الدرس في شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع حديث أبي هريرة في صحيح مسلم والترمذي عن تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم بكلمات الله التامات من شر ما خلق عند المساء، ويبين أن العلماء أجروه في الصباح أيضاً. ويشرح معنى الاستعاذة بأنها الالتجاء والاعتصام بالله هرباً مما يخافه العبد، مع ذكر أثر المداومة على هذا الذكر في حفظ الإنسان من لدغ العقارب والحيات بإذن الله.
يشرح المقطع معنى "كلمات الله التامات" في دعاء الاستعاذة بأنها إما القرآن الكريم أو الكلمات الكونية القدرية التامة التي لا نقص فيها، وأن الاستعاذة بها تحصين من كل شر مخلوق. كما يذكر حديث عبد الله بن خبيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر بقراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات صباحاً ومساءً لتكفي المسلم من كل شيء.
يوضح المقطع أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لاشتمالها على أنواع التوحيد الثلاثة، بينما سورا الفلق والناس هما تعويذات تستعيذ بالله من شرور المخلوقات، وشر الليل، والسحر، والحسد، ووساوس الشيطان. ويؤكد أن المواظبة على قراءة هذه السور بفهم معانيها تُعد حصناً شاملاً يدفع عن المسلم أخطر الآفات كالسحر والحسد والمعاصي الليلية.
يؤكد المقطع على ضرورة حفاظ المسلم على الأذكار في يومه وليله، لأنها تضمن له حياة طيبة ومحمية من الأضرار والشرور بإذن الله. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر من الحديث.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمن أذكار الصباح والمساء ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة. قال: «أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك». وفي رواية للترمذي: «من قال حين يمسي ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره حمة أو حمة تلك الليلة». والحمة هي لدغة كل ذي سم كالعقرب ونحوها. فهذا الدعاء كذلك أو الذكر من أذكار الصباح والمساء، وإن ورد في هذا الحديث في المساء، فأهل العلم كذلك أجروه في الصباح؛ لأنه معلل بقوله: «لم تضرك»، ولا شك أن التعوذ وردت في أحاديث كثيرة تكون في الصباح وفي المساء. وقد أورد الترمذي عقب هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح، أحد رواة هذا الحديث، قال: كان أهلنا يتعلمونها، يعني هذه الكلمات، فكانوا يقولونها كل ليلة. قال: فلدغت جارية منهم فلم تجد لها وجعا، يعني لم تجد أثر هذه اللدغة من الآلام ومن الضرر من هذه اللدغة. لماذا؟ لأنهم كانوا يحافظون ويلازمون على هذا الذكر، وهو قولك عند الصباح والمساء: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. فمن قالها يكون محفوظا بإذن الله من أن يضره لدغ حية أو عقرب أو نحو ذلك. وما معنى هذا الدعاء؟ ما معنى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؟ «أعوذ» أي ألتجئ، «أعوذ» أي ألتجئ، فالاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أي ألتجئ وأعتصم بالله سبحانه وتعالى. وحقيقة الاستعاذة هي الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه ويحميك من شره. فلما تقول: أعوذ بالله، أي قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به واستجار به والتجأ إليه. هذا هو معنى الاستعاذة. فقولك: أعوذ، أي ألتجئ وأعتصم وأهرب مما يؤذيني ويهلكني إلى ربي ومالكي، وأفر إليه وألقي نفسي بين يديه، وأعتصم به وأستجير به وألتجئ إليه. وأما المراد بقوله: «كلمات الله»، «أعوذ بكلمات الله»، فقيل: إن كلمات الله هي القرآن الكريم، لما فيه من الحفظ في قراءة آياته، وفي كذلك شفاء ما يكون في هذا القرآن، فهو شفاء ونحو ذلك. وقيل: هي كلماته الكونية القدرية، الكونية القدرية بمعنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فأنت تعوذ بكلمات الله التامات، أي أن لا ينالك منها شر، أي لا يقع عليك من القدر ما يسوءك، من القدر ما يسوءك. فهذا أيضا مما جاء في معنى كلمات الله التامات أنها كلماته الكونية القدرية. وقوله: «التامات»، أي الكاملات، «التامات» أي الكاملات التي لا يلحق نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر. فالقرآن كلام الله، كلام كامل، ما فيه نقص ولا عيب من أي وجه من الوجوه. وهكذا أقدار