فوائد من قصة جريج  4

فوائد من قصة جريج 4

الدرس في فوائد من قصة جريج 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قصة جريج العابد والفتنة

يروي الكاتب قصة جريج العابد الذي تعرض للابتلاء والفتنة وثبت على دينه. يستخلص أهمية اللجوء إلى الله في الشدة والبلاء.

كرامات الأولياء في الفتن

يُظهر جريج العبد الصالح ثباته على الإيمان بتوجهه إلى الله بالصلاة في أوقات الشدة. يُبرز أهمية التوجه إلى الله في الأوقات الصعبة.

تحذير من دعاء الوالدين على الأولاد

يُحذّر الخطيب من دعاء الوالدين على أولادهم ويُنبه إلى أهمية تقوى الله في الألفاظ والدعاء. يُشير إلى قصة جريج ك مثال.

ختام الدرس والدعاء لله

يختم المتحدث درسه بالدعاء أن ينفعهم الله بما سمعوه ويطلب منهم الصلاة على النبي. يحمد الله رب العالمين.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلْنَحْرِصْ -رَعَاكُمْ اللَّهُ- فِي ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَرَضِيَ عَنْهُ- فِيمَا ذَكَرَهُ نَبِيُّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي قِصَّةِ ذَاتِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ، أَلَا وَهُوَ جُرَيْجٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. وَكَيْفَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ وَرَعِهِ وَطَاعَتِهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنِ اتَّخَذَ صَوْمَعَةً لَهُ جَعَلَهَا فِي أَعْلَى الْجِبَالِ حَتَّى يَعْتَزِلَ عَنْ النَّاسِ وَيَحْتَفِظَ، وَيَقْبِلَ عَلَى دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَذَكَرْنَا كَيْفَ أَنَّ أُمَّهُ جَاءَتْهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ تُرِيدُهُ لِحَاجَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا فِي الصَّلَاةِ، فَاجْتَهَدَ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَيْنَ الِاسْتِجَابَةِ لِأُمِّهِ أَوْ الْإِكْمَالِ لِصَلَاتِهِ، فَرَأَى أَنَّ الْأَوْلَى إكْمَالُ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّهُ أَنَّ جُرَيْجًا قَدْ أَعْرَضَ عَنْهَا دَعَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يُنْظَرَ إلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ. وَكَيْفَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَذَاكَرُوا جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَأَرَادُوا أَنْ يَفْتِنُوهُ، فَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ مُتَمَثِّلَةً بِحُسْنِهَا، فَأَرَادَتْ أَنْ تَفْتِنَ هَذَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي صَوْمَعَتِهِ، إذْ لِجُرَيْجٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَرُدُّهَا خَاسِرَةً خَائِبَةً، فَأَتَتْ بِمَخْرَجِهَا، فَرَأَتْ رَاعِيَ غَنَمٍ، فَمَاذَا تَرَوَدُهُ عَنْ نَفْسِهِ؟ فَوَقَعَ بِهَا، ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ الْبَغِيَّ حَمَلَتْ مِنْ هَذَا الرَّاعِي، فَوَلَدَتْ غُلَامًا. ثُمَّ جَاءَتْ إلَى قَوْمِهِ، فَلَمَّا سَأَلُوهَا عَنْ هَذَا الْغُلَامِ، قَالَتْ: هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ. ثُمَّ إنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ صَدَّقُوا هَذِهِ الْمَرْأَةَ الْكَاذِبَةَ الْفَاجِرَةَ، فَتَكَالَبُوا عَلَى جُرَيْجٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَعَلَى صَوْمَعَتِهِ، حَتَّى إنَّهُمْ هَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَضَرَبُوهُ. فَلَمَّا نَزَلَ جُرَيْجٌ وَهُوَ يَرَى هَذَا الْفِعْلَ، قَالَ: يَا قَوْمُ مَا شَأْنُكُمْ؟ أَيْ مَا هَذَا الضَّرْبُ وَمَا هَذَا التَّكْسِيرُ لِلْبِنَاءِ لِلصَّوْمَعَةِ؟ فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخَذُوهُ وَأَنْزَلُوهُ وَضَرَبُوهُ وَسَبُّوهُ. فَلَمَّا فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، قَالَ: يَا قَوْمُ دَعُونِي أُصَلِّ اللَّهَ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، وَنَهَى عَنْهُمْ. وَفِي هَذَا الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ تَسْتَفَادُ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْعَبْدَ لَرُبَّمَا فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ يُصَابُ بِبَلَاءٍ أَوْ يُصَابُ بِفِتْنَةٍ، فَرَبُّ الْوَاحِدِ مِنَّا لَوْ أُصِيبَ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَلَاءِ، لَرُبَّمَا الْتَجَأَ إلَى عَقْلِهِ أَوْ إِلَى مَالِهِ أَوْ إِلَى عَشِيرَتِهِ أَوْ إلَى أَصْحَابِهِ أَوْ إلَى أَرْحَامِهِ. وَالْقَلِيلُ مِنَّا مَنْ يَلْتَجِئُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. هَذَا حَالُ يَا عِبَادَ اللَّهِ، الْوَاحِدُ مِنَّا لَرُبَّمَا يُبْتَلَى بِالضِيقِ فِي الْمَعِيشَةِ أَوْ بِغَلَاءِ الْأَسْعَارِ، فَيَذْهَبُ هَنَا وَهَنَا وَيَنْسَى أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. الْوَاحِدُ مِنَّا لَرُبَّمَا يُبْتَلَى بِالْأَمْرَاضِ أَوْ بِالْأَسْقَامِ أَوْ بِالْعَاهَاتِ فِيهِ أَوْ فِي أَهْلِهِ أَوْ فِي زَوْجِهِ أَوْ فِي أَوْلَادِهِ أَوْ فِي أَرْحَامِهِ، فَيَذْهَبُ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ وَعِنْدَ التَّدَاوِي بِالْعَقَاقِيرِ وَالْأَدْوِيَةِ. وَهَذَا لَيْسَ مَمْنُوعًا، لَكِنْ مَعَ هَذَا كُلِّهِ يَنْسَى الِاتِّكَالَ وَالِاعْتِمَادَ وَالتَّوَجُّهَ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَهَكَذَا آخَرُ لَرُبَّمَا يُصَابُ بِشَيْءٍ مِنَ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ وَالْبَلَاءِ، فَقَدْ قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. وَيَنْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ كُلَّمَا اشْتَدَّ بِهِ الرَّزِيَّةُ وَنَزَدَ بِهِ الْكَرْبُ أَوْ الْغُرْبَةُ، يَتَوَكَّلُ وَيَلْتَجِئُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ حَالِ الْمُرْسَلِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ أَنَّهُمْ مَتَى مَا أُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ، سُرْعَانَ مَا رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إلَى السَّمَاءِ يَقُولُونَ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ. كَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. وَهَكَذَا مَنْ تَأَمَّلَ فِي سِيرِ الْأَنْبِيَاءِ -كَمَا ذَكَرْنَا يَا إخْوَةَ الْإِسْلَامِ- يَرَى مِنْ الضَّاقَةِ فَرَجًا. هَذَا يَعْقُوبُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَمَرَّتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ يَعْقُوبَ مَعَ أَبْنَائِهِ، كَيْفَ كَانُوا قَبْلَ خِطَّةٍ كَانُوا تَحْتَ أَبِيهِمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ مَاذَا فَعَلُوا؟ تَكَالَبُوا عَلَى يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَأَلْقَوْهُ فِي الْجُبِّ. وَكَذَا تَأَمَّرُوا عَلَى أَخِيهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَهَكَذَا تَفَرَّقُوا وَتَشَتَّتُوا حَتَّى بَلَغَ بِيَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ الْأَسَى وَالْحُزْنِ مَا بَلَغَ، حَتَّى قَالَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. فَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي -يَا عِبَادَ اللَّهِ- أَنْ يَرْجِعَ الْعَبْدُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. مَهْمَا ظَنَّ أَنَّ الْمُصِيبَةَ وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ عَلَيْهِ، فَلَا يَنْسَ أَنَّ الْفَرَجَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَكَمَا يُذْكَرُ عَنْ إمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: رَبَّنَا زَلَّةٌ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ الْمَخْرَجُ، ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا فُرِجَتْ، وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ. فَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ جُرَيْجٌ الْعَبْدُ الصَّالِحُ، لَمَّا رَأَى هَذِهِ الْفِتْنَةَ وَهَذَا الْمَوْقِفَ الْعَصِيبَ، الْكُلُّ تَأَمَّرَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: زَنَيْتَ لَا مَحَالَةَ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ مَوْجُودَةٌ أَمَامَكَ، أَنْزَلْتَ بِهَا، وَهَذَا ابْنُك مِنْ الزِّنَا. فَمَاذَا يَنْظُرُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ؟ لَكِنَّ جُرَيْجًا -رَحِمَهُ اللَّهُ- تَوَجَّهَ إلَى أَبْوَابِ السَّمَاءِ، وَجَعَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَصَلَّى. قَالَ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: فَلَمَّا فَرَغَ جُرَيْجٌ وَانْتَهَى مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ قَوْمُهُ: أَيْنَ الْغُلَامُ؟ أَيْنَ هَذَا الصَّبِيُّ؟ فَجِيءَ بِهَذَا الْغُلَامِ، غُلَامٍ لَا يَزَالُ فِي الْمَهْدِ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ سِوَى أَيَّامٍ، لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ الْعَاشِرَةِ أَوْ الْحَالِيَةِ عَشْرَةٍ، لَا يَزَالُ أَيَّامًا غَضًّا طَرِيًّا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. فَقَامَ جُرَيْجٌ هَذَا الْعَبْدُ الْوَلِيُّ، وَأَخَذَ هَذَا الْغَيْلَامَ وَجَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَامَ وَأَتَى بِسَبَّابَتِهِ وَجَعَلَهَا فِي سُرَّةِ الْغُلَامِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ فَإِذَا بِهَذَا الطِّفْلِ الرَّضِيعِ يَقُولُ: أَبِي الرَّاعِي. كَرَامَةٌ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ جَعَلَهَا لِهَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ، طِفْلٌ صَغِيرٌ مِنْ قَبْلِ يَوْمَيْنِ أَوْ أَيَّامٍ يَسْمَعُ الْخِطَابَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ. فَهَذَا مَا يَكُونُ إنْ فِي حَقِّ الْمُمَيِّزِ -يَا أَطْفَالُ- مَا يُرْجَى أَبَدًا، أَنَّ الطِّفْلَ إنْ قَبْلَ الرُّضَاعِ يَذْهَبُ بِإِرْشَادٍ، يَتَكَلَّمُ يَفْهَمُ الْكَلَامَ. فَبَلَ لَوْ كَانَ أَيْ كَلَامٍ لَكَانَ أَمْرًا عَجِيبًا، لَكِنْ كَلَامٌ مُنَسَّقٌ يَفْهَمُ السُّؤَالَ وَيَطْرَحُ الْإِجَابَةَ، وَيَقُولُ بِصَوْتٍ وَاضِحٍ يَسْمَعُهُ الْقَافِي وَالدَّانِي، يَقُولُ: أَبِي الرَّاعِي. وَفِي هَذَا مَاذَا؟ كَرَامَةٌ مِمَّا كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ هَذَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ. وَالْكَرَامَةُ -كَمَا يَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ- أَنَّهَا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ. وَالْكَرَامَةُ بَابٌ طَوِيلٌ، قَدْ سَلَفَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ فِي بَابِ الْكَرَامَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ الْكَرَامَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُبَالِغُ فِي الْكَرَامَاتِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْكَرَامَةَ يَجْعَلُهَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، مِمَّنْ عِنْدَهُ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَعِنْدَهُ الِاتِّبَاعُ الصَّحِيحُ لِهَدْيِ نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-. وَلَيْسَ الْكَلَامُ مُتَعَلِّقًا بِالْكَرَامَةِ، الشَّاهِدُ أَنَّ رَبَّنَا جَعَلَ هَذِهِ الْكَرَامَةَ لِهَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ. فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ هَذِهِ الْكَرَامَةَ وَهَذِهِ الْآيَةَ، عَلِمُوا بِيَقِينٍ لَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ جُرَيْجًا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ خَصَّهُ بِالْكَرَامَةِ وَخَصَّهُ بِالْفَضِيلَةِ. فَحِينَئِذٍ قَالَ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: فَأَقْبَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى جُرَيْجٍ يَتَمَسَّحُونَ بِهِ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ. وَهَذَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَلَيْسَ مِنْ شَرِيعَتِنَا هَذَا التَّبَرُّكُ. قَالَ نَبِيُّنَا: أَتَوْا إلَى جُرَيْجٍ يَتَمَسَّحُونَ بِهِ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ، وَقَالُوا: يَا جُرَيْجُ نَبْنِي صَوْمَعَتَك مِنْ ذَهَبٍ. أَيْ هَذِهِ الصَّوْمَعَةُ الَّتِي كَسَرْنَاهَا وَهَدَمْنَاهَا عَلَيْكَ، فَإِنَّنَا نَبْنِيهَا لَكَ مِنْ ذَهَبٍ؛ لِأَنَّكَ تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَك مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا، بَلْ رُدُّوهَا عَلَيَّ مِنْ طِينٍ. فَفَعَلُوا، فَرَدُّوهَا عَلَيْهِ مِنْ طِينٍ. هَذَا -حَيْثُ رَحِمَ اللَّهُ- مِنْ قِصَّةِ هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ، وَفِيهَا الْعِظَةُ وَالْعِبَرُ كَثِيرَةٌ. وَقَدْ مَرَرْنَا عَلَيْهَا حَتَّى لَا نُطِيلَ فِي ذِكْرِ الْحَدِيثِ، لَكِنَّنَا نَنْتَفِعُ بِفَائِدَةٍ عَظِيمَةٍ. وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِحْضَارِ لِمَا مَضَى مِنْ الَّذِي أَوْقَعَ جُرَيْجًا فِي هَذِهِ الْفِتَنِ. جُرَيْجٌ كَانَ مُتَعَلِّقًا فِي الْجِبَالِ فِي صَوْمَعَتِهِ، مَنْفَصِلًا عَنْ النَّاسِ، وَالنَّاسُ مُنْفَصِلُونَ عَنْهُ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. خَاشِعًا وَخَاضِعًا لَهُ، مَنْ الَّذِي أَدْخَلَ جُرَيْجًا فِي دَمْدَمٍ مِنْ الْفِتَنِ؟ دَمْدَمٍ مِنْ الْفِتَنِ مَعَ قَوْمِهِ، مَعَ الزَّانِيَةِ، مَعَ ضَرْبِهِ، مَعَ صَوْمَعَتِهِ فِي الْفِتَنِ، اتِّهَامٌ بِزِنًا، بِتَنَاوُلٍ بِالسَّبِّ وَالْقَذْعِ وَالْقَذْعِ. لِنَجِدْ الَّذِي جَعَلَ جُرَيْجًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، أَلَا وَهُوَ اسْتِجَابَةُ دُعَاءِ الْأُمِّ حِينَمَا قَالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَإِنَّهُ ابْنِي، وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي، اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يُنْظَرَ إلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ. دُعَاءٌ خَرَجَ مِنْ ثَدْيِ أُمٍّ فِي حَقِّ وَلَدِهَا، وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ عِصْمَةَ اللَّهِ عِنْدَنَا جُرَيْجٌ، وَعِنْدَنَا أُمُّ جُرَيْجٍ. نَعْلَمُ أَنَّهُ عَدَمَ أَنَّهُ صَارَ وَلِيًّا، أَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُمُ الْكَرَامَةُ، شَيْءٌ عَظِيمٌ، قَلِيلٌ مِمَّا قَلَوْا مِنْهُ، مَنَعَ عَنْهَا عَنْ نَسَبِهَا عَنْ دِينِهَا عَنْ دِيَانَتِهَا عَنْ صَلَاحِهَا. مَا نَعْرِفُ عَنْ شَيْءٍ كَثِيرٍ، لَكِنْ أَمْرُهُمْ كَيْفَ أَنَّ رَبَّنَا اسْتَجَابَ فِي دَعْوَةِ أُمِّهِ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ أَنَّ رَبَّنَا اسْتَجَابَ فِي دَعَاءِ الْوَالِدَةِ عَلَى وَلَدِهَا، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الصَّلَاحِ بِمَبْلَغٍ عَظِيمٍ. وَبِهَذَا نَتَحَذَّرُ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- مِنْ أَنْ يُصِيبَنَا شَيْءٌ مِنْ دُعَاءِ الْوَالِدَيْنِ. وَلِلْأَسَفِ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- كَانَ مِنْ الْوَاحِدِ مِنَّا لَرُبَّمَا يَسْمَعُ الدُّعَاءَ الشَّدِيدَ يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الْوَالِدَيْنِ، يَدْعُو أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ أَوْ تَدْعُو الْوَاحِدَةُ مِنْهُمَا عَلَيْهِ بِدُعَاءٍ شَدِيدٍ. وَالِابْنُ أَوِ الْبِنْتُ لَا يَبَالِي بِهَذِهِ الدُّعَاءِ. وَرُبَّ دُعَاءٍ يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الْوَالِدَيْنِ، يُسَبَقُ عَلَيْكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- دِينُكَ وَدُنْيَاكَ. وَمَا جُرَيْجٌ عَنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَنْتُمْ لَسْتُمْ بِأَعْلَى مِنْ جُرَيْجٍ، مَنْ هُوَ جُرَيْجٌ؟ أَنْتُمْ لَا تَبْلُغُونَ أَنْ تَكُونُوا كَجُرَيْجٍ، لَمَّا بَلَغَ مِنْ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدَةِ وَالْوَرَعِ، وَمَعَ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْفِتَنِ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ دَعَتْ عَلَيْهِ. وَرَبُّنَا اسْتَجَابَ لِدُعَائِهَا. فَجَاءَ فِي مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ، قَالَ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: لَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ فِي الزِّنَا لَزَنَى. انْظُرُوا -حَفِظَكُمُ اللَّهُ- فِي مُسْلِمٍ، قَالَ: لَوْ دَعَتْ أَيْ أُمُّهُ فِي ذَاكَ الْمَقَامِ لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ جُرَيْجًا زَانِيًا، لَكَانَ مِنْ الزُّنَاةِ. قَالَ نَبِيُّنَا: لَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ فِي الزِّنَا لَزَنَى، لَكِنَّهَا مِنْ نَظَرِهَا وَمِنْ رَحْمَتِهَا فِي ابْنِهَا، أَنَّهَا دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَرَى إلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ. وَاسْتَجَابَ رَبُّنَا مِنْ دُعَائِهَا. وَكَذَلِكَ حِينَمَا دَنَا مِنْهَا عَلَى غُرْفَتِهِ وَرَآهَا، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا. وَهَكَذَا