الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الغيرة خلق سامي أمر به الشرع، وهي صفة لله تبارك وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وعلامة على صدق إيمان المؤمن. ويستعرض أدلة من السنة النبوية وأقوال الصحابة كسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب والزبير بن العوام لتأكيد مكانة الغيرة في حفظ الأعراض وصيانة الحرمات.
يسرد المقطع قصصاً من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تُظهر غيرة الصحابة وأزواجه، ثم يبين حديث جابر بن عبد الله الذي يقسم الغيرة إلى نوعين: غيرة في ريبة يحبها الله، وأخرى في غير ريبة يبغضها الله. ويختم بالتحذير من اتخاذ الغيرة ذريعة للاعتداء على الممتلكات أو مخالفة الشرع.
يبيّن الخطيب الفرق بين الغيرة المحمودة التي تدفع إلى منع المنكرات بالحكمة والشرع، والغيرة الزائفة التي تُبرر بها الجرائم الوحشية كقتل الزوجة أو البنات. ويؤكد أن الواجب هو غيرة مبكرة تعالج المفاسد بالوسائل الشرعية من نصح وكتابة وخطابة وإزالة أسباب الفتنة، لا بالتدمير والعنف.
يدعو المتحدث الله أن يبعث الغيرة الإسلامية في قلوب المؤمنين، وأن يوفقهم لمعالجتها بما يتوافق مع القرآن الكريم وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله، ونحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن الأخلاق الفاضلة النبيلة التي أمر الشرع بالتخلق بها، وأثنى على المتخلقين والمتصفين بها، خلق الغيرة. فالغيرة من الأخلاق الفاضلة السامية. فمجتمع ذهبت منه الغيرة لم تصن فيه الأعراض، ولم تحفظ فيه الحدود، ولم تعظم فيه الشعائر، يصبح مجتمعاً فاسداً، الحدود فيه ضائعة، الحرمات فيه غير معظمة. لماذا؟ بسبب ذهاب الغيرة من هذا المجتمع. فالغيرة خلق سامي رفيع، والغيرة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى كما يليق بجلال الله جل وعلا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فالله جل وعلا يغار، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تعالى يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله تعالى عليه». فالله جل وعلا يغار. وفي حديث أسماء في الصحيحين كذلك، حيث بهريرة في الصحيحين كذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «لا شيء أغير من الله، لا شيء أغير من الله». وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه كذلك في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أحد أغير من الله، ومن أجل ذلك حرم الفواحش». وجاء في الصحيحين كذلك من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في خطبته عليه الصلاة والسلام في خسوف الشمس، بعد أن صلى خطب الناس، قال عليه الصلاة والسلام: «يا أمة محمد، ما من أحد أغير من الله أن يزني عبد أو تزني أمته. يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً»، الحديث. والغيرة من أخلاق رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، فقد ثبت في حديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين، قال المغيرة: قال سعد بن عبادة: «لو رأيت رجلاً عند امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح». قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني». والله إني لأغير من سعد، والله أغير مني. فمن صفات الرسول، من أخلاقه، الغيرة. والغيرة خلق من أخلاق المؤمن الصادق، المؤمن الذي هو صادق في إيمانه، من أخلاقه أنه يغار. ثبت في حديث هريرة عند الإمام مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن يغار، والله