الدرس في توجيهات تربوية 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد على أهمية التثبت والتأني في نقل الأخبار لتجنب نشر الفاحشة والقطيعة بين الأرحام. يُشدِّد على خطورة الإشاعات وإساءة الظن في المجتمع.
يُناقش خطورة الإشاعات وإساءة الظن، ويُوضح كيفية التعامل معها بالتحقق وحسن الظن. يُبين خطورة نقل الأخبار بدون علم أو تثبت ويعتبره إثمًا عظيمًا.
يُحَذِّرُ مِنْ عَدَمِ التَّثَبُّتِ فِي الطَّعْنِ فِي الرِّجَالِ، ويؤكد على ضرورة التأني في ذلك استنادًا إلى نصوص من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلِذَا أُخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي ذِكْرِ هَذَا الْأَدَبِ وَهَذَا الْخُلُقِ الَّذِي حَثَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ، وَمَا ذَاكَ إلَا لِأَهَمِيَّتِهِ وَلِعَظَمَتِهِ، وَأَنَّ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يَجْعَلُ لَهُ الْخَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَلَا وَهُوَ خُلُقُ الْأَنَاةِ وَالتَّأَنِي. وَذَكَرْنَا أَنَّ لِهَذَا الْأَدَبِ أَبْوَابًا يَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهَا، فَمِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ بَابُ الْعِبَادَةِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّيَ عِبَادَةً مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ أَوْ يُطَبِّقَ شَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّى بِالْأَنَاةِ وَالتَّأَنِي وَالتَّبَيُّنِ وَالطَّمَأْنِينَةِ وَالتَّؤَدَةِ فِيهَا. وَهَكَذَا مِنْ الْأَبْوَابِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُحَلَّى بِالتَّأَنِي وَالْأَنَاةِ مَا يَكُونُ مِنْ إطْلَاقِ الْأَحْكَامِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْمَسَائِلِ مِنْ النَّوَازِلِ وَغَيْرِهَا أَوْ مَا كَانَ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَعْيَانِ وَالذَّوَاتِ، فَإِنَّ إطْلَاقَ الْحُكْمِ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ دِينِ اللَّهِ مِنْ وَصْفٍ أَوْ مِنْ شَخْصٍ أَوْ مِنْ قَوْلٍ، فَلَابُدَّ أَنْ يَتَحَرَّى الشَّخْصُ بِالتَّأَنِي وَالْآنَاةِ فِيهِ. وَمِنْ الْأَبْوَابِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُتَحَلَّى بِهَا هَذَا الْأَدَبُ عِنْدَ نَقْلِ الْأَخْبَارِ، وَهَذَا الْبَابُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَبْوَابِ، بَلْ يُعْتَبَرُ مِنْ أَشَدِّهَا خَطَرًا، التَّثَبُّتُ وَالتَّأَنِي وَالْأَنَاةُ وَالتَّؤَدَةُ عِنْدَ نَقْلِ الْأَخْبَارِ. فَكَمْ مِنْ خَبَرٍ عِبَادَ اللَّهِ انْتَشَرَ بَيْنَ أَوْسَاطِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ مِنْ سَبَبِهِ أَنْ تَمَّتْ الْقَطِيعَةُ بَيْنَ الْأَرْحَامِ، وَتَمَّتْ الْمُفَاصَلَةُ بَيْنَ الْإِخْوَانِ وَالْأَحْبَابِ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، هَذِهِ الْآيَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُبِّ انْتِشَارِ الْفَاحِشَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ خَاصًّا بِالزِّنَا وَبِفَاحِشَةِ الزِّنَا، بَلْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: «يَدْخُلُ بِالْفَاحِشَةِ كُلُّ مَا فَحُشَ فِي الْقَوْلَِِتْ فِيهِ أَوْ فَحُشَ فِي الْفِعْلِ، كُلُّ مَا كَانَ فَاحِشًا قَوْلًا