الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالنحر والحلق بعد فراغ كتابة الصلح، فتأخروا عن الامتثال، فأشارت أم سلمة بأن يبادر هو بالفعل، فنحر بدنه وحلق رأسه، فاقتدى به الصحابة ونحروا وحلقوا. وبين المقطع أحكام الهدي للمحصر.
يشرح المقطع حكم من أُحصر عن إتمام الحج أو العمرة بعد الإحرام من الميقات، مبيناً أنه يتحلل بذبح هدي والحلق، وأن الإحصار عام يشمل المنع بالعدو أو بالمرض استدلالاً بالآية وحديث ضباعة. مع جواز قضاء النسك إذا زال المانع قبل فوات الوقت.
يجب على من أحصر عن إتمام الحج أو العمرة لمرض أو كسر أو عدو أن يذبح هدياً ليتحلل، ويجزئ فيه الشاة أو البقرة أو البدنة. أما إذا اشترط المحرم عند إحرامه dizendo: «إن محلي حيث حبسني» كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم ضباعة، فإن هدي الإحصار يسقط عنه إذا منعه مانع.
يختتم المتحدث حديثه عن هدي الإحصار، مشيراً إلى أن ما ذُكر يكفي في هذا الباب، على أن تُستكمل بقية الفوائد في الدروس القادمة. مختتماً بقوله: والله تعالى أعلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقال في حديث صلح الحديبية: مروان بن الحكم، وأيضًا مسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنهما، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، أي الكتاب الذي عقده النبي عليه الصلاة والسلام مع كفار قريش، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ أي أن يفعلوا هذا الفعل وهو الحلق، ثم إنهم يذبحوا ثم يحلقوا. قال: «فاخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك». قال: فخرج عليه الصلاة والسلام، أي خرج من خيمته، فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، بدنه بمعنى الإبل التي أهداها، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا. هذا المقطع من الحديث فيه عدة مسائل وفوائد، ونأخذ هذه الفوائد والمسائل التي ذكرها العلماء في هذا المقطع. فهنا قال، وقبل هذا قال الزهري -وقد ذكرنا هذا-: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». «قوموا فانحروا ثم احلقوا». وهنا في هذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة أن ينحروا ثم بعد ذلك يحلقوا، وهذا النحر هو الهدي، هدي المحصر. معنى: لما جاء الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم بدن هدي، بدن بمعنى إبل، لأجل أن يهدوها. لتعبة هدي العمرة، المعتمر يأتي معه بهدي، فمعنى: وليس من باب الواجب وإنما هو من باب المستحب، أي للمعتمر. أما الحاج، إن كان متمتعًا أو قارنًا فيجب عليه أن يهدي، وأما المفرد الذي يفرد بالحج فلا يجب عليه الهدي لكن يستحب. فالصحابة رضي الله عنهم جاءوا معهم بهدي لأجل أن يهدوا به ويذبحوا في مكة، لكن لما منعهم المشركون فلم يدخلوا بهذا الهدي فأحصروا، والله عز وجل قد قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وأتموا الحج والعمرة لله. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. أنا إذا أحصرت سواء كان لعمرة أو لحج فإنك تذبح هديا، وهذا الهدي يسمى هدي المحصر. ومتى يكون هذا الإحصار والمنع؟ يكون بعد أن يهل من الميقات، أما إذا كان قبل الميقات فلو أحصر قبل الميقات ليس عليه شيء لأنه لم يُحصر وهو محرم، وإنما الذي عليه الهدي هو من أحصر وهو محرم. والحصر اختلف أهل العلم فيه: هل الحصر فقط يختص بحصر العدو أم أنه يختص بحصر العدو وكذلك بحصر المرض؟ ومنهم من خصه بالمرض ولم يخصه بالعدو، وهذا هو قول للشافعي رحمه الله، لكن الصحيح أن الحصر عام، أن الحصر عام لأن الله عز وجل أطلقه، قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. ومعنى أحصرتم: أي حبستم ومنعتم. فإذا منع الإنسان من أداء العمرة أو أداء حج وقد أحرم فإنه يتحلل بهدي، يتحلل بذبح هدي، وكذلك بعد ذلك يحلق. فإذا أحصره أو منعه عدو فإنه أيضًا يحلق، مثل ما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام لما حصرتهم قريش ومنعتهم وصدتهم عن دخول البيت، فإنه أمر أصحابه أن يحلقوا، ثم أن يذبحوا ثم يحلقوا. قال: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». فلهذا من أحصر سواء كان بعدو أو بمرض، فالمرض أيضًا قد جاءت الأدلة التي تدل على أنه من الإحصار. من ذلك ما جاء في الصحيحين بحديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لضباعة بنت الزبير بنت عمه: فقال لها: «أتحجين؟» قالت: نعم، ولكني شاكية. شاكية: معناها مريضة ومتعبة. فقال لها: «إذا أحرمت فاشترطي، إذا أحرمت فاشترطي، قولي: إن محلي حيث حبستني، إن محلي حيث حبستني». في هذا الحديث دليل على أن المريض أيضًا إذا أحصر، معنا: إذا حبس أو منع، ما استطاع أن يذهب إلى الحج أو إلى العمرة، معنا جاءه المرض ومنعه، يحتاج مثلا إلى أن يذهب إلى المستشفى، يحتاج إلى عملية، يحتاج إلى كذا، ما يستطيع أن يمشي، ما يستطيع، المهم أنه جاءه مرض أحصره وحبسه، فهنا يتحلل بهدي، يتحلل بهدي. لكن إذا كان هذا المرض مثلا قد، مثلا يشتفي منه ويذهب، وقد أيضًا يجد أن الحج لا زال وقته لم يمر، أو العمرة كذلك سيدرك العمرة، ما سيتأخر كثيرًا، فهنا لا بأس أنه بعد المرض يذهب بعد أن يشفيه الله عز وجل، يذهب إلى الحج ويقضي عمرته، أو إن كان حجا فيقضي حجه إذا كان قد أدرك الوقت. وأما إذا لم يستطع، مثلا هذا المرض حصل له مرض خطير، نوبا في المستشفى، أو أغمي عليه، أو كذا، ولا يستطيع أن يذهب إلى الحج أو إلى العمرة، فهنا يذبح هديا، يعني عليه هدي، هدي، هدي حصار. وقد جاء عند أحمد وعند أبي داود من حديث أبي هريرة وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من عرج أو كسر فعليه هدي، فعليه هدي، أو فعليه هدي وإحصار». كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فالذي، معنى: يصاب، يصاب بكسر، لا يستطيع أن يذهب إلى الحج، مثلا كان يمشي فسيتأخر، وهنا عليه هدي، هدي إحصار. وهذا كله يدل على أن هدي الإحصار شامل سواء كان إحصار عدو أو مرض أو غيره، فمتى ما منع من ذهاب الحج أو العمرة فإنه يتحلل بشاة، يتحلل بهدي، سواء شاة أو بقرة أو إبل، يتحلل بذلك. يعني: ما يكون محرم، ما يتحلل إلا إذا ذبح هدي، ما يتحلل إلا إذا ذبح هدي. والنبي صلى الله عليه وسلم هنا أمرهم أن يذبحوا الهدي لأنهم قد أحصروا، قد منعوا، والهدي معهم، فأمرهم أن يذبحوه في الحديبية، أمرهم أن يذبحوه في الحديبية. واختلف العلم: هل ذبحه في الحرم أم في الحل؟ لأن الحديبية فيها جزء منها داخل حرم مكة وجزء آخر خارج الحرم، لكن المهم أنه أمرهم نبي صلى الله عليه وسلم أن يتحللوا بذبح الهدي. أما إذا اشترط كما في حديث ضباعة، إذا اشترط مثلا يجد أنه الله أعلم هل سيذهب وسيدخل، مثل من يدخل مثلا من غير تصريح وكذا، وإن كان هذا مخالفة لكن الحج صحيح، لكن مثل المنح هنا يخشى أنه يمنع، فإذا منع فعليه هدي، فهنا يشترط، أو أنه إنسان مثلا عنده مرض يخشى أن هذا المرض يزيد عليه كما حصل، كما جاء في الحديث ضباعة فإنها كانت شاكية مريضة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «اشترطي، وقولي: إن محلي حيث حبسني». فإذا اشترط الإنسان المحرم اشترط، فإنه متى ما منع فإنه لا هدي عليه، يسقط عليه هدي التحلل لأنه اشترط على أن محله متى ما حبس، فمتى ما حبس فمحله ذلك، أي تحل له يكون في ذلك المكان، أو تحل له هو الحبس، فاشترط بذلك، فهذا الشرط يسقط الهدي، يسقط الهدي الذي هو هدي إحصار. فهذا شيء مما ذكر في هذا الباب وهو هدي الإحصار، وإن شاء الله بقية الفوائد نذكرها في الدروس اللاحقة، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.