الدرس في كتاب الطهارة 25، الدرس الخامس والعشرون:من( الحديث التاسع:عن عائشة رضي الله عنها ... قال في المغني لا يعلم في عدم الوجوب خلاف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أهمية التيمن في الأفعال اليومية مثل لبس النعل وترجيل الشعر والتطهر، مستندًا إلى حديث عائشة رضي الله عنها الذي يرويه الإمام البخاري. يُبين أن التيمن يكون في الأفعال التي تعتبر من الإكرام.
يتناول المقطع شرحًا لقاعدة استحباب تقديم اليمين في الأمور الطيبة والمكرمة، واستعمال اليسار في الأمور المستقذرة، مستندًا إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء. يُبين أن هذه القاعدة تنطبق على مختلف العبادات مثل الوضوء والصلاة.
أشار المعلق إلى أن ابن قدامة ذكر في كتابه 'المغني' عدم وجود خلاف بين أهل العلم في استحباب البدء باليمين، وهذا يوافق قول النووي رحمه الله. يُبين الاتفاق على هذه المسألة بين العلماء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمون في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله». ومر معنا أن أقرب الألفاظ لفظ الإمام البخاري، قال: حدثنا يحيى بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها، فذكر الحديث. وفي هذا الموضع في رواية البخاري قال: «وطهوره وفي شأنه كله» بإضافة الواو. وهي كما قال الحافظ ابن حجر: رواية أبي الوقت. وأكثر الرواة رووها بحذف الواو. وبإثباتها يكون المعنى كما سيأتي، وبحذفها يكون المعنى آخر، كما نبه على ذلك الحفاظ في الشرح. وأورد رحمه الله هذا الحديث في هذا الموضع في كتاب الطهارة؛ لدلالته على التيمم في الطهارة، كما هو ظاهر. «وطهوره» وهكذا، كذلك ما فيه من التيمم في مواضع يحتاج إليها عند التطهر، وما بعده، مثل لبس النعل، وهكذا كذلك ترجيل الشعر، وهكذا كذلك دخول الخلاء والخروج منه، ودخول المسجد والخروج منه، ونحوه. فكل هذا وغيره يشمله حديث عائشة رضي الله عنها، فلهذا أورده رحمه الله في هذا الموضع. قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث، قال: «يعجبه التيمم»، قال: يفضل تقديم الأيمن. هكذا قال رحمه الله تعالى. قال: يفضل تقديم الأيمن على الأيسر، أي: يفضل ويستحسن. قال الصنعاني: كل فعل يحبه الله ورسوله فهو يدل على مشروعيته؛ للشركة بين الإيجاب والندب. والمعنى أن ما يحبه الله إما مندوب وإما واجب. وهنا «يعجبه التيمم في تنعله وترجله وطهوره» بشأن كله، الأصل هو الندب، هذا هو الأصل. ومنه ما قد يكون واجبًا إذا كان ذلك منافيًا لما هو واجب، مثل: مس النجاسة باليمين، فإنه قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام -وسيأتي- أن يمسك الرجل ذكره بيمينه، وأن يتمسح من القبلة بيمينه. فإذا قوله: «يعجبه» وفي رواية -كما مر معنا- «يحبه»، وفي رواية مسلم: «يحبه»، ليس معناه أنه كله مستحب، فمنه ما هو مستحب، ومنه ما هو واجب. قال رحمه الله ثانيًا: في تنعله، أي: لبس نعله. أي: كان عليه الصلاة والسلام كذلك يعجبه ويحب التيمن في تنعله. ويدل عليه حديث أبي هريرة: «وَجَاءَ عَنْ غَيْرِهِ» وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْتَكُنْ آخِرَهُمَا نَزْعًا». وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ مَا يَبْدَأُ فِي لُبْسِ النَّعْلِ أَوْ قَالَ بِالنَّعْلِ أَنْ يَلْبَسَ الْيَمْنَاءَ. قال ثالثًا: وترجله -عندي وتركه بالكاف وهو خطأ، صوابه بالجيم- قال: تسريح شعر رأسه ولحيته بالمشط. هذا معنى الترجل. ومعنى أنه يبدأ بالجهة اليمنى ثم الجهة اليسرى؛ وذلك لأن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يفرق شعره فرقتين، كما جاء في حديث ابن عباس: أنه كان يسدل -كان المشركون في مكة يفرقون- فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخالفهم فيسدل شعره -يعني للخلف- فلما قدم المدينة ورأى اليهود -وكانوا هم المشركون فيها- ورآهم يسدلون، خالفهم عليه الصلاة والسلام، ففرق رأسه فرقتين. ومعنى يجعل جهة يمنى وجهة يسرى، ويفرق من الوسط. وهذا الحديث يدل على أن الترجل يكون للجهة اليمنى ثم الجهة اليسرى. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ». فإذا أكرمه فليبدأ باليمنى ثم اليسرى. ومع ذلك لا ينبغي الإكثار من الترجل؛ لأنه من الترفه الذي ينبغي أن لا ينشغل به المسلم. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالترجل غِبًا. ومعنى غِبًا: يعني ليس كل يوم، وإنما مرة ومرة؛ كما روي على إمام أحمد: «يَوْمًا وَيَوْمًا أَوْ بَعْضًا وَبَعْضًا»، يعني ليس على وجه الاستمرار كل يوم. وهذا لمن لم يكن له شعر كثير يحتاج إلى إكرام. فإن كان له شعر كثير يحتاج إلى إكرام، فلا بأس أن يكرمه إذا احتاج إلى ذلك. وإذا لم يحتج، فالسنة أن لا يكون كل يوم. قال: «وطهوره» بضم الطاء. «طهوره» بضم الطاء، قال: التطهر. ومر معنا فيما تقدم أنه يجوز بالفتح كذلك. قال: ويشمل الوضوء والغسل وإزالة النجاسة. أما الوضوء، فقد تقدم في حديث عثمان، وفي حديث عبد الله بن زيد، وهكذا ما سبقت الإشارة إليه في حديث ابن عباس وغيره. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ بالميامن -يعني يبدأ بيمينه- في إفاضة الماء، وفي غسل الأعضاء. وهكذا كذلك في الغسل -وسيأتي معنا إن شاء الله- أنه كان يبدأ بميامنه -يعني الجهة اليمنى-. وهكذا كذلك حتى غسل الميت، قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أم عطية: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا». ومعناه: يبدأ بالجهة اليمنى. وأما إزالة النجاسة، فلا يزيلها باليمين، ولكن يزيل النجاسة بالشمال، ولكن يصب باليمين -كما سيأتي معنا إن شاء الله في الأحاديث الآتية- معناه: لكن يحمل كلامه رحمه الله أنه يصب الماء باليمين ويغسل بيساره أو شماله. قال: «وفي شأنه كله» من الأشياء المستطابة كهذه الأمثلة المذكورة. قال الشيخ تقي الدين: «وفي شأنه كل عام» مخصوص بمثل دخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوها مما يبدأ فيه باليسار. يعني: الأصل أن ما كان موضع إكرام وهو مواضع طيبة -وهذا قوله: «المستطابة» كالأمثلة المذكورة- فإنه يبدأ باليمين. وما كان ليس كذلك، فإنه يكون بالشمال. فإنه يكون بالشمال. وهذا ما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهذا المعنى مأخوذ من نصوص كثيرة -كما سيأتي معنا إن شاء الله- فإن النصوص الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله تدل على هذا المعنى: أن ما كان من باب الإكرام فإنه يكون باليمين، وما كان غير ذلك فإنه يكون بالشمال. هذا الذي صحت به الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. والشرع لا يجمع بين مُفترق ولا يفرق بين مجتمع. فلو تأملت أحاديث كثيرة تجد هذا المعنى. فتجد مثلًا أن النبي عليه الصلاة والسلام -كما مر من فعله- كان يحرص على غسل المواضع اليمنى، ويلبس النعل باليمنى. بل قال من قوله: «إِذَا تَوَضَأْتُمْ فَابْدَءُوا بِأَيْمَانِكُمْ». وهكذا كذلك في ترجله، وهكذا كذلك في دخوله المسجد -كما جاء في حديث أنس- وهكذا مواضع كثيرة. كان الإكرام يكون فيها باليمين، وغير ذلك يكون في الشمال. وهذا يعطينا المعنى الآخر لمعنى التيمن، وهو طلب اليمن والبركة. فإن