الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع فضيلة الإحسان كأعلى مراتب الدين مستدلاً بآيات قرآنية وحديث جبريل الذي حدد مقامي المشاهدة والمراقبة. كما يبين أنواع الإحسان إلى إحسان مع الخالق بتحقيق التوحيد وإحسان مع الخلق في المعاملات والأعمال.
يوضح المقطع أن الإحسان لا يتحقق مع الشرك بل يتعارض معه لأن الشرك أعظم ظلم، وأن الإحسان مع الله يكون بمراقبته في السر والعلن. كما يبين أن الإحسان مع النبي ﷺ يتم بتصديقه وطاعته واجتناب بدعه، وأن الابتداع إساءة للنبي.
يستعرض المقطع صوراً متعددة للإحسان بدءاً بالإحسان إلى الصحابة بنشر فضائلهم والسكوت عما شجر بينهم، والإحسان إلى الوالدين بطاعتهما والدعاء لهما، والإحسان إلى العلماء بالرجوع إليهم في الفتن، والإحسان إلى الجيران والحيوانات والزوجة بالمعاشرة الحسنة.
يختتم المتحدث بالتأكيد على كثرة أنواع الإحسان ثم يدعو الله أن يجعلهم من عباده المحسنين المستقيمين في جميع جوانب الحياة مع الله ورسوله والفقراء والمساكين.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن الأخلاق الرفيعة العالية التي أمر بها الشرع خلق الإحسان، فخلق الإحسان من الأخلاق العظيمة ومن المراتب العالية في ديننا. فالله سبحانه وتعالى أمر بالإحسان في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، قال جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾، والنصوص كثيرة في هذا وهكذا. ثم جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام الأمر بالإحسان في أحاديث كثيرة، منها ما رواه الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». والإحسان كما تقدم من أعظم مراتب الدين، ففي حديث جبريل، أو حديث عمر، رواه الإمام مسلم في مجيء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى النبي عليه الصلاة والسلام فسأله عن الإسلام، فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أركان الإسلام الخمسة، سأله عن الإيمان، فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أركان الإيمان الستة، سأله بعد ذلك عن الإحسان، فذكر له ركن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فالإحسان يتبين لنا من هذا الحديث أنه على مقامين: مقام المشاهدة، ومقام المراقبة. فمقام المشاهدة في قوله عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه»، أي كأنك تشاهده، فهذا يقال له مقام المشاهدة. والثاني هو مقام المراقبة في قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، أي مطلع عليك ورقيب عليك، والواجب أن تراقب الله عز وجل في حركاتك وفي سكناتك. ومقام المشاهدة المراد به عند أهل السنة والجماعة وهو المعنى الصحيح، ليس كما هو عند غيرهم من أهل الضلال، فلا أحد يشاهد ربنا عز وجل في الدنيا، وإنما المراد بمقام المشاهدة في هذا الحديث: أن تعبد الله كأنك تراه، أي مشاهدة آثار أسماء الله جل وعلا وصفاته في ملكوته، وإرجاع تلك الآثار الحاصلة في ملكوت الله جل وعلا التي هي من آثار أسماء الله وصفاته في ملكوته إلى الله جل وعلا، مما يجعل العبد يزداد إيماناً وتقرباً وطاعة لله عز وجل. فأسماء الله جل وعلا وصفات الله جل وعلا لها آثار في ملكوته سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾، فانظر إلى آثار رحمة الله، اسم الله جل وعلا الرحيم، صفة الله جل وعلا الرحمة، لها آثار في ملكوت الله عز وجل، أمر الله عز وجل بالنظر إلى هذه الآثار، آثار هذه الصفات في ملكوته سبحانه وتعالى: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام قد بين مثل هذه المعاني العظيمة وهذا المراد، لما رأى تلك المرأة أخذت ولدها ترضعه، قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «أترون هذه المرأة تطرح ولدها في النار؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها». فهذه الرحمة الصادرة من هذه المرأة لولدها أثر من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى في ملكوته، بل الرحمة التي يتراحم بها الوحوش، تراحم بها الحيوانات، حتى تضع الدابة، ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تطأه، ما ذلك إلا من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى. فالإنسان شاهد هذه الآثار، وينظر هذه الآثار العظيمة في ملكوت الله سبحانه وتعالى، ويرجع هذه الآثار إلى آثار أسماء الله جل وعلا وصفاته في ملكوته. الجمال موجود في ملكوت الله عز وجل، ننظر إلى الأشجار، ننظر إلى البحار، ننظر إلى الجبال، ننظر إلى جمال هذه الطبيعة، فإنسان يرى هذا الجمال العظيم، هذا الجمال الموجود في ملكوت الله سبحانه وتعالى أثر من آثار أسماء الله الجميل وصفة الجمال في ملكوت الله سبحانه وتعالى، الذي أعطى هذا الجمال في هذه المخلوقات هو أولى بالاتصاف بهذا الجمال. ورحم الله الإمام ابن القيم حيث بين هذا المعنى بقوله: «وجمال سائر هذه الأكوان من بعض آثار الجميل فربها أولى وأجدر عندها للعرفان». وجمال سائر هذه الأكوان، هذه الأكوان جمال سائر جمالها من بعض آثار الجميل، أي من بعض آثار اسم الله جل وعلا الجميل وصفة الجمال في ملكوته سبحانه وتعالى، فربها أي رب هذه الأكوان أولى وأجدر عندها للعرفان، أي بالاتصاف بهذا الجمال. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال»، «إن الله جميل يحب الجمال» كما في مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، بعد أن بين الكبر أنه بطر الحق وغمط الناس. والإحسان والمقام الثاني، مقام المراقبة، هو أن يعبد الإنسان ربه جل وعلا كأنه يراقبه، إذا قام في صلاته يراقب الله عز وجل، قلباً وقالباً، صلي صلاة مودع، كأنك ترى الله، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والحديث صحيح. وهكذا إذا قام إلى أي عمل عليه راقب الله عز وجل في هذا العمل، فيحسن هذا العمل من صلاة وصيام وحج وبر وصلة وأعمال أخرى، فيحسن هذه الأعمال. والإحسان على نوعين: إحسان مع الخلق، وإحسان مع الخالق. إحسان مع الخالق وهو الله جل وعلا، وإحسان مع الخلق. فأما الإحسان مع الخالق فهو أن يحسن الإنسان الشهادة لله جل وعلا بالوحدانية، شهد الإنسان لرب العالمين بالوحدانية وأنه لا إله إلا هو وأنه رب العالمين سبحانه وتعالى، فعليه أن يحسن في هذه الشهادة: لا معبود بحق إلا الله. فلا يمكن أن يكون للإنسان محسناً وهو مشرك، المشرك لم يحسن مع الله جل وعلا، لماذا؟ لأنه لا يتأتى الإحسان مع الشرك بالله عز وجل لأنه يناقض الإحسان الذي هو إحسان الشهادة لله جل وعلا بالوحدانية. فالذي يتوجه إلى غير الله، يدعو أصحاب القبور أو يستغيث بهم، أو يجعل لهم مشاركة مع الله عز وجل في شيء من خصائص الربوبية أو دفع الضر أو جلب النفع إلى آخر ذلك من هذه الاعتقادات، فهذا لا يمكن أن يكون محسناً مع الله عز وجل أبداً. فكل من أشرك بالله عز وجل فليعلم أنه لم يحسن إلى ربه سبحانه وتعالى، وإنما أساء أعظم الإساءة، لأن الشرك هو من أعظم الإساءة ومن أعظم الظلم: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾، فهو أعظم الظلم وهو أعظم الإساءة مع رب العالمين سبحانه وتعالى الذي خلقك، والذي رزقك، والذي