العدل والقسط من أعظم مقامات الإيمان. واتباع الهوى يعيق عن إقامة العدل فيعمي البصيرة أو يحمل على ترك الحق، لذا أمر الله بترك الهوى ليهتدي العبد إلى الصراط المستقيم.
الهوى يمنع الإنسان من إقامة القسط والعدل بين الناس سواء كان حاكماً أو شاهداً، مما يؤدي إلى انحراف الأحكام وظلم العباد. لذا يجب التخلص من الهوى للانتفاع بالدرس والعمل بالعدل في جميع المواقف.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. قال رحمه الله: يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله. والقوام صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط، الذي هو العدل في حقوق الله وحقوق عباده. فالقسط في حقوق الله: أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته، هذا من العدل. وقال: والقسط في حقوق الآدميين: أن تؤدى جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك، فتؤدي النفقات الواجبة والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من الأخلاق والمكافأة وغير ذلك. فهذا هو العدل. فهذا الدين قائم على العلم والعدل، وهذه الأمة قائمة على العلم والعدل، فلذلك يفلح الإنسان إذا عامل الله عز وجل بعلمه وكذلك بعدله. ومن ذلك كما ذكره الله عز وجل: أن لا يصرف ولا يستعان بنعمه على معاصيه، لأن النعم منه سبحانه وتعالى تصرف في طاعته، فهذا العدل، وإلا كان ظلمًا. لهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. فصفة الظلم وصفة الجهل هما اللتان يكون فيهما فساد بني آدم، أو هما يكون فيهما صفات بني آدم. وصفة العلم والعدل، وصفة العلم والعدل، وصفة العلم والعدل، وهما يصلحان بني آدم. وأيضًا يكونون قوامين وكذلك أهل حق، فبالعلم والعدل قامت هذه الأمة. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قالوا: من أعظم أنواع القسط: القسط في المقالات والقائلين. وقد ذكر رحمه الله أن في هذا العدل وهذا القسط في حقوق الله وفي حقوق الآدميين. ففي حقوق الله: ألا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته. وفي حقوق الآدميين: أن تؤدى جميع الحقوق التي عليك، أو تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب، كما تطلب حقوقك. كما أنك أنت تريد حقك وتريد حقوقك، فكذلك الناس. لهذا القاعدة العظيمة التي قعدها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ». مَنِيَّتُهُ: أي موته. فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، أي: ثابت على الإيمان. قال: «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ النَّاسَ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ». ولهذا قال المؤلف رحمه الله: وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من الأخلاق والمكافأة وغير ذلك. فكما أن الناس يحترمونك فيجب أن تحترمهم، وكذلك كما أن الناس أيضًا يعاملونك بالمحبة والمودة والمكافأة، وكذلك أنت. قالوا: من أعظم أنواع القسط: القسط في المقالات والقائلين. فلا يحكم لأحد القولين أو أحد المتنازعين لانتسابه أو ميله لأحدهما، بل يجعل وجهته العدل بينهما. لا يميل إلى أحد المتنازعين لأجل أنه يحبه، أو لأجل أنه من قبيلته، أو لأجل أنه من أقربائه، فإن هذا ليس من العدل. قالوا: من القسط أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان، حتى على الأحباب، بل على النفس. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾. أي: فلا تراعوا الغني لغناه، ولا الفقير بزعمكم رحمة له، بل يشهدوا بالحق على من كان. أن الواحد يشهد بالحق الصدق وبما رأى، لأن الشهادة تحتاج إلى علم، والعلم يكون بالرؤية أو بالسمع أو بالمس، يعني يكون بشيء محسوس. فيحتاج إلى أن يكون هناك في شهادتي شيء محسوس، إما سمع وإما رأى رؤية، وغير ذلك. فيشهد على علم، يشهد على يقين، وإلا كانت شهادة زور. قال: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾. قال: والقيام بالقسط من أعظم الأمور، وأدل على دين القائم به وورعه ومقامه في الإسلام. ولهذا كان لهم الدرجات العلى، أهل العدل والقسط الذين يعدلون في أحكامهم وفي أهليهم وما ولوا. قال رحمه الله: وقال: والقيام بالقسط من أعظم الأمور، وأدل على دين القائم به وورعه ومقامه في الإسلام. فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم به غاية الاهتمام، وأن يجعله نصب عينيه ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به. وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى، ولهذا ذكره الله عز وجل. قال: أي: ولهذا نبه ربنا جل وعلا على إزالة هذا المانع في قوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا﴾. أي: فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق، فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل. فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلًا والباطل حقًا، وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه. فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى صراط مستقيم. فالذي يجعل هواه هو الذي يتصرف به، فإنه يضله. ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾. فقال الله عز وجل: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فلذلك اتباع الهوى يمنع من العدل، من العوارض والموانع. الهوى فهو يمنع من القسط والعدل بين الناس، سواء كنت حاكما أو شاهدا. طيب، إن شاء الله تعالى نتفع بهذا، ونكون في درس الله.