الدرس في تفسير آيات الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المحور أن رمضان شهر نزول القرآن مما يستوجب العناية به تلاوة وتدبراً، ويصحح مفهوم الاقتصار على قراءته في رمضان فقط. كما يوضح أن آية ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ناسخة للتخيير السابق، موجبةً الصيام على المقيم الصحيح، مرخصةً للمسافر والمريض بالفطر مع القضاء أو الإطعام.
يفسر المحور تكرار آية الرخصة للمريض والمسافر لاختلاف الحكم بين الاختيار والإيجاب، ويبين أن صيام رمضان فُرض في السنة الثانية للهجرة. كما يستعرض شروط ثبوت دخول الشهر برؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، وضوابط قبول شهادة الرؤية والفرق بين ثبوت دخول الشهر بشاهد واحد وخروجه بشاهدين.
يقسم العلماء المرض إلى مرض يرجى برؤه فيقضي الصيام بعد الشفاء، ومرض لا يرجى برؤه فيفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً. كما فصّل المرض الذي يرجى برؤه إلى ثلاث حالات: لا مشقة ولا ضرر فيجب الصوم، مشقة بلا ضرر فيباح الفطر ويكره الصوم، وضرر فيجب الفطر ويحرم الصوم حفظاً للنفس.
يوضح المحور أن حفظ النفس من مقاصد الشريعة الخمسة، وأن كل ما يضر بالنفس منهي عنه، ومن ذلك الصيام إذا كان يضر بالصائم. كما يشير إلى تفصيل مسألة السفر في الدرس القادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوقفنا عند قول الله سبحانه وتعالى في آيات الصيام: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، هذه الآية صريحة في أن نزول القرآن كان في رمضان، ونزول القرآن في رمضان يدل على فضيلة هذا الشهر، إذ أن القرآن المبارك نزل في الشهر المبارك، فهذا من خصائص ومن فضائل شهر رمضان، إذ أن القرآن أنزل فيه. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يولي عناية كبيرة في رمضان بالقرآن، كما جاء في حديث ابن عباس في البخاري: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن». فجاء في الرواية الأخرى أنه لما كان في أول ليلة من رمضان نزل جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وذلك الشهر كله، وذلك الشهر كله يعني كل شهر رمضان، وجبريل ينزل كل ليلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيدارسه القرآن. فكون هذا الفعل من جبريل في كل ليلة وبمدارسة القرآن، هذا يدل على أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان الاعتناء بالقرآن قراءةً وتدبراً ومدارسةً وعملاً واستشفاءً وتحاكماً، وإلى غير ذلك. فينبغي للمسلم أن يعتني في هذا الشهر بالقرآن الكريم لأنه أنزل في هذا الشهر المبارك، فرمضان شهر القرآن، رمضان شهر القرآن، فيزيد المسلم عناية بكتاب الله عز وجل في هذا الشهر الفضيل. وليس معنى هذا كما يفعله بعض العوام، أنه إذا جاء رمضان فتح القرآن وقرأ القرآن، وإذا انتهى رمضان أغلق مصحفه ووضعه على الرف ولا يقرأ في غير رمضان شيئاً من القرآن. لا، هذا خطأ، وإنما المراد أن عناية المسلم في القرآن في رمضان تكون أكثر، فإذا كان في غير رمضان يختم في الشهر مرة، ففي رمضان يختم مرتين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، وليس معنى هذا أنه ما يقرأ إلا في رمضان، فينبغي أن تصحح مثل هذه المفاهيم. وقوله: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾، أي أن هذا القرآن فيه هداية للناس بما فيه من دلائل الإيمان، ومن محكم الأحكام، ومن كذلك ذكر الحلال والحرام، فالقرآن فيه تبيان لكل شيء، حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «ما من مسألة تشكل على الناس إلا وفي القرآن سبيل، وإلا في القرآن سبيل معرفتها»، أو كما قال رحمه الله تعالى. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾، هذا القرآن تبيان لكل شيء، فالقرآن كتاب هداية وكتاب رحمة ونور ودلالة إلى كل خير. