الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 140، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المؤلف تقسيم القصاص إلى قسمين: قبل الصراط في عرصات القيامة يشمل الإنس والجن والحيوانات، وبعده. ويستدل بأحاديث توضح أن حتى الشاة الجلحاء تُقتص من الشاة القرناء، وأن الذر يُقتص بعضه من بعض، محذراً من أن الحسنات تُؤخذ من الظالم وتُعطى للمظلوم.
يشرح حديث المفلس الذي تأتي حسناته ثم تذهب في مظالم الناس، مبيناً نوعي القصاص: في عرصات القيامة قبل الصراط، وبين المؤمنين الناجين بعد الصراط لتنقية القلوب. كما يفسر آية {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} موضحاً أن الله حرم الظلم على نفسه وعباده ويجازي بالفضل مضاعفاً الحسنات.
يستعرض آيات تؤكد عدل الله المطلق حيث لا يظلم مثقال ذرة، وكل نفس تجازى بما كسبت يوم القيامة بلا محاباة. ويشير إلى أن صيغة الماضي في ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ تؤكد وقوع الحساب والجزاء يقيناً، محذراً من الظلم حتى في القليل.
يحذر المتحدث من ارتكاب الظلم بحق الجار أو القريب أو الصديق أو أخذ المال بغير حق. ويؤكد ضرورة المبادرة بالتوبة إلى الله ورد الحقوق إلى أهلها والاستئذان منهم ليخرج الإنسان من الدنيا والآخرة بلا مطالبات.
الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، السؤال: مئة وخمسة وعشرون: ما دليل القصاص من الكتاب؟ الجواب: قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾. وقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ﴾ الآيات. وقوله تعالى: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. انتقل المؤلف رحمه الله تعالى بعد الكلام على الصراط إلى الكلام عن القصاص. والقصاص هو القود، يعني أخذ الحق للمظلوم من الظالم. وفي ذكر المؤلف القصاص بعد الميزان والصراط مناسبة، وهذه المناسبة هي أن القصاص ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: القصاص الذي يكون قبل الصراط. القسم الثاني: القصاص الذي يكون بعد المرور على الصراط. فطالما أن القصاص يكون قبل الصراط وبعده، ناسب أن يذكره بعد الصراط حتى يشمل القصاص الذي قبله والقصاص الذي بعده، وهي مناسبة لطيفة من المؤلف رحمه الله تعالى. وقولنا: إن القصاص ينقسم إلى قسمين، وهو ما يكون قبل الصراط. القصاص الذي يكون قبل الصراط هو الذي يكون في عرصات يوم القيامة، وهو القصاص العام الذي يقتص فيه من الخلائق أجمعين، ليس الإنسان فحسب، بل يكون القصاص بين الخلائق أجمعين. فمن كان منهم مظلوماً فإنه يأخذ حقه من ظالمه في هذا النوع من أنواع القصاص. فالقصاص يكون في هذا النوع أو في هذا القسم أو في هذا الموقف بين الإنس والجن، وبين الذكر والأنثى، بل وبين الحيوانات حتى. حتى بين الحيوانات يكون هناك قصاص، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك فيما جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «يُقْتَصُّ لِلْخَلَائِقِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ». الشاة الجلحاء: يعني التي ليس لها قرون، والشاة القرناء: التي لها قرون. لا شك إذا تضاربت الشاتان التي لها قرون ستغلم وستؤلم من لا قرون لها، ففي ذلك اليوم هذه الشاة الجلحاء المظلومة تأخذ حقها من تلك الشاة القرناء الظالمة. هكذا معنى هذا الحديث: «حَتَّى يُقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ». وقال عليه الصلاة والسلام: «حَتَّى يُقْتَصَّ لِلذَّرِّ مِنَ الذَّرِّ». والذر هو أصغر أنواع النمل، أصغر نوع من أنواع النمل الذي ربما لا يرى إلا بصعوبة. هذا يوم القيامة يقتص بعضها من بعض، يقتص بعضها من بعض. فلا شك أن هذا القسم، وأن هذا الموقف موقف عظيم، استدعى منا معاشر الإخوة وطلاب العلم أن نحذر أشد الحذر، وأن ننتبه أشد الانتباه من أن نقع في الظلم بشتى أنواعه، سواء كان الظلم في الأموال، أو الظلم في الأعراض، أو الظلم في الدماء، أو الظلم في كل ما فيه تعد وتجاوز منا على غيرنا. فالواجب علينا أن نحذر، وأن نعلم أن يوم القيامة ما ثم هناك درهم ولا دينار حتى تعطي مقابل مظلمتك، لا، وإنما هي الحسنات والسيئات. الحسنات التي أنت تحرص على جمعها