اليمين تأتي ولها معانٍ: يأتي من معنى اليمن والبركة، ويأتي بمعنى اليمين ضد الشمال، ويأتي بمعنى الابتداء. وكل هذه المعاني مقصودة في ذكر اليمين في هذا الموضع. وكما قلنا: أنه جاء في رواية: «وفي شأنه كله»، وفي رواية: «في شأنه كله». وقد فرق الشراح بين الروايتين: بأن قوله: «وفي شأنه كله» يكون معناه شيء من إنشاء جديد يضيف معاني أخرى غير المذكور. يعني: الترجل والتنعل والطهور وهكذا، كل ما كان بمعنى ذلك فهو يكون باليمين. فهو في شأنه كله. مثل دخول المسجد، ومثل كذلك التطيب على المريض، ومثل الإشارة، ونحو ذلك مما سيأتي -إن شاء الله- كلام عليه. وعلى حذف الواو يكون المعنى تفسير لقوله: «في تنعله وترجله وطهوره»: أن هذا الفصال الثلاث كان يفعلها في شأنه كله. يعني: سفرًا وحضرًا، وصحة ومرضًا. فأشار الشراح أن الواو وجودها وعدمها يضيف أحد هذين المعنيين. وعلى رواية مسلم: «وسواكه» يكون كذلك إضافة معنى السواك، وهو رابع. وهذه الرواية انفرد الإمام مسلم رحمه الله بروايته دون البخاري. وانفرد بها مسلم بن إبراهيم عن شعبة. ولهذا حكم بعض الحفاظ بغرابتها. وسواء قلنا: شاذة أو صحيحة، فيحمل معناها على عموم ما ورد: ما كان من باب الإكرام فإنه يبدأ باليمين. يعني: يستاك بالجهة اليمنى أولًا ثم الجهة اليسرى. على هذه القاعدة التي علمت من عموم الأدلة. وهل يستاك باليد اليمنى أو باليد اليسرى؟ ذهب بعض أهل العلم: لأنه باليمنى؛ لعموم هذا الحديث. وذهب بعضهم: أنها باليسرى؛ على القاعدة في هذا الباب. وإليه مال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن ما كان من باب الإخلاء فإنه يكون باليسرى. وما كان من باب الإكرام فإنه يكون باليد اليمنى. فأخذ بهذه القاعدة، فجعل أن الأفضل أخذ السواك باليسرى. وأثر عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت في هذا: هل يستاك باليمين أو بالشمال؟ فأجابت: بأنها لا تبالي أن يستاك باليمين أو شمال. حتى ذكرت ولو كان برجله، يعني: لا تشدد على نفسك في هذا الباب. وهذا معناه: أنه ما كان فيه مشقة في تحديد -مثل السواك- وما كان بمعناه، فينبغي أن لا يشدد. يعني: لا تكن متشددًا، تتوقع نفسك في مشقة بهذا التقسيم على إطلاقه في كل شيء. ولكن المقصود: ما كان ممكنًا وسهلًا ومتيسرًا، فيبقى على هذه القاعدة. وما لم يكن كذلك، فإنه ينبغي أن لا يدخل نفسه في مشقة. قال رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: من فضل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن -لا سيما الحافظ العالم الصديق بنت الصديق- أنهن -يعني: عائشة رضي الله عنها- أنهن روينا للأمة من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم -لا سيما الأفعال المنزلية التي لا يطلع عليها غير أهل بيته- روينا علمًا كثيرًا. يعني: وهذا من ذاك العلم الكثير؛ لأنه استقراء من عائشة رضي الله عنها لأحوال النبي عليه الصلاة والسلام. ولا تكون إلا لمكثر من الاطلاع. فالتنعل والترجل والطهور هو من مضان اطلاع الأزواج. فلهذا حكت هذا الحديث بهذه الصيغة: صيغة «كان» التي تدل على الكثرة. أي: تكرر وقوع ذلك. قال: فهنا عائشة تخبرنا عن عادة النبي صلى الله عليه وسلم المحبب إليه -كما جاء في رواية مسلم: «يحبه»- قال: وهي تقديم الأيمن في لبس نعله، ومشط شعره وتسريحه، وتطهره من الأحداث، وفي جميع أموره التي من نوع ما ذكر: كلبس القميص والسراويل، والنوم والأكل والشرب، ونحو ذلك. فإنه ينبغي أن يلبس بالجهة اليمنى، يبدأ بالأيمن. هذا الأفضل. وهكذا لما أمر الحلق أن يحلق، أمر أن يحلق الجهة اليمنى. وهكذا في النوم -في حديث