أحياك، والذي يميتك، فأنت تذهب تعبد غير الله، أو تصرف عبادات لغير الله، أو تعتقد أن أحداً مع الله جل وعلا مشاركة، إلى آخر ذلك مما يضع فيه الناس من الشرك، فهذا من أعظم الإساءة. وهذا الإحسان مع الله عز وجل يكون بالمراقبة، تكون بالمراقبة، تراقب الله في السر وفي العلن، ما هو في العلن فقط، تراقب الله عز وجل، وإذا كنت في السر وفي الخلوة انتهكت محارم الله عز وجل فهذا به إساءة. والإحسان مع الخلق أنواعه كثيرة، وأعظم الناس وجب الإحسان معه من الخلق هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، أحق الناس بالإحسان من الخلق هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو أفضل البشر وخير الأنبياء. الإحسان مع الرسول عليه الصلاة والسلام يكون بإحسان الشهادة له بالرسالة، أن نحسن في شهادتنا للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة، نحن شهدنا للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، نحسن هذه الشهادة كيف؟ بتصديقه فيما أخبر، طاعته فيما أمر، اجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا نعبد الله إلا بما شرع رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا هو الإحسان للشهادة. إذا خالف الإنسان شيئاً من هذه الأمور فليعلم أنه لم يحسن، لم يحسن الشهادة للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة. فالذي يقع في المعاصي هذا يسيء في شهادته للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة، الذي كذلك يبتدع في دين الله عز وجل ويشرع في دين الله عز وجل ما لم يشرعه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا مسيء، هذا مسيء في شهادته، وهذا مسيء مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ولم يحسن. ورحم الله الإمام مالك، رحم الله، حين قيل له: من الناس من يزعم أن في الدين بدعة حسنة، قال: «من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد اتهم النبي عليه الصلاة والسلام بالخيانة». أن هذا إساءة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، كيف تحدث في دين الله عز وجل صلوات أو أذكاراً أو غير ذلك؟ هذا معناه أن النبي عليه السلام لم يكمل هذا الدين، بقيت صلوات، بقيت أذكار، بقيت أمور مستحسنة، أمور مستحبة، غفل عنها النبي عليه السلام ولم يبينها للأمة، حاشاه، وإن لم يقل الإنسان ذلك بلسان مقاله قالها بلسان حاله حين أحدث، حين أحدث في دين الله عز وجل وابتدع، فهذا اتهام بالخيانة، وهذه إساءة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. كثير من الناس اليوم يعني يقيم الدنيا ويقعدها حين يظن مثلاً بعض الكفرة يسبّ من الإسلام أو يسير من الإسلام، ولا بأس، الإنسان يعظم النبي عليه الصلاة والسلام ويستاء حين يسمع مثل هذه السباب والشتائم، لكن للأسف ما تجد كثيراً من الناس يستاء حين يرى البدع منتشرة في أوساط المسلمين، وهذه إساءة، هذه إساءة كذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، هذا المبتدع الذي ربما علق الأوراق الكثيرة: محبة الرسول، حبيبنا رسول الله، إلا الحبيب، إلا كذا، إلا كذا، شعارات وأوراق تملأ الأسواق وكذا وكذا وكذا، تمام، طيب، وهذا الإنسان يبتدع في دين الله عز وجل، استدراك على النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه التي قال الإمام مالك عنها خيانة، اتهام بالخيانة. من هذا يؤب أهله، كثير من الناس لا يدرون، فيه بدع وفيه محدثات، يسيء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ربما في اليوم مئة مرة، الكفار