في هذه الدنيا، وأنت في أمس الحاجة إليها في يوم القيامة، إن أتيت وأنت ظالماً تأخذ منك هذه الحسنات والعياذ بالله. ولذلك جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى أَخِيهِ مَظْلَمَةٌ فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا دِينَارَ وَلَا دِرْهَمَ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا هِيَ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ، فَإِنْ أُخِذَتْ حَسَنَاتُ الظَّالِمِ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ مَنْ ظَلَمَهُ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ». إذا نفذت حسناتك وبقيت عليك مظالم، يؤخذ من سيئات من ظلمتهم فتوضع عليك، والعياذ بالله، تزداد صحائفك سيئات مع السيئات الموجودة فيها، تأتيك سيئات لسبب الظلم والعياذ بالله. وتعلمون أيضاً حديث المفلس، حديث أبي هريرة في الصحيح، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ؟» قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا دينار له ولا درهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَأَخَذَ مَالَ هَذَا، فَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ». فالأمر شديد يوم القيامة، فينبغي للمسلم العاقل أن يحذر أولاً من الظلم، وإذا وقع في شيء من الظلم أن يبادر إلى رد المظالم إلى أهلها، وإلى الاستسماح منهم وطلب العفو منهم، حتى يأتي يوم القيامة ولا أحد يطالبه بشيء. هذا هو النوع الأول من أنواع القصاص الذي يكون في عرصات يوم القيامة قبل المرور على الصراط. أما النوع الثاني من أنواع القصاص فهو القصاص الخاص، الذي يكون بين المسلمين الناجين، الذين نجوا من نار جهنم وتجاوزوا الصراط، ولكن لبعضهم على بعض مظالم. فيجتمعون في مكان قبل دخولهم الجنة، فيقتص بعضهم من بعض حتى تهذب نفوسهم وتنقى، ويزول ما فيها من الغل والحقد، حتى إذا دخلوا الجنة دخلوا سليمين من أمراض القلوب، لأن الجنة لا يكون فيها شيء من الحقد أو الغل. ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾. فهذا هو القصاص الخاص الذي يكون بين المؤمنين بعد أن ينجوا من النار وبعد أن يتجاوزوا الصراط، وهذا يكون بعد المرور على الصراط. ثم ذكر المؤلف آيات تدل على هذا المقام العظيم وهو القصاص، فذكر الآية الأولى: قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾. الظلم مقدور عليه لله سبحانه وتعالى، ولكنه نزه نفسه عنه لأنه لا يليق به ويتنافى مع كماله سبحانه وتعالى. فالظلم قد حرمه الله عز وجل على نفسه وحرمه على عباده، كما في هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾، أي ولو كان الظلم شيئاً يسيراً ودقيقاً فهو لا يقع من الله سبحانه وتعالى. وقد تقدم معنا أن مثقال الذرة: قيل هو أصغر النمل، والذر هو أصغر النمل، وقيل إن الذرة هي حبة الخردل التي هي صغيرة جداً كحبة السمسم. نعم، يعبر عن ذلك بصغر الشيء أو بدقة الشيء أو بحقارة الشيء. فالله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة، لا يظلم مثقال ذرة، فحرم الظلم على نفسه وحرمه على عباده، كما في حديث أبي ذر الحديث القدوسي: قال الله عز وجل: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، فَلَا تَظَالَمُوا». فهذا معنى قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾. ثم قال: ﴿ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾، يعني أن الله سبحانه وتعالى سوف يجازي على الحسنات لا بالعدل بل بالفضل، لأن العدل أن يجازى الإنسان بالحسنة الحسنة، هذا هو العدل. لكن الله عز وجل يعامل عباده بالفضل والزيادة، وهذه درجة أعلى من درجة العدل، أعلى من درجة العدل. ولذلك رغب ربنا عز وجل على العفو على المسيء، وكذلك رغب في ذلك لأن هذا من الفضل وليس من العدل. العدل أن تأخذ حقك مثلاً بمثل: ضربك تضربه، شتمك تشتمه، قطع أسبوعك تقطع أسبوعه، هذا هو العدل. لكن الله عز وجل حث على الفضل لأنه هو العفو سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾. وقال: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾، هذا هو الفضل. فالله عز وجل يعامل عباده بالفضل، فمن عمل حسنة ضاعفها له