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. فمن أقبل على القرآن تدبراً وتلاوةً ومدارسةً وعملاً، فإن هذا القرآن كفيل بهدايته، وبكذلك تبصيره في أمور دينه ودنياه، في أمور دينه ودنياه. ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾، فمن اهتدى بهدايات القرآن وعلوم القرآن فإنه يفرق بين الحق والباطل، وبين النور والظلام، وبين الطاعة والمعصية، وهكذا فالقرآن يدلك على كل خير، ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. ثم قال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فاللام هنا في ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ لام الأمر، فهنا أمر ربنا عز وجل بالصيام، فهو إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر. وقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ﴾، أي كان مقيماً في البلد حين دخول الشهر وهو صحيح في بدنه، فهذا يصدق عليه أنه قد شهد الشهر. أما المسافر والمريض فقد رخص لهما في الصيام، رخص لهما في الفطر أن يفطرا، ثم التفصيل الذي سيأتي، قد يكون عليهما القضاء، وقد يكون عليهما الإطعام، كما سيأتي. وهذه الآية نسخت الآية المتقدمة في الإباحة والتخيير بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فهذه الآية ناسخة للتي قبلها، كان الصيام على وجه التخيير، ولو كان الصائماً صحيحاً، فله أن يصوم وله أن يفطر، كما تقدم بيانه، لكن هذه الآية دلت على أن من كان صحيحاً مقيماً يجب عليه الصيام، ولا يجوز له الفطر على أي حال من الأحوال، لا يجوز له الفطر، فهي ناسخة للآية التي قبلها. ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، استفدنا، استفدنا من وجوب الصيام بإقامة الأمر ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. في الآية الأولى حتم الصيام، أو حتم ربنا عز وجل الصيام وأوجبه، أعاد ذكر الرخصة، وإلا فالرخصة قد وردت في الآية التي قبلها، في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، في الآية الأولى، في قوله في أول الآية، نعم، قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾، هذا في الآية الأولى، ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، هنا كرر ذكر الرخصة للمريض والمسافر، فقال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، لماذا؟ لأن الحكم اختلف، الحكم الأول كان على سبيل الاختيار، وأما الحكم الثاني كان على سبيل الصيام، على سبيل الإيجاب، فلما اختلف الحكم ناسب أن يكرر حكم الرخصة للمريض والمسافر. فمعنى الآية: من كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، فله أن يفطر، فله أن يفطر. وقد ذكر أهل التاريخ والسير أن فرضية الصيام، صيام رمضان، كان في السنة الثانية من الهجرة، كان في السنة الثانية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فصام النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين، صام عليه الصلاة والسلام تسع سنين. وقد تقدم أن الصيام فرض على مرحلتين. وقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾، يستفاد منه أن لا يصام إلا عند شهود الشهر، يدخل في ذلك ثبوت هلال الشهر، ثبوت دخول هلال الشهر، شهر رمضان، فلا يصام قبله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتقدمن أحدكم بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلا، إلا أن يكون رجل قد كان يصوم صوماً فليصمه». وكذلك أيام الشك، جاء النهي عن صيامه، لحديث عمار، قال رضي الله عنه: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم». فلا يجوز من باب الاحتياط، من باب الاحتياط، أن يصام يوم أو يومين قبل رمضان. لكن