أشد غيراً». المؤمن يغار، والله أشد غيراً. فالمؤمن الحقيقي، المؤمن الصادق، هو الذي يغار، يغار على دين الله، يغار على عرضه، يغار على محارمه، على زوجاته، على بناته، على أخواته. عنده غيرة لما يرى من هذه الأمور التي لا ترضي الله سبحانه وتعالى، والتي تخالف شرع الله جل وعلا. ونذكر نماذج من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام تدلنا على غيرتهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين. جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام لجابر: «أريت أني دخلت، أو رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بامرأة أبي طلحة، قال: وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ قال: هذا بلال. قال: فرأيت قصراً، وبفناء ذلك القصر جارية، فقلت: لمن هذا القصر؟ قال: هذا لعمر». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فذكرت غيرتك، فذكرت غيرتك يا عمر». فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟ أعليك أغار؟». وذكر النبي عليه الصلاة والسلام غيرة عمر، وأنه عنده غيرة. وسمعتم في الحديث السابق في قوله عليه الصلاة والسلام: «أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني». وفي حديث أسماء في الصحيحين أنها كانت تطحن النوى عند بعض نساء الأنصار، وكانت بيوت نساء الأنصار تبعد عن أرض الزبير مسافة ثلثي فرسخ. قالت: «فكنت أحمل النوى على رأسي، فدأت مرة، رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام مع نفر من الأنصار، فلما رأاني رسول الله عليه الصلاة والسلام دعاني، وقال لبعيره: إخ، إخ». يعني يريد من البعير، كلمة تقال للبعير: «إخ، إخ»، يعني أجلس، ينيخ، ينيخ. النبي عليه الصلاة والسلام أناخ البعير لتركب أسماء رضي الله تعالى عنها، زوجة الزبير بن العوام. قالت: «فذكرت غيرة الزبير، وكان رجلاً غيوراً، ذكرت غيرة الزبير، قالت: فاستحييت، فعرف النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، فذهب». فذهبت لحاجتي، ثم رجعت إلى الزبير، فذكرت له ذلك، فقال الزبير: «والله إن حملك النوى لهو أشد علي من ركوبك بعير رسول الله عليه الصلاة والسلام». ومن النماذج ما جاء في غيرة أزواج النبي عليه الصلاة والسلام فيما بينهن على رسول الله عليه الصلاة والسلام. من ذلك ما جاء في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين، قالت: «أرسلت بعض نساء النبي عليه الصلاة والسلام صحفة فيها طعام إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، قالت: فضربت التي هو في بيتها رسول الله عليه الصلاة والسلام يد الخادم، فانفلقت الصحفة، أي انكسرت، فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام يجمع الصحفة، ويقول: غارت أمكم، غارت أمكم». غارت على رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكذلك ما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين كذلك، قالت عائشة: «كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، يعني جعل قرعة، قالت: فخرجت القرعة على عائشة وحفصة، وعائشة اللي تحكي القصة وما حصل فيها، قالت: فخرج رسول الله عليه الصلاة والسلام، فخرجنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا سار ليلاً سار مع عائشة وتحدث معها، فقالت حفصة رضي الله تعالى عنها: يا عائشة، أتركبين الليل بعيري وأركب بعيرك؟ قالت: افعل. فركبت حفصة بعير عائشة، وركبت عائشة بعير حفصة، فلما دخل الليل ذهب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى جمل عائشة، ذهب إلى الجمل، يرى الجمل وبه حفصة الآن، ذهب إلى جمل عائشة وسار، وسار مع حفصة مع الجمل، قالت عائشة: فافتقدت رسول الله، فافتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغرت، جاءتها الغيرة، قالت: فأدخلت رجلي بين الإذخر وهو النبات المعروف، وقلت: اللهم صلف علي عقرباً أو حية تلدغني، هذا رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً، هذا رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً». انظروا إلى الغيرة، تدعو أن تلدغها حية أو عقرب. الحديث، فهذا يدلنا على الغيرة التي كانت عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وينبه هنا في هذا المقام، في مقام الغيرة، أن الغيرة على نوعين: غيرة يحبها الله عز وجل، وغيرة يبغضها الله سبحانه وتعالى. جاء هذا في حديث جابر بن عبد الله عند الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، وعند أبي داود، حسنه الألباني رحمة الله تعالى عليه كما في صحيح النسائي، وهو في الإرواء، قال عليه الصلاة والسلام: «إن من الغيرة ما يحب الله عز وجل، ومنها ما يبغض الله عز وجل. فأما الغيرة التي يحبها الله عز وجل فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله عز وجل فالغيرة في غير الريبة». يعني أن الغيرة المحمودة الممدوحة تكون في ريبة، في أمر يرتاب منه فيغار الإنسان. أما هواجس، وأما تخيلات، وأما وساوس كما يعمل بعض الناس، عنده غيرة على ما شي، يعني ربما يتخيل أشياء وأنها تحصل من أهله، وأنها تحصل من نسائه، وأنها تحصل، أوهام لا شيء، ولا أمر يدل على أن هناك فعلاً فيه أمر يرتاب منه، فتحصل لأجله الغيرة، وإنما أوهام، وهم أوهام، وربما يبني عليها ظنونا سيئة وأحكاماً باطلة إلى آخر ذلك. فهذه الغيرة مذمومة. فالغيرة المحمودة التي يحبها الله عز وجل هي التي تكون في الريبة. وهنا ننبه كذلك على الغيرة التي ربما تكون عند بعض الناس، ويظنون أنها غيرة، وهي ليست من الغيرة في شيء، وإنما هي إلى باب الانتقام أقرب، وإلى الانتصار بالنفس والشهوة. فمن ذلك ما يحصل مثلاً من بعض الناس أنه مثلاً لما يسمع الغناء في الاستوديوهات مثلاً في الأسواق وغيرها، ربما يفجر ويدمر هذه الأبنية التي بها تسجيلات، تسجيلات الغناء. لماذا؟ غيرة لله سبحانه وتعالى؟ لا والله. الغيرة ليس فيها مخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى، ولا يترتب عليها ما هو مخالف لشرع الله. هذه غيرة مردودة على أصحابها، والدين منها براء. هذه ليست غيرة. من الذي أمرك؟ هل الرسول عليه الصلاة والسلام أمرك إذا رأيت هذه المنكرات وهذه المفاسد أنك تغار لدين الله عز وجل فتدمر هذه الأماكن وتفجر أصحابها؟ ائت بالحديث، ائت بالدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله سلم. إذن إنما هو اتباع للهوى، هذا ليس من الغيرة في شيء. أو ربما يدمر المنشآت أو القطاعات، يقول: هذه منشآت، والعياذ بالله، فيها منكرات، وفيها كذا وكذا وكذا، فيقول: غيرة لله سبحانه وتعالى، ويدمرها، أو يفعل كذا وكذا. فهذه الأفعال أفعال إجرامية. ومن ذلك ربما يحصل من بعض الناس بزعم أن ذلك من الغيرة، أنه ربما يرى زوجته تطل من بيته، من نافذة بيته، على رجل، فتدخله الغيرة الكاذبة المزعومة، أو يسمع خبراً هكذا فيظن أنه لا بد عليه أن يغار، وأن يعمل كل ما بوسعه بغض النظر، خالف الشرع أو وافق، فيفعل أفعالاً إجرامية. من ذلك ما سمعت قبل شهر أو شهرين، ما حصل في بلاد سعودية، أن شاباً رأى زوجته تطل من النافذة، أو سمع أنها تنظر في الرجال أو غير ذلك، فقدم إلى بيته، وأخذ زوجته، وأخذها بشعرها، وأخرجها من النافذة من كذا وكذا طابق، وهي على هذه الهيئة، ماسك بشعرها، وينزل الله العافية، تطل على الشارع من كذا وكذا طابق، ثم تركها تتردد بين مكيفات الطوابق، من مكيف إلى مكيف، هذا يرضخ رأسها، والثاني، والثالث، والرابع، حتى وصلت إلى الأرض وقد فارقت الحياة. ما الدافع لهذا الفعل؟ الغيرة. وربما هذه المرأة التي جعلها في هذه الغرفة أو في هذا البيت عندها التلفاز الذي تنظر من خلاله الرجال كل يوم، أين الغيرة؟ الآن الغيرة؟ الغيرة الآن المحمودة، كيف تسمح لزوجتك تنظر في الرجال؟ في الممثلين؟ المخرجين؟ شعورهم، اللابسين أجمل الثياب، المحللين في كلامهم، ما في غير الآن؟ الغيرة بعد ذلك، الغيرة شرعية الانتقامية، سبحان الله. الغيرة هنا أن تنظر في من ولاك الله جل وعلا أمرهم في رعيتك: بناتك، ربما تخرجهم إلى الأسواق، وتدخلهم المحلات، وتضحكهم مع أصحاب المحلات، وتتكلمهم في كلامهن، وربما تلبسهم العبايات المزخرفة الجالبة للأنظار، وربما تمشيهم، نسى الله العافية، المشية التي فيها دعوة للخلاعة والفعش. ما في غيرة؟ تأتي الغيرة بعدما يحصل ما كان الإنسان في سعة من أمره منه، وما لا تحمد عقباه، ثم يأتي الإنسان الآن يبين أنه غيور على أهله، غيور على بناته، غيور على نسائه، ويا ليته بعد ذلك أيضاً يتقيد بمقاييس الشرع في حصول هذه الغيرة المتأخرة التي حصلت عندها بعدما فرط تفريطاً كبيراً. وإنما تأتي الغيرة، والعياذ بالله، الظالمة التي لا يقرها الشرع، من هذه الأفعال: يدخل على أهله، ربما يأخذ ساطوراً ويكسر رؤوس بناته أو بنته أو زوجته، أو يحمل السلاح عليهم فيقتلهم، أو إلى آخر ذلك. هذا جنون وهذا هوس، وليس من الغيرة في شيء. فلذلك، عباد الله، علينا لا بد أن نغار. من صفاتها لما؟ الغيرة، لما نرى من ما هو حاصل في مجتمعات أهل الإسلام من فساد، ومن حصول منكرات، ومن تبرج وسفور، ومن كذا وكذا وكذا وكذا من المنكرات، وما أكثرها، لا أكثرها الله. لكن ما هو الواجب تجاه هذا؟ الغيرة ثم معالجة هذه الأمور بما يوافق الشرع. ننظر في بيوتنا، نغار على أهلنا، نبعد ما كان سبباً في حصول المنكر، وهذا من الغيرة. أما وقد ملئت البيوت بالأجهزة المدمرة، وفيها المسلسلات اليومية والتمثيليات والمسرحيات، والنساء الكاسيات العاريات، أين الغيرة؟ ما فيه غيرة، سبحان الله. وكذلك كذلك نعالج آفات المسلمين عن طريق التأليف بالكتب، تحذير من هذه المنكرات والمفاسد، عن طريق الخطابة، عن طريق الدروس، عن طريق المجلات. هذه المجلات، ما أكثر الصحف الأيام، صحف الثورة، صحف كذا وكذا وكذا، صحف كثيرة، لكن لو أنصف الإنسان في هذه الصحف، ويرى هل أنها تخدم الإسلام أو لا؟ لماذا لا تسخر هذه الصحف والمجلات في معالجة هذه المفاسد والمنكرات؟ وإنما هي عكسية، هي تدعو إلى الخنى وإلى الفحش، وإلى نزع الغيرة من الناس، بتفخيم وكذلك تعظيم النساء المشاركات في دوائر الدولة، في أنظمة الدولة، فلان كذا وكذا، بزعم الديمقراطية، حجة الديمقراطية الكاذبة المستوردة من دول الكفر، نسوا تعاليم الإسلام، وصارت الديمقراطية هي التي يعمل لأجلها، وهذه من دول الكفر، وعياذ بالله. أما الإسلام فدين مبني على ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلذلك يا عباد الله، الغيرة مطلوبة، لكن تعالج بما يوافق الشرع، لا بالتدميرات، ولا بالتفجيرات، ولا بالأعمال الوحشية الإجرامية الانتقامية، وإنما تعالج كما عالجها القرآن والسنة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحيي الغيرة في قلوب أهل الإسلام، وأن يجعلنا من المعالجين لها بما يوافق كتاب ربنا وسنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، والحمد لله رب العالمين.