باب المراقبة من رياض الصالحين 13

باب المراقبة من رياض الصالحين 13

الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

باب المراقبة: حسن إسلام المرء بترك ما لا يعنيه

يشرح الحديث الشريف «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» موضحاً أن كمال الإسلام يتحقق بترك الأقوال والأفعال غير النافعة. ويبين أن الاشتغال بما لا يعني يضعف إسلام العبد ويبعده عن المراقبة الحقيقية.

أهمية ترك ما لا يعني المسلم وعدم التدخل في شؤون الآخرين

يحث المقطع على تجنب التدخل فيما لا يعني الإنسان مستشهداً بقصة رجل عاش طويلاً لتركه الفضول. ويؤكد أن الرجوع لأهل الاختصاص يجلب الراحة بينما السؤال بغير علم يجلب الهم.

ترك ما لا يعني من مقتضيات مراقبة الله

يعتبر الحديث قاعدة جامعة في باب المراقبة، فتدخل المسلم فيما لا يعنيه كتصفح المواقع غير النافعة يدل على ضعف المراقبة. ويوجب على المسلم الاشتغال بما ينفعه واجتناب الفضول المؤدي للمحرمات.

الإعلان عن بدء باب التقوى في الدرس القادم

يختتم المتحدث الجلسة الحالية معلناً أن الدرس القادم سيبدأ بشرح باب التقوى. ويختتم بالشكر والتوكل على الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين": "باب المراقبة". الحديث الثامن: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». حديث حسن، رواه الترمذي وغيره. هذا الحديث مختلف في صحته، والشيخ الألباني يحسنه في "صحيح ابن ماجه" و"الترمذي"، وشيخنا الوادعي يضعفه، والأقرب ضعفه، والله تعالى أعلم. ومعنى هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخبر أن من حسن إسلام المرء، وإسلام المرء هو استسلامه لله سبحانه وتعالى ظاهرًا وباطنًا. نعم، فباطنًا بإصلاح عقيدته وإصلاح قلبه، وظاهرًا بإصلاح عمله الظاهر كأقواله بلسانه وأفعاله وجوارحه. فإذا صلح الباطن صلح الظاهر. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. فالناس في إسلامهم يختلفون: فمنهم من كمل إسلامه، وذلك بتركه ما لا يعنيه، ومنهم من ضعف إسلامه، وذلك بتدخله في ما لا يعنيه. وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تركه ما لا يعنيه»، يعني: إذا ترددت في عملين، هل تفعل أو لا تفعل؟ فانظر: هل هو من الأمور المهمة في دينك ودنياك؟ فإذا كان كذلك فعلته، وإذا لم يكن ذا أهمية وذا شأن وفائدة فلا تفعله. فهذا مثال لتدخل الإنسان في ما لا يعنيه؛ لأنه لا فائدة من هذا الفعل. مثال آخر: أن تتدخل في أمور الناس. فإذا كان هذا التدخل لا يهمك، فلا ينبغي لك أن تفعل ذلك. مثاله لتدخل الإنسان في أمور الناس: على سبيل المثال، وجدت اثنين يتكلمان، فليس من حسن إسلامك أن تتدخل فيما بينهما وتسألهما: ماذا تقولان؟ وعن ماذا تتحدثان؟ هذا لا يهمك ولا يعنيك، فلا تتدخل في ذلك. هكذا، ربما رأيت شخصًا قادمًا من مكان ما، تسأله: من أين جئت؟ ماذا تستفيد من هذا السؤال؟ هل تستفيد شيئًا؟ مثال آخر: رأيت إنسانًا يفعل فعلًا ما، تقول له: لماذا تفعل كذا؟ أيش تستفيد من هذا؟ يذكر أن رجلًا كان جالسًا يأكل تمرًا ويكثر من أكل التمر، فرآه رجل فقال له: لماذا تأكل كثيرًا من التمر؟ فقال له هذا الرجل: أبي عاش مئة سنة. قال له: عاش مئة سنة لأنه يأكل كثيرًا من التمر؟ قال: لا، عاش مئة سنة لأنه لا يتدخل فيما لا يعنيه، لا يتدخل فيما لا يعنيه. ولذلك يقول العلماء: إن الذي لا يتدخل فيما لا يعنيه يعيش في راحة، ويعيش في سكينة؛ لأنه لا يهتم إلا بأموره وبالأشياء التي تفيده وتهمه، فلا ينظر إلى غيره ولا يهتم بشؤون غيره، فيعيش في راحة وطمأنينة وغير ذلك. فإذن: لا تتدخل فيما لا يعنيك. أسرة من الأسر، جئت عندهم وقلت لهم: أيش أكلُكم؟ أيش عشاؤكم؟ أيش غداؤكم؟ أيش فائدة من هذا السؤال؟ لا تتدخل في هذا. إنسان تزوج امرأة ثانية، لماذا تزوجت بامرأة ثانية؟ وهكذا تدخل في حاله. هذه الأشياء هي التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». كذلك في أمور التخصصات: أمر لا يخصك ولست بعالم به، لا تتدخل فيه. على سبيل المثال: بعض الناس يدخل نفسه في الفتن التي لا يفصل فيها ولا يحدد وجه الصواب والخطأ فيها إلا العلماء، فيأتي ويتدخل: لا، الصواب كذا، الحق مع فلان كذا، يصوب ويخطئ في أمر لا يعنيه. فأنت مطالب بأن تتبع أهل الاختصاص وأهل الشأن، كما قال الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43، الأنبياء: 7]. لا تفتي نفسك. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فهذا الحديث يعد قاعدة عظيمة، ويعد من جوامع الكلم، مع قصر ألفاظه إلا أن فيه معانٍ غزيرة وكثيرة، وفيه سلامة للإنسان وراحة وطمأنينة. فلا تدخل نفسك فيما لا يعنيك. طيب، ما هو وجه الشاهد من إيراد هذا الحديث في باب المراقبة؟ أي: أن من مراقبة العبد لربه ألا يتدخل فيما لا يعنيه، فيما لا يعنيه. فإذا دعتك نفسك إلى شيء من الفضول، إلى شيء من الفضول، فتذكر أن الله عز وجل لا يحب ذلك، وتذكر أن هذا الأمر يدل على ضعف إسلامك. فهذا يدعوك إلى أن تدع هذه الأمور التي لا تنفع، تدع هذه الأمور التي لا تنفع، وتراقب الله سبحانه وتعالى في اجتنابها. ويدخل في ذلك في هذا الزمان: الفضول في الجوالات وما فيها من شرور وبلايا ورزايا. فبعض الناس يدخل في مواقع لا تعنيه ولا تفيده، وإنما من باب الفضول. فمثلًا يدخل في مواقع فيها أطباء، يعني مواقع تتعلق بالطب وما يتشاور فيه أهل الطب، فيدخل نفسه في هذا الباب وهو ليس من أهل هذا التخصص. أو كذلك يدخل نفسه في مواقع كبار على عقله لا تنفعه، مسائل عظام في سياسة أو في نوازل أو فتاوى كبار على عقله أو نحو ذلك. فهذا أيضًا لا يعنيك؛ لأنك لا تستفيد من ذلك، بل ربما يضرك. وأعظم من ذلك: أن يدعوه الفضول إلى الدخول في المحرمات، في المحرمات. هذا أخطر وأعظم، هذا أخطر وأعظم. فإذن: هذا الحديث حديث جامع، ينبغي للمسلم أن يجعله نصب عينيه، وأن يعمل به، وأن يقبل على شأنه، وأن يترك الأشياء التي لا تنفعه ولا تهمه. هذا هو خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. وهو آخر حديث في باب المراقبة. وفي الدرس القادم إن شاء الله نشرع في باب التقوى. إلى هنا والله تعالى أعلم. شكرًا.