ربما سمعنا بعد أشهر أساء وأخرج كلمة أو كذا في إعلامهم أو في إلى آخر ذلك، لكن من المسلمين من يسيء إلى النبي عليه الصلاة والسلام مئات من المرات في يومه وليله، بدع ومحدثات وكذا وكذا وكذا، وهو يظن أن هذا ليس من الإساءة، هذا من الإساءة، من الخيانة، اتهام النبي عليه السلام بالخيانة في الرسالة حيث لم يكمل هذا النبي عليه السلام، وربنا عز وجل يقول: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾، فلا يمكن أن يحسن الإنسان مع النبي عليه السلام وهو يبتدع في دين الله عز وجل. فالإحسان يقتضي المتابعة والمحبة، كذلك النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، لا بمتابعة، اتباع النبي عليه السلام: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، هنا الإحسان أن يكون رسول الله عليه الصلاة والسلام قدوتنا وأسوتنا، هذا هو الإحسان مع النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾. ومن الإحسان، ومن الإحسان مع الخلق، إحسان مع الصحابة بالترضي عنهم، بنشر فضائلهم ومحاسنهم، بالكف عما شجر بينهم، لا يتناول الإنسان الصحابة بالمعائب، الصحابي الفلاني قد وقع في كذا وكذا وكذا، الصحابي الآخر وقع في كذا وكذا، يجمع يعني معائب بعض الصحابة، الصحابة لهم معائب كذا، هذه الأمور التي أخطأ فيها كذا وكذا، هذا ليس من الإحسان، هذا ليس من الإحسان، وليس أهل السنة والجماعة في عقيدتهم على هذا، وإن من عقيدتهم التي سطروها: الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والاعتدار لهم بما وقع منهم، والسكوت عما شجر بينهم، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا»، حديث حسن، حسّنه بعض أهل العلم منهم الشيخ الألباني رحمة الله تعالى عليه. هذا هو الإحسان مع الصحابة، نشر فضائلهم، ما هو التكلم ولا على بعضهم ولا على واحد منهم، الجميع يسكت عما شجر بينهم، ولا تذكر معايبهم، وإنما تنشر فضائلهم ومحاسنهم، ويؤمر الناس بالاقتداء بهم: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾، فالله عز وجل أثنى على التابعين للصحابة بإحسان، وهكذا ترضى عنهم في كتاب الله الكريم، أي ترضى عن الصحابة، ورسول الله سلم، كذلك: «لا تسبوا أحداً من أصحابي»، أحداً من أصحابي، أحداً نكرة في سياق النهي تفيد العموم، ولا واحد، ولا واحد من أصحاب النبي سلم، لا تسبوا، لا تسبوا أحداً من أصحابي، ولا واحد، ما يجوز التكلم على الصحابي، السب ليس معناه توجه اللعن كما يظن كثير من الناس، أنك تسب الصحابي يعني تلعنه، لا، سب الصحابة لاستحقار، لاستخفاف به، أو كذلك ذكر معايب هذا الصحابي، أو الهمز أو اللمز، هذا من السب ومن الشتم، همز أو لمز أو تلميح في ما يدل على تنقيص حقه، كل ذلك ليس من الإحسان مع الصحابة، الله سلم، هؤلاء خيرة الخلق بعد النبيين، عليهم أفضل الصلاة والتسليم. وهكذا الإحسان مع الوالدين: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾، ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾، وجاء رجل النبي عليه الصلاة والسلام قال له: يا رسول الله، إني أريد أن أجاهد، قال له: «أحي والداك؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «فارجع إليهما فأحسن صحبتهما»، فأحسن صحبتهما. فأحسن، عبد الله بن عمر، قال رجل: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك». فالوالدان أمر الله عز وجل بالإحسان إليهما، ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾، تدعو لهما بالمغفرة والرحمة في حال حياتهما، بعد مماتهما، وأن تتواضع لهما، لا تنهرهما، لا