سبحانه وتعالى، وهذا من كرمه وفضله وإحسانه سبحانه وتعالى. ثم ذكر الآية الأخرى، ووجه الشاهد من هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يجازي العبد بما يستحق، لا يظلمه شيئاً. فمثلاً على سبيل المثال: الإنسان إذا عمل حسنة، إذا عمل الإنسان حسنة فإن الله عز وجل يثيبه عليها، لا يترك أجر هذا العمل، ولا كذلك يسقط ثواب هذا العمل على الإنسان، لا يعطيه أجراً. فمن ألوان الظلم أن الإنسان يعمل حسنة فلا يثاب عليها، فهذا منفي عن الله عز وجل، وهو أن لا يجازي الإنسان بأعماله. كذلك من ذلك أيضاً أن يجازي الإنسان... أن الله عز وجل امتنع من أن يجازي الإنسان بغير ما عمل، وإنما يجازيه بما عمل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾، ﴿ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾. وهكذا من ذلك ما يكون بين العباد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾، فكل من استحق استرجاع مظلمه فمن عدل الله عز وجل أنه يأخذ حقه يوم القيامة، يأخذ حقه ممن ظلمه يوم القيامة، وكل ذلك من عدل الله عز وجل ومن نفي الظلم عن الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾، ﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾. كل نفس تجازى بما عملت، بما كسبت، أي بما عملت، بما عملت. ففي ذلك القصاص، فإن الإنسان عمل سيئة، وهذه السيئة فيها حق من حقوق العباد، لأن حقوق العباد قائمة على المشاحة، كل واحد يريد حقه، فإن هذه النفس تجازى بما عملت، فيأخذ المظلوم مظلمته من الظالم. نعم، فـ ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾. قد في هذه الدنيا الظالم يكون معه مال أو معه جاه فيستطيع أن يظلم العباد في الدنيا بأخذ أموالهم، وبكذلك أخذ عقاراتهم أو نحو ذلك. لكن يوم القيامة لا ظلم، ما في هناك تلاعب، وما في هناك كذلك رشاوي، ولا جاه، ولا سلطان، ولا كذلك إنكار، لا يستطيع أن ينكر، إذا أنكر شهد عليه أقرب الشهود إليه وهي الأعضاء، فلا يستطيع، لا يستطيع الإنكار. فإذا يوم القيامة تجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم. اليوم ما في ظلم، في الدنيا قد يكون ظلم بين العباد، لكن في يوم القيامة لا ظلم، كل واحد يأخذ حقه بالوفاء والتمام. إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ﴾. الحق يقابله أيش؟ الباطل. الحق يقابله الباطل. فالله عز وجل يقضي بين العباد بالحق، فلا يظلم أحد بباطل، وإنما كل واحد يأخذ حقه الذي له، يأخذ حقه الذي له من غير زيادة ولا نقصان. فهذا معنى قوله: ﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾، هنا قوله: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ﴾. تقدم أن الحق الذي يقابله الباطل. وانظر هنا وتمعن: أن الله عز وجل، أن الله سبحانه وتعالى جاء بصيغة الماضي كأن الأمر قد وقع، قال: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾، ما قال: ﴿ وَسَيُقْضَى بَيْنَهُمْ ﴾ بصيغة المستقبل، وإنما قال: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. وهذا فيه لفتة لغوية: لماذا ذكر هنا الفعل بالماضي ولم يذكره بالمستقبل؟ قيل: الجواب: هذا فيه دليل على تأكيد وقوعه، على تأكيد وقوعه، أي كأن هذا الأمر قد وقع، كأن هذا الأمر وهو أن تجازى كل نفس بما عملت، كأن هذا الأمر قد وقع، فعبر عنه بصيغة الماضي، وهذا من بلاغة القرآن، من بلاغة القرآن. فإذن هذا يدعو جميعاً معاشر المسلمين، معاشر طلاب العلم، معاشر الصالحين، أن نحذر من الظلم مهما كان، مهما كان هذا الظلم، ولو كان شيئاً يسيراً، نحذر منه، لأن هذا الظلم لربما يكون سبباً في أخذ حسناتك يوم القيامة، في موقف أن أحوج ما تحتاج إلى هذه الحسنات، ولربما هذه الحسنة إذا بقيت في صحيفتك تكون سبباً في رجحان ميزانك. فإذن احذر من الظلم، وإذا علمت من نفسك أنك ظلمت جاراً أو أخاً لك أو قريباً أو صديقاً، أو أخذت مالاً بغير حق أو نحو ذلك، فبادر إلى أن تتوب إلى الله عز وجل، وترد هذه المظالم إلى أهلها، وتستسمح منهم، حتى تخرج من هذه الدنيا ولا أحد يطالبك بشيء، ولا أحد يطالبك بشيء يوم القيامة. أكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. مضى ترجمة نانسي قنقر