الله كلها كاملة، لا فيها نقص ولا كذلك عيب. وقوله: «من شر ما خلق»، أي من كل شر، من كل شر في أي مخلوق قام به الشر، سواء كان من حيوان أو من إنسان أو من جن أو من هامة أو من دابة أو من ريح أو من صاعقة، أي نوع كان من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة. فأنت تستعيذ بالله عز وجل بكلماته سبحانه وتعالى من هذا الشر. فهذا أيضا من الأدعية التي ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها في صباحه ومسائه، فيكون في حفظ الله، ويكون في حرز من كل الشرور والآفات بإذن الله سبحانه وتعالى. ومن أذكار الصباح والمساء أيضا ما ثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما عن عبد الله بن يخبيب رضي الله عنه قال: خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا. قال: فأدركته، فقال: «قل». فلم أقل شيئا، لما يدري ماذا يقول. ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قل». فلم أقل شيئا. ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قل». قال: قلت: يا رسول الله، ما أقول؟ ماذا أقول؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء». ففي هذا الحديث أن من أذكار الصباح والمساء أن تقرأ هذه السور الثلاث، أن تقرأ هذه السور الثلاث في صباحك ومسائك، كل سورة ثلاث مرات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ثلاث مرات، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثلاث مرات. وهي سور عظيمة. فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هي سورة الإخلاص، وهي ثلث القرآن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لما فيها من جميع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي خالصة لله عز وجل لما فيها من توحيده سبحانه وتعالى. وسورة الفلق فيها الاستعاذة من بعض مخلوقاته سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، من شر ما خلق، فأنت تستعيذ برب من فلق هذا الصبح، من ماذا تستعيذ؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، من كل ما خلق، وفيه شيء من الشر، فأنت تستعيذ بالله عز وجل، تلجأ إليه وتعتصم به أن ينالك هذا الشر، أن ينالك هذا الشر. ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، أي الليل إذا أظلم، فإن الليل تكون فيه الشرور لما يكون فيه من الخفاء ولما يكون فيه من الاستتار. نعم. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، أي السحرة التي يعملن السحر في العقد بالنفث والربط ونحو ذلك. فأنت تلجأ إلى الله من أن تسحر. لماذا الآن يكثر السحر والمس، وكذلك تلاعب الجن بالإنس؟ بسبب البعد عن هذه المحصنات، وبسبب كذلك الغفلة عن هذه الأذكار التي تحفظ الإنسان. فينبغي للمسلم أن يحافظ عليها. ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، تستعيذ بالله من أن يحسدك حاسد، وأن كذلك يضرك ضار. فهذا كله لا شك مما يحفظ الإنسان. ولذلك قال: «تكفيك من كل شيء»، «تكفيك من كل شيء»، أي أنها تدفع عنك الشرور والآفات. ولو لاحظت أن أعظم الشرور تكون إما بالسحر، وإما بالحسد، وإما كذلك بما يكون في ظلمة الليل من الخوف أو السرقة أو كذلك الزنا والفواحش ونحو ذلك. فلما تستشعر هذه المعاني في هذه السور وتقرأها وأنت تعرف معانيها، فهذا لاشك أعظم عاصم لك من الشرور والآفات، من الشرور والآفات. ومثله سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، أي خالق الناس، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾، أي مالكهم والمتصرف فيهم، ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾، الذي يعبد وحده سبحانه وتعالى. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، أي الشيطان. فهذا هو العدو اللدود، وهذا هو العدو المبين الذي لا يفتر ولا يكل ولا يمل في الوسوسة لبني آدم، وفي التسلط على الغافلين. فأنت تستعيذ بالله عز وجل من وسوسته ومن تسلطه: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. فهذه الأذكار ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها وأن يعتني بها في يومه وليله وليله، فبهذا بإذن الله عز وجل يحيى حياة طيبة بعيدة عن الأضرار وعن الآفات وعن الشرور بإذن الله سبحانه وتعالى. نكتفي اليوم بهذا، وإلهنا والله تعالى.