رمضان مدرسة للأخلاق 23

الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أنواع الفرح المحمود في الإسلام وأدلته

يستعرض المقطع مفهوم الفرح المحمود في الإسلام موضحاً أنه من أعلى مقامات المؤمنين، ويذكر صوره كفرح النصر والشهادة والصيام وتفريج الكربات ولقاء الصالحين وأهل الجنة. يستدل المتحدث بآيات قرآنية وأحاديث نبوية صحيحة لتأكيد مشروعية هذا الفرح.

الفرق بين الفرح المحمود والمذموم

يبين المقطع الفرق الجوهري بين الفرح المشروع كفرح المؤمن بحسناته وهداية الناس، والفرح المذموم الذي يقع فيه المنافقون كفرحهم بالتخلف عن الجهاد ومصائب المؤمنين. يؤكد أن الفرح المحمود موافق للشرع بينما المذموم مخالف له.

صور الفرح المذموم وتحذيراته

يستعرض المقطع صور الفرح المذموم كالتحزب في الدين والجمعيات التكفيرية والفرح بالشبه الباطلة والأعياد المبتدعة والملاهي المحرمة. يحذر من أن الفرح بما يخالف الشرع باطل ويؤكد أن الفرح المشروع فقط ما وافق الشرع.

الختام والحمد لله

يؤكد المتحدث في الختام أن الله هو ولي الأمر والقادر على تنفيذه، ويختتم كلامه بالحمد لله رب العالمين. يختتم الدرس بالدعاء والثناء على الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فإن من الأخلاق الفاضلة والمقامات الرفيعة التي أمر بها شرعنا والتخلق بها: خلق الفرح بفضل الله جل وعلا وبرحمته. فالفرح بفضل الله وبرحمته: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في مدارج السالكين: «فالفرح بالله وبرسوله وبالإيمان وبالسنة وبالعلم وبالقرآن من أعلى المقامات في هذا الدين». قال -طبع ذلك رحمه الله-: والفرح صفة كمال، ولذلك وصف الرب جل وعلا بها نفسه. فالله جل وعلا يوصف بهذه الصفة، فهو يفرح بعبده التائب أعظم من فرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه وقد ذهبت عنه وأيس منها. ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. وذكر قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾. فبهذا يتبين لنا أن الفرح بفضل الله وبرحمته من المقامات العظيمة في هذا الدين. والفرح المحمود هو -كما سمعتم-: فرح بفضل الله، فرح برحمة الله جل وعلا، بالهداية، بانتصار الحق. قد ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم أنواعًا من الفرح الذي أرضاه جل وعلا، والذي أثنى على من تخلق به. فالفرح المحمود: فرح الشهداء يوم القيامة عند لقائهم ربهم جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فهذه الآية فيها فرح الشهداء يوم القيامة حين يلقون الله سبحانه وتعالى، فهم على فرح وعلى استبشار بما وجدوا عند الله جل وعلا من النعيم العظيم. ومن الفرح المحمود: فرح أهل الإيمان بنصر الله سبحانه وتعالى، ذلكم الفرح وذلكم النصر العظيم الذي يجعله الله عز وجل لأهل هذا الدين: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. فالفرح بنصر الله لهذا الدين، وظهور هذا الدين، وظهور الحق على الباطل، الفرح بهذا مما أمر الله عز وجل به وأثنى على من أتى به، وهو واجب على كل مسلم أن يفرح بظهور الحق، أن يفرح بانتصار هذا الدين على الأديان الأخرى، أن يفرح بعلو الحق على الباطل، أن يفرح بذهاب الباطل وبزهوقه. ومن الفرح المحمود كذلك الذي أثنى الله سبحانه وتعالى عليه في كتابه الكريم: الفرح بنزول هذا الكتاب العظيم القرآن، ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾، يفرحون بما أنزل إليك، ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾. فالفرح بهذا الكتاب العظيم الذي أنزله الله عز وجل نورًا وهداية للبشرية، فهذا من الأمور العظيمة التي يفرح بها. ومن الفرح المحمود ما جاء في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام: فرح الصائمين عند فطرهم، وفرح الصائمين عند لقائهم ربهم جل وعلا، كما جاء بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الحديث القدسي: «إن الله عز وجل يقول: للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه». فهذا من الفرح الذي ندبه