الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 122، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث أنس بن مالك عن خلوة النبي ﷺ بامرأة أنصارية في سكة المدينة، موضحاً جواز ذلك لكونه في مرأى من الناس وآمناً من الريبة، كما يبين جواز وقوف الرجل مع المرأة في طريق عام لقضاء حاجة شرعية بشرط الأمن من الفتنة، مع الإشارة إلى فضل الأنصار وأن حبهم إيمان وبغضهم نفاق.
يبين المقطع أن النبي ﷺ كان يبتعد عن أصحابه لسماع شكوى المرأة مع بقائه في مرآهم، مستدلاً على جواز الخلوة للحاجة بشرط أمن الفتنة وانكشاف المكان، ثم يعرض خلاف العلماء المعاصرين في ركوب المرأة وحدها مع سائق الأجرة بين التحريم والجواز بضوابط كقرب المسافة وانفتاح النوافذ وصلاح السائق، مع ترجيح الاحتياط بالاجتناب في المسافات البعيدة.
يحذر المتحدث من سفر المرأة وحدها مع السائق في مسافات بعيدة معتبراً ذلك خلوة محرمة لا تجوز، وينصح المرأة بالاحتياط وتجنب مثل هذه المواقف التي تفضي إلى المحظور.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس». بعدما ذكر الإمام البخاري عدم جواز الخلوة بالمرأة، ذكر مسألة، وهذا من فقهه رحمه الله: إذا خلا بامرأة لكن عند نظر الناس، بمعنى أن الناس يمرون في ذلك المكان ويرونه، فهذا جائز، خاصة إذا كان من أهل الصلاة، ويعلم أن هذه المرأة لها حاجة. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، وهو بندار، قال: حدثنا غندر ومحمد بن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، شعبة بن الحجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، قال: عن هشام، هشام هو ابن أبي عبد الله، ابن أنس، ونجد أنس بن مالك، قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي عليه الصلاة والسلام فخلا بها، فقال: «والله إنكم لأحب الناس إلي». فهذا الحديث فيه أن امرأة من الأنصار جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام. جاء في رواية في مسلم أنه كان في عقلها شيء، وجاء أيضا في رواية في مسلم أنه قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «اختاري أي سكة تريدين أن أقضي حاجتك فيها»، على أي مكان الذي تريدين. وجاء أيضا في الصحيحين في حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام كانت الجارية تأخذ بيده حتى تأتي به إلى سكة، سكة من سكك المدينة، فيقضي لها حاجتها. وهذا من تواضعه صلوات الله وسلامه عليه، أنه يلبي حتى لهؤلاء القصر، يلبي حاجاتهم عليه الصلاة والسلام. ووجه الشاهد من هذا الحديث قوله: «فخلا بها»، أي في سكة من السِّكك، فهذه خلوة جائزة، هذه خلوة جائزة لأنها عند الناس، وليس فيها اشتباه، إلا إذا حس الرجل أن فيها اشتباها، فإنه يفعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى رجلين، أو لما مر رجلان من عند النبي صلى الله عليه وسلم وكانت عنده صفية لما جاءت وهو معتكف، فأسرعا في المشي، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحركة منهما قال: «على رسلكما، إنها صفية». فقالوا: يا رسول الله، نشك فيك؟ يا رسول الله. قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». فهذا إذا حس الإنسان أن هناك شيئا من الشك والريبة، وإلا فأصل الجواز أن الإنسان مثلا تكلمه امرأة في سكة من السِّكك، قد تكون مثلا من محارمه، وقد تكون أيضا من غير محارم، تحتاج إلى شيء، وخاصة إذا كان هذا الرجل من أهل الصلاة وأهل العلم، فتحتاج المرأة إلى أن تسأله مثلا أحيانا، فيمكن أنه يخلو بهذه المرأة في ناحية عند نظر الناس، ليس في مكان وحدهما. ولأن أحيانا تحتاج المرأة أن لا يسمعها أحد في مسألتها، تحتاج إلى أن تسأل هذا العالم أو هذا الشيخ أو هذا الرجل الصالح، الذي قد تكون عندها مشكلة لا تدري أين تذهب حتى تشتكي، مثلا بزوجها، بأحد أقاربها، أو جيرانها، أو غير ذلك. فلا بأس أنها توقف الرجل في طريق مسلوك وتقف معه تسأله وتسر له بحاجتها، مثل ما فعلت هذه المرأة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وكانت لها حاجة، كما جاء في بعض الروايات، فخلى بها النبي صلى الله عليه وسلم في سكة من سكك المدينة. ومعنى السكة: هو الذي يسلك، مكان الذي يسلكه الناس، فوقف معها فشكت له. حتى أنس كان معه لم يسمع شكوها كلها إلا شيئا يسيرا، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام في آخره: «والله إنكم لأحب الناس إلي». يريد الأنصار وأبناء الأنصار ونساءهم وذراريهم. كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبهم، ولهذا ذكر هذا الحديث البخاري في فضل الأنصار، وذكره أيضا مسلم وبوب عليه: «فضل الأنصار». فقال: «والله إنكم لأحب الناس إلي». وجاء أيضا في الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر من عنده نساء وصبيان جاءوا من عرس من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إنكم لأحب الناس إلي». يريد الأنصار، يريد الأنصار رضي الله عنهم. كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الأنصار كثيرا، لما لهم من نصرة دين الله جل وعلا، وكذلك من حفاوتهم، وكذلك من مواساتهم للمهاجرين، وكانوا أيضا منيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمراد بمنيحة رسول الله: أن يهدون له المنايح من اللبن وغيره. وهذه كلها اجتمعت، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الأنصار كثيرا، حتى جعل آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار. وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». فلذلك سمع أنس كما قلنا هذه الكلمة، سمع أنس هذه الكلمة من النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان قريبا منه، لكنه لم يسمع ما قالت هذه الجارية، فكان معها أمر سر، فلذلك ابتعد عن الناس. ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الصحابة دائما معه يمشون معه، فلذلك يحتاج إلى أن يبتعد عنهم حتى تتكلم هذه المرأة بما تريد، فلذلك قال: «فخلا بها»، وليس أنه غاب عن أبصارهم، وإنما خلا بها، ابتعد عنهم في مكان لا يسمعون كلامها، حيث لا يسمع الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم كلامها وشكواها. فهذا، فهذا، هذا وجه الشاهد من هذا الحديث. وأيضا في هذا، كما قال بعض العلم في هذا الحديث: تعليم النبي عليه الصلاة والسلام للأمة كيفية الخلوة بالمرأة، وأنه لا يجوز، لا يجوز للرجل أن يخلو بامرأة ليس هناك أحد إلا هما، فإن الشيطان ثالثهما، كما جاءت في الحديث. لكن إذا أراد أن يخلو بامرأة والحاجة تدعو إلى ذلك، فيخلو بها أمام الناس، يخلو بها أمام الناس. ولهذا اختلف علماء العصر في مسألة ركوب المرأة مع السائق. اختلف علماء العصر في ركوب المرأة مع سائق الأجرة، كان يفتح الأجرة في المدينة، فهل يجوز المرأة تنفرد وحدها معه؟ فبعضهم العلم قال: لا يجوز، كالشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز، يقولون: أنه لا يجوز أنها تركب معه، ولو كان في المدينة، واعتبروا ذلك خلوة، اعتبروا هذا خلوة محرمة، وأدخلوه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا معها ذو محرم منها». وأجازه بعض العلم، كالشيخ أحمد بن منيع، وهو من علماء السعودية من العلماء الكبار، وكذلك الشيخ محمد إبراهيم في بعض فتاواه، فقالوا: إذا أمنت الفتنة، أمنت المرأة على نفسها، والطريق قريبة، ليست بعيدة، وليست فيها خلوات عن الطريق، ليست فيها خلوات، وإنما هي في المدينة والأبواب مفتوحة، أقصد الزجاج مفتوح، بمعنى يرى الناس هذه المرأة ويرى الرجل، ليس أن الزجاج مغلق أو مضلل مثل الآن. فبهذه الاحتياطات تؤمن الفتنة غالبا، وأيضا يكون الرجل مأمونا، يكون الرجل معروفا من الناس، مثلا سائق باص أو سائق كذا معروف يأخذ النساء، وفيه شيء من الصلاح، أقل شيء أي أنه رجل مصلي وكذا. فمثل هذه الأشياء فيها قد يكون أمان للفتنة، فلذلك أجاز مثل هذا، واستدل بعضهم بهذا الحديث: إذا كانت الخلوة ليست خلوة بعيدة عن أنظار الناس، فيجوز أن يفعل ذلك. والأفضل والأحوط أن لا تفعل المرأة هذا، أن لا تكون مع رجل وحدها، لا تكون مع رجل وحدها وهو ليس بمحرم لها، وخاصة كما قلنا في المسافات البعيدة، لأن كثيرا من الآن يحصل لهم إشكال في مسألة هذا النقل الجماعي، تصعد مع نساء، لكن أحيانا تتأخر بعض النساء، تتأخر في نزولها، تنزل آخر واحدة، مثلا فيكون انفرادها، أو يكون انفرادها بالسائق في فترة يسيرة، وهي آخر شيء، وقد يكون بيتها غالبا قريب، فيحصل إشكال في مثل هذا. لكن كما قلنا: المرأة تحتاط لمثل هذا، لأن كثيرا الآن من الناس أو من السائقين تجد صعد المرأة وحدها، تكون المرأة وحدها في مسافات بعيدة، وهي وحدها مع السائق، وهذا خطأ، وهذه خلوة لا تجوز. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.