التعليقات على كتاب الأدب المفرد 18

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التوحيد وأهميته وخطورة الشرك

التوحيد هو أول واجب وأعظم مأمور به، والشرك بالله محرم ويوجب النار ويحرم الجنة. الله غني عن عمل العبد إذا أشرك به.

أركان الإسلام والعبادات الأساسية

إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع التوحيد أركان أساسية في الإسلام، وإقامة الصلاة على الوجه الشرعي ضروري للنجاة من النار ودخول الجنة. تارك الصلاة يعتبر كافرًا.

وجوب الزكاة وصلة الرحم وتفاصيلهما

الزكاة تجب في تسعة أصناف إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، وتاركها جحودا كافر، بينما تاركها بخلا فاسق وليس بكافر. صلة الرحم تقرب إلى الجنة وتنجي من النار.

سبب عدم أمر النبي بالنوافل في البداية

النبي لم يأمر بالنوافل ربما لأنه كان في أول إسلام الرجل، فالأمر كان بالواجبات أولا، ثم النوافل بعد ذلك إذا شرح الله صدره للإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد، بذكر حديث أبي أيوب: أن عربيا عرض للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره، وقال: أخبرني ما يقربني من الجنة ويباعدني من النار؟ قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتُصل الرحم. فذكرنا حرص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على أبواب الخير، وما يقربهم إلى الجنة ويبعدهم من النار. فسأل هذا العرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يقربه إلى الجنة ويبعده من النار، فقال عليه الصلاة والسلام: تعبد الله ولا تشرك به شيئا. أمره أول شيء بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وبإفراد الله جل وعلا بالعبادة، وهو أول الواجبات وأعظم المأمورات التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، وهو أساس هذا الدين وأصل هذا الدين الذي بعث الله جل وعلا به الرسل وأنزل الكتب، هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، كما قال جل وعلا: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، قال ابن عباس: أي ليوحدون. فأول الأعمال هو التوحيد، وجميع الواجبات هي تبع ومكملات للتوحيد، فمن صلح إيمانه وتوحيده صلحت أعماله، ومن فسد توحيده وإيمانه فسدت جميع أعماله. وقال عليه الصلاة والسلام: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، أي: تفرد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، ولا تشرك به شيئا. وشيئا نكرة في سياق النهي، تفيد العموم، أي: لا تشرك به أي شيء، لا قبر ولا شجر ولا ملك ولا نبي ولا شيئا من المخلوقات، لا تجعل مع الله سبحانه وتعالى شريكا. فإن الله جل وعلا غني عن عمل العبد إذا أشرك به، كما قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي غيري تركته وشركه»، يا أيها الناس، أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. فالله جل وعلا غني عن أعمالنا، فكيف إذا أشركنا وجعلنا معه شركاء؟ فالله جل وعلا غني عن هذه العبادات والطاعات التي نشرك فيها. والمشرك كما أخبر ربنا جل وعلا: أنه في النار، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وهو كذلك لا تغفر له الذنوب إذا مات على الشرك، إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فلهذا كان الشرك بالله جل وعلا من أعظم الذنوب، ومن أعظم المحرمات والمعاصي، كما أن التوحيد من أعظم الواجبات، فالشرك من أعظم المحرمات. فلهذا بدأ بها النبي عليه الصلاة والسلام: إن كنت تريد الجنة والنجاة من النار، فاعبد الله جل وعلا وحده، ولا تشرك به شيئا، أخلص العبادات لله، واحذر من الشرك، لا تجعل مع الله سبحانه وتعالى شريكا، تدعو من دون الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو تستغيث به، أو تذبح له، أو تنذر له، أو كذلك تخضع وتذل له، أو غير ذلك من العبادات التي هي لله سبحانه وتعالى تصرفها لهذا المخلوق، فإذا فعلت ذلك فأنت خاسر، فأنت من أهل النار، لست من أهل الجنة. قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة. ثم أمره بعد ذلك بإقامة الصلاة، وإقامة الصلاة كما هو معلوم ثاني أركان الإسلام، أولها التوحيد، وثانيها إقامة الصلاة، أي: الصلوات الخمس التي فرضها الله سبحانه وتعالى. والمراد بإقامة الصلاة: أداؤها على الوجه الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، وأمر به النبي عليه الصلاة والسلام، تؤدى في أوقاتها، وكذلك تؤدى في المواضع التي أمر الشرع بأدائها فيها، وهي المساجد. وكذلك أيضا يقيمها على الوجه الشرعي، بميقاتها وأركانها وواجباتها ومتمماتها من مستحبات نحو ذلك. قال: وتقيموا الصلاة. ولأن تارك الصلاة على الصحيح كافر، فالله جل وعلا يقول: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾، مفهومه: أنهم إن لم يفعلوا ذلك فليسوا بإخوة لنا في الدين، ليسوا بإخوة لنا في الدين. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، كما في الحديث. وقال عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة». فالصلاة ذلك من أعظم الواجبات، ومن تركها فهو كافر كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا أردت أن تكون من أهل الجنة وممن ينجو من النار، فأقم الصلاة كما أمر الله جل وعلا، وأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: وتؤتي الزكاة، أي: تؤتي المال الذي أمر الله سبحانه وتعالى بأدائه، تؤتي الزكاة المفروضة التي فرضها الله سبحانه وتعالى، وذلك في الأموال التي دلت عليها الأدلة بوجوب الزكاة فيها، والمتفق عليها تسعة: الذهب والفضة، ومن الأنعام الإبل والبقر والغنم، ومن الحبوب البر والشعير والتمر والزبيب. فهذه تسعة تجب فيها الزكاة، وفي أشياء أخرى فيها خلاف، فيجب أن تؤدي هذه الزكاة المفروضة كما أمر الله سبحانه وتعالى، إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، توقف من الأغنياء وتؤدى للفقراء، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس في «صحيح مسلم»: أنه بعث معاذا إلى اليمن، فبعد أن أمره أن يأمرهم بالتوحيد، فإن استجابوا أمرهم بالصلاة، فإن استجابوا أمرهم بالزكاة، وأخبره أن يأخذ من أغنيائهم أموالا فتعطى للفقراء. وتارك الزكاة إن تركها جحودا فهو كافر، بإجماع أهل العلم، إذا جحدها وأنكرها فهو كافر، وإن تركها بخلا وشحا فعلى الصحيح فهو فاسق وليس بكافر، فهو فاسق وليس بكافر. ومن أظهر الدلائل على ذلك: حديث أبي هريرة في الصحيحين، في ذكر عذاب مانع الزكاة، وقال عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكر أنه يعذب بالذهب والفضة التي خلفها ولم يخرج زكاتها، وهكذا بعد أن يعذب بالإبل والبقر والغنم التي لم يخرج زكاتها، قال: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار»، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. ولو كان كافرا بتركها بخلا لكان مصيره إلى النار حتما. قال: وتصل الرحم. ثم أمره عليه الصلاة والسلام بصلة الرحم، أي: أن هذه من الأعمال التي تقرب إلى الجنة وتنجي من النار، صلة الأرحام، تصل من كان بينك وبينهم رحم محرمة ومقرباءك، تصلهم بالزيارة، أو كذلك بالكلام، أو كذلك بالنفقة إذا كانوا فقراء وأنت غني، عندك أموال وعندك مما أعطاك الله جل وعلا، فإن صلتهم تكون بالإنفاق. وما يجب فقط مجرد الزيارة، إذا كانوا فقراء وأنت مما أنعم الله سبحانه وتعالى عليك، فمن صلة الرحم أن تنفق عليهم لأنهم ينظرون إلى ما في يدك إذا جئت إليهم، فهم ينظرون ويطمعون فيما أتاك الله سبحانه وتعالى، فمن صلة الرحم أن تنفق عليهم وتعطيهم. وأما إذا لم يكن عندك شيء، فيكفي الزيارة، وهكذا السلام ونحو ذلك. وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث، هو قوله: وتصل الرحم، أمر عليه الصلاة والسلام بصلة الرحم إذا أراد أن ينجو من النار ويدخل الجنة. ولم يذكر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث وجوب الحج، قال أهل العلم: وذلك يحمل على أنه كان قبل فرض الحج، أي: أن هذا الحديث كان قبل نزول وجوب الحج، فلهذا لم يذكره عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا لم يذكر فيه النوافل، ومعلوم أن النوافل وإن كانت مستحبة، لكن تركها تهاونا، وتركها كذلك أيضا ماذا رغبة عنها، فيه طعن في صاحبها، وربما يحكم عليه بالفسق، لكن النبي عليه الصلاة والسلام هنا لم يأمره بها، قال أهل العلم: لأن هذا الرجل ربما كان في أول إسلام، ولو أمره بها لكان ذلك شاقا عليه، لكن أمره بالواجبات والفرائض، ثم بعد ذلك إذا شرح الله صدره للإسلام، فإنه يأخذ بهذه النوافل، وتزود من هذه الطاعات، فلهذا أخرها عليه الصلاة والسلام.