حفصة-: «كَانَ يَنَامُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَضَعُ كَفَّهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ». وغير ذلك من الأحاديث. والأكل والشرب: كان يأكل بيمينه ويشرب بيمينه، وينهى أن يأكل المرء ويشرب بشماله. قال: كل هذا من باب التفاؤل الحسن، وتشريف اليمين على اليسار. هذا معنى من باب التفاؤل الحسن، وهو اليمن البركة في اليمين. وثانيًا كذلك: تعيين ابتداء اليمين، والقصد في ذلك إكرامًا لها. وهكذا كذلك تخصيصًا لها. وهذا التخصيص مع ما فيه من موافقة الشرع، فيه كذلك فوائد صحية ذكرها بعض المعاصرين. وقد ذكرها قبلهم كثير من أهل العلم من سبق. فإن التمييز بين اليمين والشمال في ذلك: مضان دفع المضار. فإن مواضع الاستطابة من التخلي ونحوه -لو كان باليمين- والأكل باليمين أضر ذلك بالإنسان. لكن من حكمة الله، وكذلك كمال شرعه ودينه: أنهدى رسوله صلى الله عليه وسلم لتعليم أمته أكمل العادات والأخلاق، وهكذا كذلك العبادات. وهذا منه. قال: كل هذا من باب التفاؤل الحسن وتشريف اليمين على اليسار. وأما الأشياء المستقذرة، فالأحسن أن تقدم فيها اليسار. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمين -كما سيأتي- ونهى عن مس الذكر باليمين -كذلك سيأتي-؛ لأنها للطيبات، واليسار لما سوى ذلك. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولًا: أن تقديم اليمين للأشياء الطيبة والأفضل شرعًا وعقلًا وطبًا. قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة: استحباب البدء باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين. وما كان بضدها، استحب فيه التياسر. يعني: ما كان ضد ذلك، فيستحب فيه التياسر، وهو يعني البدء باليسار. وهذه القاعدة التي ذكرها العلماء لها أصل. فمن تتبع الشرع وجد معنى هذا الأصل في أدلة كثيرة. فمثلًا قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما تقدم في حديث أبي هريرة في البخاري وغيره-: «إِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُسْرَى». إذا خلع نعله: «فَلْتَكُنْ الْيُمْنَى آخِرَهُمَا نَزْعًا». هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «آخِرَهُمَا نَزْعًا»، معناه: أن اليسرى هي التي يبتدأ بها. وهكذا كذلك في دخول الخلاء: جاء بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذَى». رواه أبو داود بإسناد صحيح، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في «المشكاة» وفي «صحيح أبي داود». وهكذا كذلك الخروج من المسجد والدخول فيه: ثبت في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ بِالْيَمِينِ وَيَخْرُجُ بِالْيُسْرَى». فقد روي عن أنس ما رواه الحاكم والبيهقي أنه قال: «مِنْ السُّنَّةِ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِالْيَمِينِ وَخُرُوجٌ بِالْيُسْرَى». وقوله: «مِنْ السُّنَّةِ» يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وصححه العلامة الألباني رحمه الله في «الإرواء» وفي غيره. وبوب البخاري رحمه الله في صحيحه: باب التيمن في دخول المسجد وغيره. ثم ذكر أثر ابن عمر قال: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى». فإذا خرج بدأ برجله اليسرى. وذكر حديث عائشة المتقدم. وهكذا كذلك يقاس عليه غيره: مثل دخول الخلاء والخروج منه -كما قال الشيخ الألباني رحمه الله في «الإرواء» قال: «وَلَمْ أَقِفْ عَلَى دَيلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ الْخَلَاءِ بِالْيُسْرَى وَالْخُرُوجِ بِالْيَمِينِ وَلَكِنَّ دِلَالَهُهُ هُوَ الْقِيَاسُ» أو