الشرع. من الفرح المحمود: فرح أهل الإيمان بتفريج كربات أهل الكرب. فالناس صابون في هذه الدنيا بكرب، بكرب وشدائد، فإذا فرجت عنهم هذه الكرب والشدائد فعلى المسلم أن يفرح بإزالة هذه الكرب والشدائد عن إخوانه. جاء بحديث جبير بن عبد الله البجلي -رضي الله تعالى عنه- كما في الصحيح: عندما قدم وفد مُعسر وعليهم الحاجة والفاقة، أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى الصدقة، ولما رآهم أبطأ، ولما رآهم أبطأ تغير وجهه عليه الصلاة والسلام، حتى قام رجل من الصحابة وجاء بصرة عظيمة عجزت عنها يده، ووضعها بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، تتابع الناس على هذا: هذا جاء بصاع من بر، وهذا جاء بصاع من شعير، حتى صار كومًا عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، فاستبشر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وظهر على وجهه الفرح والاستبشار، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها وزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء». من الفرح المحمود: الفرح بلقاء الصالحين، حين يلقى المسلم عباد الله جل وعلا الصالحين فيفرح بهذا اللقاء ويستبشر بهذا اللقاء، كما استبشر أهل المدينة بقدوم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، واستبشروا كذلك بقدوم أصحابه -رضي الله عنهم-، كما جاء في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: أول من قدم إلينا المدينة مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، قال: وكانوا يقرؤون الناس القرآن، ثم قدم بلال وعمار وصهيب، ثم قدم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في عشرين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ففرحنا، قال: ثم قدم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فما فرح أهل المدينة فرحًا مثل ذلك اليوم الذي فرحوا فيه بمقدم رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا من الفرح المحمود: فرح أهل الجنة حين يذبح الموت يوم القيامة. فقد جاء في حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بالموت، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيقولون: هو الموت، فيضجع ويذبح بين الجنة والنار». قال عليه الصلاة والسلام: «لو أن الله -لو لأن الله- قضى لأهل الجنة البقاء فيها والحياة فيها لماتوا فرحًا، لماتوا فرحًا، ولو لأن الله قضى على أهل النار البقاء فيها لماتوا ترحًا، لماتوا ترحًا». والترح خلاف الفرح، أي: حزنًا. ففي هذا الحديث فرح أهل الجنة يوم القيامة وهم في جنات الله سبحانه وتعالى، يرون الموت يؤتى به على صورة كبش أملح، يضجع بين الجنة والنار، ويقال -كما جاء في الرواية الأخرى-: «يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت». الفرح المحمود الذي أثنى عليه الشرع: فرح المؤمن بحسنته، وفرح المؤمن بإساءته بسيئته. فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنه- عند الترمذي وغيره، في خطبة عمر -رضي الله تعالى عنه- تلك الخطبة العظيمة التي نقل فيها وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة، وأنه أوصى بأصحابه خيرًا، ثم قال عليه الصلاة والسلام -كما ذكر عمر-: «أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أوصى بالجماعة، قال: عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد». «من سرته حسنته فذلك المؤمن، ومن أساءته سيئته فذلك المؤمن». «من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن». قال: ذلك المؤمن. فالمؤمن هو الذي يسر بحسناته، ويحزن ويستاء إذا رأى سيئاته، والعياذ بالله. هذا من أخلاق أهل الإيمان. ومن الفرح المحمود: الفرح بهداية الناس، الفرح بهداية الناس إذا دخل ناس في هذا الدين، أو جاء من كان ضالًا ثم هداه الله عز وجل لهذا الدين، فهذا من الفرح الذي يفرح به. فكيف إذا كان ذلك الذي هداه الله جل وعلا من الوالدين: الأب أو الأم؟ فذلك أعظم وأعظم. قد جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- كما في الصحيحين: أنه دعا أمه إلى هذا الإسلام، فأسمعته يومًا كلامًا في رسول الله عليه الصلاة والسلام كرهه -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، فجاء يبكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، إني دعوت أمي فأسمعتني كلامًا فأكرهه، فأسمعتني كلامًا فيك كرهته، يا رسول الله، فادعُ الله أن يهدي أمي، يا رسول الله. فدعا رسول الله عليه الصلاة والسلام: «اللهم اهدِ أم أبي هريرة، اللهم اهدِ أم أبي هريرة، اللهم اهدِ أم أبي هريرة». قال أبو هريرة: فخرجت مستبشرًا بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فذهبت إلى بيت أمي، قال: فوجدت الباب مغلقًا، قال: فسمعت أمي صوت حركتي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، مكانك يا أبا هريرة. قال: فسمعت خضخضة الماء، أي: صوت الماء، قال: فلبست درعها وخمارها، ثم فتحت، وقالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فرجع أبو هريرة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخبره بأن الله عز وجل قد استجاب دعاءه لأمه -رضي الله تعالى عنهم-. بعد ذلك قال أبو هريرة للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، ادعُ، ادعُ الله عز وجل أن يحبب المؤمنين إلي، وأن أحبهم، وأن يحببني إليهم. فدعا النبي عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- بذلك، قال: فما رآني أحد أو سمع بي أحد إلا أحبني. الحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله. فهذا من الفرح الذي يفرح به. والنصوص كثيرة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام والقرآن، التي فيها بيان هذا الفرح الذي يجب أن يفرحه المسلم. أما الفرح المذموم الذي يجب على المسلم أن لا يقع فيه، فلا يفرح بفرح لا يرضي الله سبحانه وتعالى. من الفرح المذموم: تخلف المنافقين عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالمنافقون تخلفوا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وفرحوا بذلك التخلف، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فهذا من الفرح المذموم الذي قصه ربنا عز وجل في كتابه الكريم، فرح هؤلاء المنافقين. وكذلك فرح المنافقين والكافرين بما حل برسول الله عليه الصلاة والسلام من المصائب، وما حل بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من مصائب. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُم مُّصِيبَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾. ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُم مُّصِيبَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾. فهذا الفرح هو فرح أولي المنافقين الذين يفرحون بحلول هذه المصائب على أصحاب النبي، وهكذا على رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما قال جل وعلا: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾. ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾. فهذا كان حال المنافقين: إذا أصاب النبي عليه الصلاة والسلام حسنة فساءهم ذلك، وإذا أصابته مصيبة يقول: قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون. من الفرح المذموم: الفرح بالتحزب في دين الله سبحانه وتعالى. فمن فرح فرحًا بالتحزب في دين الله عز وجل، وفرح كذلك بالجمعيات حاملات الفكر التكفيري أو المنهج البدعي، فمن يفرح بجمعياته هذه، ومن يفرح بأحزابه هذه، فهذا من الفرح المذموم، هو من فرح الكفار والعياذ بالله. الكفار هم الذين يفرحون بتعصبهم، الكفار هم الذين يفرحون بتحزبهم، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. قال جل وعلا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. فالفرح بمثل هذه الأحزاب الموجودة اليوم، والفرح بمثل هذه الجمعيات الموجودة اليوم التي تحمل الأفكار المخالفة لمنهج رسول الله عليه الصلاة والسلام، الفرح بإنشائها والسرور بإقامتها والفرح بالبقاء عليها، فهذا من الفرح المذموم، ومن الفرح الباطل، وهو من الفرح الذي هو