إذا كان الإنسان له عادة يصوم، مثلاً الاثنين والخميس، أو يصوم يوم ويفطر يوم، فوافق صيام يوم الاثنين مثلاً تقدم رمضان بيوم أو يومين، فلا بأس أن يصوم، للحديث المتقدم: «إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصموا». وكذلك مما يذكر عند ثبوت ودخول الشهر، أنه لا يثبت إلا بإحدى أمرين: إما برؤية هلاله، للآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾، فهذا يدل على الرؤية والشهود، وجاءت السنة تبين ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وأيضاً الأمر الثاني الذي يثبت به دخول الشهر: إكمال العدة، كما في الحديث: «عدة شعبان ثلاثين»، لأن الشهر العربي لا يقل على تسعة وعشرين ولا يزيد على الثلاثين، الشهر إما تسعة وعشرين يوماً وإما ثلاثين، لا يزيد ولا ينقص على هذا. فإذا لم نرى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فهنا نكمل عدة شعبان ثلاثين، فلا نصوم هذا اليوم، وإنما نصوم اليوم الذي بعده. ومن المسائل أيضاً في شهود الشهر: يشترط لقبول الشهادة، شهادة الرؤية، رؤية الشهر، أن يكون الشاهد بالغاً عاقلاً مسلماً موثوقاً بخبره لأمانته وبصره، ولو كان الشاهد امرأة، لأن هذه الشهادة ليست في الحدود، المرأة ليس لها الشهادة في الحدود والحقوق. طيب، وأما في الأموال وفي الأمور الشرعية كرؤية الهلال ونحو ذلك، فيجوز للمرأة أن تشهد، يجوز لها أن تشهد. فلابد من الشاهد أن يكون كذلك، يكون بالغاً وعاقلاً ومسلماً وموثوقاً بخبره لأمانته وبصره، ما يكون ضعيف النظر، يأتي واحد في نظارات نظره ضعيف، يقول: «أنا رأيت الهلال»، هذا في قرارة نفسك أنك لا تستطيع هذا، الصحيح ما رأيته، فكيف أنت تراه؟ وهكذا، أن يكون موثوقاً، ليس من أهل الكذب ومن أهل الفسق والفجور. نعم. ويثبت دخول شهر رمضان بشهادة رجل واحد، لحديث ابن عمر، رواه أبو داود: «أن الناس تراءوا الهلال، تراءى الناس الهلال، قال: فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر بصيامه»، وابن عمر رجل واحد. وأما حديث: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا»، فهذا الحديث صحيح، رواه الإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني. فلذلك الجمع بين الحديثين أن يقال: إن في دخول الشهر يجوز شهادة الشاهد الواحد، لحديث ابن عمر، فيكون حديث ابن عمر مخصصاً لهذا الحديث: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا»، مخصص لهذا الحديث. وأما خروج الشهر فلم يرد حديث في تخصيص الشاهدين، فيبقى الحديث الثاني على عمومه، فلا يثبت خروج الشهر إلا بشهادة شاهدين، لا، لا يثبت خروج الشهر إلا بشهادة شاهدين. نعم. وأيضاً في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾، قسم العلماء المرض إلى قسمين: مرض يرجى برؤه، ومعنى برؤه يعني شفاءه، إنسان حدث له مرض طار، جاءته حمى شديدة، أو مثلاً جاءه ألم في بطنه مفاجئ، شيء يعني عارض، ليس دائماً، فهذا يعالج ويشفى بإذن الله، فإذا برئ من مرضه يصوم عدد الأيام التي أفطرها، عدد الأيام التي أفطرها، فهذا يسمى مرض يرجى برؤه. وأما القسم الثاني فهو مرض لا يرجى برؤه، مرض مستمر، كمرض السرطان مثلاً، عاذنا الله وإياكم من هذه الأمراض، أو من عنده مرض في الكلى، الغسيل، أو الضمور، أو نحو ذلك، فيقرر الأطباء له أنه لا يستغني عن الشراب أو الشرب في النهار، فإذا لم يشرب تألم وزاد مرضه وضرره، فهنا يجوز له أن يفطر، بل يجب عليه إذا كان بالصوم يعني زيادة في مرضه أو في هلاكه، فهنا يجب عليه أن يفطر، ويطعم عن كل يوم أفطره مسكين، فيكون حكمه حكم كبير السن، كبير السن، ومثلها من الأمراض المستمرة التي إذا صام المريض تضرر بسبب هذا الصوم، فهنا يجب عليه الإفطار. ثم المرض الذي يرجى برؤه، قسمه العلماء إلى ثلاث حالات، من باب حصر المسألة وفهمها، قسم العلماء المرض الذي يرجى برؤه إلى ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن هذا المرض لا يشق على الصائم ولا يضره، مثل إيش؟ إنسان مثلاً عنده صداع يسير، وهذا الغالب يكون في الصائم بسبب الجهد أو بسبب نقص بعض الأشياء التي يحتاجها الجسم، قد يصاب الصائم بشيء من الصداع اليسير، وهذا أمر معلوم ومشاهد، فهنا لا يبيح هذا المرض الإفطار، لأنه لا يضر بصاحبه، بمجرد أن يفطر ويأكل ويشرب يذهب، أو الحمى اليسيرة، أو الزكام اليسير الذي ما فيه ضرر، فهذا لا يعد سبباً للإفطار، وإن سمي مرضاً، وإن سمي مرضاً. هذه الحالة الأولى بالنسبة لحالة المريض. الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم ولا يضره. انتبه: يشق عليه الصوم، يعني تجده كل يوم وهو نائم، وهو يعجز عن القيام بأعماله ونحو ذلك، يشق عليه، لكن ما فيه مضرة، ما يزداد مرضاً ولا ألماً ولا شيء من ذلك، يشق عليه ولا يضره، فهنا له أن يفطر، له أن يفطر لوجود هذه المشقة الشديدة التي ربما تقعده عن القيام بالواجبات كصلاة أو حقوق الزوجة والأولاد أو نحو ذلك، يشق عليه الصوم، بعض ربما يحامل على نفسه، فهنا الرخصة موجودة، الرخصة موجودة، له أن يفطر، ويكره له الصوم مع المشقة، لكن إذا صام فصيامه صحيح، فصيامه صحيح، لكن الأفضل أن يفطر ويأخذ بالرخصة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته». فهنا إذا رأيت أن في الصيام مشقة شديدة عليك بسبب هذا المرض، بسبب هذا المرض تتألم، لكن ما يضرك، ما فيه ضرر، زيادة في المرض مثلاً، أو وصول إلى غيبوبة، أو إلى الذهاب إلى المستشفى، أو نحو ذلك، فهنا معك الرخصة، معك الرخصة. الحالة الثالثة: أن يضره الصوم. انظر، مش مشقة فقط، بل يضره، يعني يزداد مرضاً، وربما أدى إلى إكلافه وإهلاكه، فهنا يجب عليه الفطر، يجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم، لقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، إن الله كان بكم رحيماً، الدين يسر، كما جاء في الآية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾، وقد ذكرنا في دروس ماضية كيف أن كثيراً من الأحكام في الصيام مبناها على اليسر، مبناها على اليسر، ذكرنا منها التدرج في الصيام، ذكرنا منها ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ في السنة أو في الشهر على الحكم الأول، وذكرنا منها الرخصة للمريض والمسافر، فإذن الدين يسر، لا تصوم وتضر على نفسك. قالوا: فلان أصيب بغيبوبة، ليش؟ قالوا: لأنه عنده مرض فصام، فكلف على نفسه، لا، هذا في حقه لا يجوز. المسافر إذا يشق عليه الصيام، ما هو مريض، مسافر، لحيث أنه يغمى عليه، لا يجوز له الصيام، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: رأى رجلاً قد ظلل عليه، يعني أصابه شيء من الإغماء، فسأل عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنه صائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر»، ليس من البر، يعني إذا كان يصل حال المسافر إلى هذه الحال، فكيف بالمريض من باب أولى؟ فإذا كان الصوم يضر الصائم، فهنا لا يجوز له الصيام، لوجود هذا الضرر، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، ﴿وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا﴾، ﴿لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ﴾، كل هذه الأدلة فيها العناية بصحة وبحياة المسلم، بحياة المسلم. تعرفون من مقاصد الشريعة والكليات الخمس التي تقوم عليها الشريعة هو حفظ النفس، حفظ النفس، وكل شيء يؤدي إلى الضرر بهذه النفس فجاء النهي عنه، ومن ذلك الصيام إذا كان يضر الصائم. بقيت مسألة السفر والتفصيل فيها، إن شاء الله نأخذ ذلك في الدرس القادم، لانتهاء الوقت. إلى هنا، والله تعالى أعلم.