عِنْدَ الْمُحَاكَمَةِ عِنْدَمَا وَاجَهَتْهُ، وَقَالَتْ: هَذِهِ دَرَجَتُك أَوْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ زَنَيْتُ بِهَا. اسْتَجَابَ رَبُّنَا لِدُعَاءِ الْوَالِدَةِ عَلَى وَلَدِهَا، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الصَّلَاحِ بِمَبْلَغٍ عَظِيمٍ. وَبِهَذَا نَتَحَذَّرُ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- مِنْ سَطْوَةِ الْوَالِدَيْنِ. فَإِنَّ الْأَمْرَ عَظِيمٌ. وَكَذَلِكَ فِيهَا فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ يَتَعَلَّقُ بِأَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِي أَوْلَادِهِمْ. صَحِيحٌ أَنَّهُ لَرُبَّمَا الْأَوْلَادُ أَوِ الْبَنَاتُ تَظْهَرُ وَتَصْدُرُ مِنْهُمْ أَفْعَالٌ مُشِينَةٌ أَوْ أَقْوَالٌ لَيْسَتْ بِمَرْضِيَّةٍ. لَكِنْ يَنْبَغِي عَلَى الْوَالِدَيْنِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِي أَلْفَاظِهِمْ. كَمْ مِنْ وَالِدٍ أَوْ كَمْ مِنْ وَالِدَةٍ لَرُبَّمَا تَسْطُو عَلَى وَلَدِهِمْ، فَتَأْتِي بِدُعَاءٍ يَخْرُجُ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ أَوْ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ، وَتَلْقَى فِي ذَلِكَ دُعَاءً مُسْتَجَابًا أَوْ مُسْتَجَابَةً الدُّعَاءُ. كَمَنْ قَالَ لِوَلَدِهِ: اذْهَبْ لَا رَحِمَكَ اللَّهُ. وَمَا رَجَعَ الْوَلَدُ وَسَمِعْنَا مِنْ هَذَا الشَّيْءِ الْكَثِيرِ، وَلَدٌ يَفْعَلُ شَيْئًا، فَيُسْتَجَابُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَكَانَ يَنْبَغِي الْحِرْصُ وَالتَّأَنِّي فِي مُعَالَجَةِ هَذَا الْمَوْقِفِ. لَكِنَّ الْوَالِدَيْنِ مِمَّنْ تَعَوَّدَ عَلَى إخْرَاجِ الْكَلَامِ دُونَ قُيُودٍ وَلَا ضَوَابِطَ، يَخْرُجُونَ مِثْلَ هَذِهِ الدُّعَاءَاتِ. أَخْرِجْ، اذْهَبْ لَا رَحِمَكَ اللَّهُ. فَيَذْهَبُ الْوَلَدُ، فَيُقْضَى عَلَيْهِ، وَيُؤْتَى بِخَبَرِ مَوْتِهِ، إنَّهُ قَدْ صُرِعَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ أَوْ صُدِمَ بِسَيَّارَةٍ أَوْ مَاتَ. إِنَّهُ قَدْ صُرِعَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. أَوْ قَالَ لِوَلَدِهِ: اذْهَبْ لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ. فَيَذْهَبُ الْوَلَدُ وَيُقْضَى عَلَيْهِ، وَمَعَهُ الشَّقَاءُ، لَا بَرَكَةَ لَا فِي عُمُرٍ وَلَا فِي صِحَّةٍ وَلَا فِي ذُرِّيَّةٍ. مَنْ الَّذِي أَوْقَعَ بِالتَّعَاسَةِ هَذِهِ الدُّعَاءَاتِ؟ خَرَجَتْ مِنْ ثَدْيِ الْوَالِدَيْنِ. فَيَنْبَغِي -يَا عِبَادَ اللَّهِ- عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِهِمْ، فَلْيَرْعَوْا بِخَيْرٍ، كَيْفَ؟ اذْهَبْ أَصْلَحَكَ اللَّهُ، هَدَاكَ اللَّهُ، أَرْشَدَكَ اللَّهُ. هَذَا عِتَابٌ، لَكِنَّ فِيهَا دُعَاءً صَالِحًا مُبَارَكًا. هَذَا الَّذِي يَنْبَغِي -يَا عِبَادَ اللَّهِ- أَنْ يَدْعُوَ أَوْلِيَاءُ الْأُمُورِ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، بِأَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِي الدُّعَاءِ. وَجَاءَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ، وَمِنْهُمْ دُعَاءُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ. فَأَسْأَلُ مَوْلَايَ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا سَمِعْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَأَطَلُ عَلَيْكُمْ بِسَلَامَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.