بغير الحق، الذي قال الله سبحانه وتعالى عنه في كتابه الكريم: ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّكُم كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. فهذا الفرح فرح في الأرض بغير الحق، والعياذ بالله. ومن الفرح كذلك المذموم: الفرح بالشبه التي عليها أهل الباطل. ففرح أهل الباطل بشبههم التي هم عليها، التي ردوا بها الحق وعارضوا بها دعوة الرسل، الدعوة إلى التوحيد، فهذا الفرح بهذه الشبه من الفرح الباطل، وهو نظير ذلك الفرح الذي فرح به أعداء هذا الدين المشركون، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. فالمشركون في القديم، ولهم ورثة يورثونهم في كل زمان وفي كل مكان، يفرحون بالشبه. أتى دعاة التوحيد، جاء الرسل بدين الله عز وجل، بعبادة الله سبحانه وتعالى وحده وترك الشرك به جل وعلا، فبماذا عورض هؤلاء الرسل من قبل هؤلاء؟ عورضوا بهذا العلم الذي ظنوه علمًا، عورضوا بهذه الحجج التي ظنوها حججًا وهي باطل، كما أخبر الله جل وعلا عنها. وهكذا إلى يومنا هذا: دعاة التوحيد يدعون الناس إلى عبادة الله جل وعلا وحده، إلى دعاء الله جل وعلا وحده والاستغاثة به وحده جل وعلا، والذبح له تقربًا وتعظيمًا وحده، وهناك من يأتي ويدعو الناس إلى دعاء الأموات وإلى الاستغاثة بهم. ماذا عنده من العلم؟ ماذا عنده من العلم؟ عنده هذه الحجج التي ظنها من العلم، عنده هذه الشبه التي كانت عند الأولين، وإن اختلفت، لكنها هي من الباطل الذي... الذي بينه ربنا سبحانه وتعالى. ورحم الله الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة واسعة، ذكر في كتابه الموسوم «كشف الشبهات» هذا الأمر، وقال: «اعلم، اعلم أيها الموحد، أن لعداء هذا الدين حججًا وبراهين وعلمًا يصدون بها الناس عن دين الله وعن الحق، فلا بد أن يكون لك السلاح الذي ترد به هذه الشبه وهذه الحجج الباطلة، وذلك بالعلم»، أو كما قال رحمة الله تعالى عليه. قال ابن السعدي رحمة الله تعالى عليه عند تفسير هذه الآية: «مما يدخل في هذا الفرح المذموم وهذا العلم الباطل: علم المنطق اليوناني، وعلم الفلسفة، التي رد بها كثير من آيات القرآن، وضعف القرآن في قلوب كثير من الناس بسبب هذه العلوم الباطلة، وبسبب كذلك هذه الفلسفات». فلذلك على الإنسان أن ينتبه من هذه العلوم الباطلة الفاسدة. والفرح المذموم كذلك: الفرح بغير حق. فمن الناس ربما من يفرح -والعياذ بالله- في زواجه باستماع الغناء، وكذلك حضور الباطل، فهذا من الفرح المذموم، يفرح بشيء مما أنعم الله عز وجل به عليه مصحوبًا بالباطل وبالغناء، فهذا فرح مذموم. وهكذا من الفرح المذموم: الفرح بالأعياد المبتدعة، الأعياد المبتدعة التي حدثت في بلاد الإسلام: عيد كذا، وعيد كذا، وعيد كذا، وعيد كذا، وعيد كذا. يعطل الناس في هذه الأيام، ويجعلونها أيام إجازات، يفرحون فيها، ربما بلبس بعض اللباس مما يظهر الفرح بهذا اليوم، أو شراء بعض المأكولات أو بعض المشروبات أو اللحم، مما يظهرون أن لهذا اليوم مزية، وذلك اليوم ليس من الأعياد التي شرعها الإسلام. وكذلك الأعياد بإقامة المهرجانات، وبإقامة المسرحيات، وبإقامة التمثيليات، كل ذلك من الفرح المذموم الباطل الذي هو حاصل في أرض الله عز وجل. فاحرص يا عبد الله أن تجعل فرحك فرحًا شرعيًا، لا فرحًا بالدنيا وبمتاعها. الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. لا يكون فرحك كفرح قارون، الذي أتاه الله من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، إذ قال له قومه: ﴿لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. هكذا على المسلم، يا عباد الله، يفرح بما يوافق الشرع، لا يفرح بما يخالف الشرع. فكل ما يخالف الشرع، الفرح به من الفرح المذموم، وكل ما يوافق الشرع وما جازه الشرع، فهذا من الفرح الممدوح الجائز. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يفرح بصومه، وممن يفرح بلقاء ربه جل وعلا، ويلقى الله سبحانه وتعالى ويرى ما عنده من النعيم العظيم المقيم. إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.