كما قال رحمه الله تعالى. وهكذا لو تأملت أدلًا أخرى كثيرة تجد هذا المعنى: كالمصافحة باليمين، فإنها تكون باليمين. وهكذا البيعة: أخذ البيعة تكون باليمين. وهكذا كذلك تعويد المريض -كما جاء في حديث عائشة-: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُوذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ اذْهَبْ الْبَاسَ اشْفِهِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا». وهكذا كذلك: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة. وكان إذا تشهد يتشهد باليد اليمنى، يشير بها يدعو بها عليه الصلاة والسلام. وهكذا كان إذا جلس نصب رجله اليمنى، واتكأ على رجله اليسرى. وهكذا كان عليه الصلاة والسلام إذا اكتحل اكتحل في العين اليمنى ثلاثًا، وفي اليسرى مرتين -كما ثبت في حديث ابن عمر-. وكان إذا أشار عليه الصلاة والسلام أشار بيده -إذا أراد أن يوقف قوم أو يشير إليهم- أشار بيده اليمنى -كما ثبت في مسلم في حديث جابر بن عبد الله في حديث حجة الوداع-: أشار إلى القوم بيده اليمنى: «السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ». فتأمل هذه الأحاديث تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل اليمنى في هذا المعنى، واليسرى في ضدها. قال ثانيًا: أن جعل اليسار للأشياء المستقذرة هو الأليق شرعًا وعقلًا. أما شرعًا: فبالمواضع التي ذكرت، ويقاس عليها غيرها. فالشرع -كما قلنا- لا يجمع بين مُفترق ولا يفرق بين مجتمع. وأما عقلًا: فالعقل يقتضي تطييب اليمين التي تستخدم للطعام والشراب ولكل ما يكون فيه إكرام. فأنت لا تصافح بالشمال، تصافح بيدك اليمين. وهذا من باب الإكرام. فكذلك كل ما كان من الإكرام فهو باليمين. وكل ما لم يكن كذلك فهو بالشمال. قال ثالثًا: أن الشرع الشريف جاء لإصلاح الناس وتهذيبهم ووقايتهم من الأضرار: تهذيبهم بهدايتهم إلى أكمل الأخلاق والعادات، وهكذا كذلك العبادات. وهذا منه. ووقايتهم من الأضرار: بالتمييز بين اليمين والشمال، وجعل هذا بعيدًا عن هذا؛ حتى لا يختلط موضع الضرر بغيره. فإن موضع الأذى -الشمال- لو كان الأذى يتناول باليمين، كان هذا سببًا للضرر. وأكثر الأسقام والأمراض تنقل بالأذى الخارج وفضلات الإنسان. فلهذا من حكمة الله جعلت بالشمال، ونهى عن اليمين في مباشرتها. وهذا يؤكد هذه القاعدة التي ذكرها العلماء. قال رابعًا: أن الأفضل في تقديم الأعضاء اليمنى على مياسرها في الوضوء -لفعل النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم- قال النووي: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ مَنْ خَالَفَهَا مَا فَاتَهُ الْفَضْلُ وَتَمَّ وُضُوءُهُ». قال في «المغني»: «لَا يُعْلَمُ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ خِلَافٌ». قوله رحمه الله: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَقْدِيمِ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوءِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ». نعم كما قال. ومن خالفها ما فاته الفضل وتم وضوءه -كذلك كما قال رحمه الله- ثم قال: قال في «المغني»: «لَا يُعْلَمُ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ خِلَافٌ». يعني: في عدم وجود هذا التفضيل خلاف. يعني: معناه أن كلام النووي رحمه الله صواب ما ذكره رحمه الله صواب. وأشار -عندي- المعلق: نص كلام صاحب «المغني» ابن قدامة: «لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْنَا فِي اسْتِحْبَابِ الْبَدْءِ بِالْيَمِينِ». يعني: موافقة منه لكلام النووي رحمه الله. والله تعالى أعلم.