تزجرهما، لا بلسان الحال ولا بلسان المقال، فالإحسان مع الوالدين أمر عظيم. ومن الإحسان، الإحسان مع العلماء بالرجوع إليهم، بالثناء عليهم، بإرجاع الناس إليهم، الذي لا يرجع الناس إلى العلماء ما أحسن إلى العلماء، أساء إلى العلماء، الذي يدعو الناس إلى غير العلماء ولا يدعوهم إلى الرجوع إلى العلماء ما أحسن مع العلماء، أساء إلى العلماء، لأن الله أمر بالرجوع إليهم: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾، أهل الحل والعقد، الراسخون في العلم، هذا يرجع إليهم ويؤمر الناس بالرجوع إليهم، خاصة في زمن الفتن والمحن: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾، فهذه الآية فيها الأمر بالرجوع إلى العلماء، فمن أرجع الناس إلى العلماء الراسخين في أيام الفتن فقد أحسن، وأخذ بما جاء في كتاب الله، ومن لم يرجع الناس إلى العلماء الراسخين في الملمات فما أحسن، بل أساء، لأنه خالف. ومن الإحسان، الإحسان مع الجيران، إحسان مع الجيران، يحسن مع جاره، هذا من دلائل الإيمان، وأن النبي سلم أخبر أن امرأة تكثر الصلاة والصيام، ولكن تؤذي جيرانها، قال: «لا خير فيها، هي من أهل النار». من الناس من ينتبه لأمور ويغفل عن أخرى، ويظن أنها بسيطة، يعني تجده كثير صلاة، كثير صيام، كثير نوافل، لكن يغفل عن أمر يظنه هيناً وهو عند الله عظيم، يكون سبباً في دخول نار جهنم، هذه المرأة تكره لها من كثير صلاة، كثير صيام، ولكن تؤذي جيرانها، ما أحسنت مع جيرانها، فماذا كانت النجاة؟ أخبر أنها من أهل النار، أخبر أنها من أهل النار. وأخرى ربما ليس عندها كثير صلاة وصيام، بمعنى صلاة نوافل، صيام نوافل، ما عندها مثل تلك المرأة، ولكن معها إحسان مع جيرانها، أخبر أنها من أهل الجنة. فالإحسان مع الجيران، الإحسان مع كذلك الحيوان، أساءت امرأة الخلق ولم تحسن مع هرة، دخلت النار كما أخبرنا سلم، دخلت النار امرأة في هرة، لماذا؟ لم تحسن مع هذا الحيوان، لم تقم بما أمر، عدل من الإحسان تجاه هذا الحيوان. وإمرأة أخرى بغي من بغايا بني إسرائيل، سقت كلباً، سقت كلباً وجدته يأكل الثرى من العطش، سقت كلباً، دخلت الجنة. فلا بد يا عباد الله، النظر في جميع الأمور، ليس الإنسان ينظر في جوانب ويغفل عن أخرى، فالدين دين متكامل، ودين مترابط، دين خلق، من الناس ما شاء الله، لكن الأخلاق، الأخلاق ضعيفة عنده، أخلاقه ضعيفة مع إخوانه، إحسانه مع جيرانه، مع أهله، مع زوجته، فالإحسان واسع كثيراً. إحسان مع الزوجة، المعاشرة بالمعروف، بعض الأزواج يضربون النساء، بعض الأزواج يضربون نساءهم، أين المعاشرة بالمعروف؟ ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾، حتى في التسريح وجب الإحسان، قدوا أو تسريح، خلاص، طلقها، رجعها إلى بيت أهلها بإحسان، لا تجرجرها إلى بيت أهلها إلا جرها، جر، يلا روحي، طالق، استحبلها، ولا تهينها في تسريحها، برع، يلا برع، لا ما في برع، برع كما جئت بها، ردها كيف جئت بها، سحملها ما شاء الله، جئت بها بالسيارة، وبعدين ما شاء الله، طاف النص على السيارة والبرد، ما شاء الله، على طيب، ردها، على الأقل ما نريد بالسيارة، وفي زخرة بهادي، تركها، لكن ردها رداً جميلاً، ﴿ سَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾. والإحسان له أنواع كثيرة يطول المقام بذكرها، ولا أريد أن آخذ من وقتكم أكثر من هذا، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المحسنين والمستقيمين، مع الله، مع رسوله، مع الفقر، مع المساكين، في جوانب الأمور كلها، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.