أَوْ فِعْلًا». وَهَذَا الْفَاحِشُ مِنْ الْفِعْلِ أَوْ الْقَوْلِ أَنْتَ تُحِبُّ أَنْ يَنْتَشِرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَكَ نَصِيبٌ مِنْ هَذَا التَّهْدِيدِ وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. وَانْظُرُوا إلَى هَذِهِ الْآيَةِ، هَذِهِ الْآيَةُ إنَّمَا حُكْمُهَا فِي الَّذِي يُحِبُّ، رَجُلٌ مَا فَعَلَ، مَا قَامَ مِنْ مَحَلِّهِ، مَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا يَطْرَحُ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ، وَيَنْظُرُ، يَنْظُرُ. فَأَسْمَعْ عَنْ تِلْكَ الْعَدَاوَاتِ الَّتِي أُقِيمَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، عَنْ تِلْكَ الْقَطِيعَةِ، عَنْ تِلْكَ الْهِجْرَانِ، عَنْ تِلْكَ الرَّزَايَا الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، يَسْمَعُ بِهَا وَيَفْرَحُ، يَسْمَعُ بِهَا وَيَفْرَحُ، هَذَا الَّذِي يَفْرَحُ، وَهَذَا الَّذِي يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ هَذِهِ الرَّزَايَا وَالْمَصَائِبُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ رَبُّنَا: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. إِذَنْ مَا بَدَأَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ فِي الَّذِي لَا يَكْتُبُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِمَاعِ، بَلْ يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَيَسْعَى بِجَهْدِهِ، بِوَقْتِهِ، بِمَالِهِ، بِلِسَانِهِ، بِيَدِهِ، أَخْذًا وَعَطَاءً، هَمُّهُ أَنْ تَشِيعَ فَاحِشَةٌ مِنْ قَطِيعَةٍ مِنْ هِجْرَانٍ مِنْ فِرَاقٍ مِنْ بُغْضَاءَ مِنْ عَدَاوَةٍ مِنْ أَشْيَاءَ لَا تُرْضِي اللَّهَ وَلَا رَسُولَهُ، يُحِبُّ أَنْ يَسْعَى بِجَهْدِهِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَمَا حُكْمُ ذَلِكَ؟ هَذَا حُكْمٌ أَعْظَمُ، أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، إنَّمَا جَاءَتْ فِي الْمُحِبِّ، أَنْ الْحُبَّ، فَكَيْفَ بِالَّذِي يَسْعَى؟! فَالسَّاعِي فِي هَذِهِ الْفَاحِشَةِ أَمْرُهُ أَعْظَمُ، أَخْطَرُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَبِغِيَةِ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ نَهْتَمَّ بِهَذَا الْبَابِ أَيَّ مَا هِتَامٍ، أَنْ الْأَخْبَارَ، سَوَاءٌ مَا كَانَ فِي تَصْدِيقِهَا أَوْ مَا كَانَ فِي قُبُولِهَا أَوْ مَا كَانَ فِي نَشْرِهَا، هَذِهِ الْأَخْبَارُ، سَوَاءٌ مَا كَانَ فِي حَقِّهِ أَوْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا يَنْبَغِي أَنْ تُصَدَّقَ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُنْشَرَ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُدَعَ حَتَّى تُحَاطَ بِشَيْءٍ مِنْ الْحِيطَةِ مِنْ التَّثَبُّتِ وَالتَّبَيُّنِ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وَاللَّهُ عِبَادَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ الْوَاحِدَ فَقَطْ نَظَرَ فِي نَفْسِهِ، وَنَظَرَ فِي حَالِ زَمَانِهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ إلَا وَقَدْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، تَعَجَّلَ أَوْ تَسَرَّعَ فِي إطْلَاقِ أَخْبَارٍ، ثُمَّ نَظَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَاظِرِهِ، بِعَيْنِ رَأْسِهِ، رَأَى كَثْرَةَ الَّذِي أَفْسَدَ بِهِ، وَرَأَى مَا ضَرَّ أَنَّهُ سَعَى فِي نَشْرِهِ، رَأَى أَنَّهُ خَبَرٌ أَتَى بِهِ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَإِذَا فِيهِ تَهَمٌ، بَرَاءٌ فِي رَجُلٍ مَا قَالَهَا بِالْمَقَالَةِ، أَوْ أَنَّكَ تَرْمِي فِي عِرْضِ مُسْلِمٍ، لَرُبَّمَا مَا تَلَوَّثَ بِهَا، أَوْ أَنَّكَ تُسِيءُ الظَّنَّ بِأَحَدٍ مِنْ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ لَمْ يَقْتَرِفْ شَيْئًا مِنْ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي. هَذَا وَاقِعُنَا، لَكِنْ أَيْنَ الَّذِي يَتَعِبُ؟ أَيْنَ الَّذِي يَكْتَفِي؟ يَقُولُ: «يَكْفِينِي مَا وَقَعَ مِنِّي مِنْ زَلَلٍ، مَا وَقَعَ مِنِّي مِنْ تَسَرُّعٍ، فَيَكْفِينِي الَّذِي مَضَى، فَأُمْسِكُ بِلِسَانِي، فَمَا أَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ إلَا بَعْدَ تَثَبُّتٍ وَتَبَيُّنٍ». وَهَذَا الَّذِي جَعَلَنِي أَتَكَلَّمُ بِثَبَاتٍ، أَمَّا أَنَّكَ تَأْتِي بِأَقْوَالٍ، لَرُبَّمَا خَبَرٌ، وَهَذَا كَثِيرٌ، خَبَرٌ يَنْتَشِرُ، إمَّا طَعْنٌ فِي عِرْضِ مُسْلِمٍ، أَوْ طَعْنٌ فِي عِرْضِ مُسْلِمَةٍ. بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: «انْتَبِهْ، تِلْكَ الْمَرْأَةُ الْمُحَجَّبَةُ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ، زَانِيَةٌ»، تَقُولُ: «لَا، كَيْفَ زَانِيَةٌ؟!» نَعَمْ، زَانِيَةٌ، مِنْ أَخْبَرَكَ بِثِنَانِ؟ أَتَأَنَّى بِثِنَانِ؟ هَلْ أَنْتَ أَخْبَرَكَ بِثِنَانِ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ زَانِيَةٌ؟ وَالنَّصُّ مَا تُخْبِرُ عَنْ ثِنَانِ، ثُمَّ الثَّالِثُ، ثُمَّ الرَّابِعُ، ثُمَّ الْخَامِسُ، السَّادِسُ، يَجْعَلُ، وَاَللَّهِ أَقُولُ هَذَا: مَا أَجْرَمْت، لَكِنْ ظَنَنْت، لِأَنَّنِي رَأَيْتُ يَوْمَ الْأَيَّامِ فِي سَيَّارَةٍ مَعَ رَجُلٍ. إِذَنْ مَا فِي هَذَا؟ هَلْ كُلُّ امْرَأَةٍ اخْتَلَتْ بِرَجُلٍ تُرْمَى بِالزِّنَا؟! فُرْقٌ بَيْنَ إسَاءَةِ الظَّنِّ وَبَيْنَ الرَّمْيِ بِالْفُجُورِ، وَالرَّمْيِ بِالْفَاحِشَةِ، هَذَا أَمْرٌ آخَرُ. وَكَمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَوْ رُبَّمَا رَجُلٌ يَسْمَعُ بِخَبَرٍ أَوْ وُجِدَ مِنْ خَبَرٍ، ثُمَّ يُسِيءُ الظَّنَّ بِهَذَا الْمَسْمُوعِ دُونَ تَحَرٍّ، دُونَ تَثَبُّتٍ. تَأْتِي امْرَأَةٌ إلَى زَوْجِهَا: «وَاللَّهِ رَأَيْتُ بِالْأَمْسِ هَذَا الْجَارَ يَتَشَوَّفُ مِنْ النَّافِذَةِ»، فَإِذَا بِالرَّجُلِ كَهْرَبَ مِنْ سَاعَتِهِ، يَهْجُرُهُ، لَا يُكَلِّمُهُ. مَا بِإِمْكَانِ التَّثَبُّتِ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ لِرُبَّمَا تَشَوَّفَ لِأَمْرٍ مَا فِي بَيْتِهِ، نَظَرَ تَعَلُّقَ شَيْءٍ، أَرَادَ يَسْمَعُ شَيْئًا عَلَى حِينِ فَجْأَةٍ، نَظَرَ لِشَيْءٍ لَا يَقْصِدُهُ، تَتَبَّعَ الْأَوْرَاقَ، أَوْ تَشَوَّفَ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى السَّوَآتِ؟! لَا يَكُونُ هَذَا هَمُّهُ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مَقْصَدُهُ. فَيُرْمَى بِذَلِكَ مُبَاشَرَةً، تَصْدِيقُ الْأَخْبَارِ دُونَ رِوَايَةٍ، وَأَمَرُوا عِبَادَ اللَّهِ إلَى هَذِهِ الْإِشَاعَةِ الَّتِي صَدَرَتْ وَوَقَعَتْ فِي عَهْدِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهَذِهِ الْإِشَاعَةُ الَّتِي كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْأَشْيَاءِ تَأْثِيرًا عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَلَا وَهِيَ حَادِثَةُ الْإِفْكِ. هَذِهِ الْحَادِثَةُ حِينَمَا اشْرَأَبَّتْ رُؤُوسُ الْكُفْرِ، وَرُؤُوسُ النِّفَاقِ، فَقَامُوا وَاسْتَغَلُّوا فُرْصَةً أَنْ يَغْمِزُوا وَيَطْعَنُوا وَيَقْدَحُوا فِي إحْدَى زَوْجَاتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَرَمَوْهَا بِأَمْرٍ سُوءٍ، بِأَمْرٍ مُنْكَرٍ، ثُمَّ سَارَعُوا فِي بَثِّ هَذِهِ الْإِشَاعَةِ الْخَبِيثَةِ وَالدَّسِيسَةِ الْمُمِيتَةِ. فَكَانَ مِنْ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْإِشَاعَةِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَخَذَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَصَدَّقَهَا، وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ ظَنِّهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ، فَقَامُوا وَنَشَرُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ هَذِهِ الزَّوْجَةَ مِنْ زَوْجَاتِ الرَّسُولِ قَدْ لَقَعَتْ فِي سُوءٍ. وَكَانَتْ هَذِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ الَّتِي أَثَّرَتْ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، حَتَّى أَنَّ رَبَّنَا جَلّ وَعَلَا أَنْزَلَ آيَاتٍ فِي كِتَابِهِ، وَيُعْتَبَرُ مِنْهَاجًا، مِنْهَاجًا رَبَّانِيًّا فِي كَيْفِيَةِ التَّعَامُلِ مَعَ الْإِشَاعَاتِ، وَكَيْفِيَةِ التَّعَامُلِ مَعَ الْأَخْبَارِ، وَخَاصَّةً إذَا كَانَ فِيهَا الْقَدْحُ، وَإِذَا كَانَ فِيهَا الطَّعْنُ، وَالْغَمْزُ فِي أَعْرَاضِ الْمُصْلِحِينَ، وَفِي أَعْرَاضِ الصَّالِحِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. هَذِهِ الْآيَةُ فِي بَدَايَتِهَا يُخْبِرُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا أَنَّ هَذِهِ الْإِشَاعَةَ لَا حُكْمَ لَهَا، لَكِنَّ مَنْ دَخَلَ فِيهَا وَتَوَرَّطَ فِيهَا لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، فِيهَا بَيَانٌ عَلَى أَنَّ الْخَوْفَ فِي بَابِ الْإِشَاعَاتِ لَيْسَ بِمُبَاحٍ، لَيْسَ هُوَ فُكَاهَةً تَتَفَكَّهُ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ. تَسْمَعُ بِعِبَارَةٍ فِيهَا الطَّعْنُ فِي عِرْضِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ فَاجِرٌ، أَنَّهُ زَانٍ، أَنَّهُ خَبِيثٌ، أَنَّهُ مُجَسُّوسٌ، تَسْمَعُ بِخَبَرٍ، وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الصِّحَّةِ، لَكِنْ تَقُولُ: «مَا يَضُرُّنِي أَنْ أَنْقُلَهُ كَمَا يَنْقُلُ النَّاسُ؟!» لَا، يَا عَبْدَ اللَّهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ، لَكَ إثْمٌ عَلَى حَسَبِ مَا تُنْقِلُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ الَّذِي قَامَ عَلَى غَيْرِ تَأَدُّدٍ. ثُمَّ قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا، مُبَيِّنًا مَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، هَذَا الْأَصْلُ. وَسَيَأْتِي هَذَا الْبَابُ فِي مَحَلِّهِ فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْوَاجِبُ أَنْ يُفْعَلَ فِي أَيَّامِ الْإِشَاعَاتِ وَالْأَخْبَارِ. قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ، مُبَيِّنًا حَالَ الَّذِي يُنْقِلُ هَذِهِ الْأَخْبَارَ: ﴿أَتَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. انْظُرُوا إلَى هَذَا الْوَصْفِ مِنْ رَبَّنَا جَلّ وَعَلَا لِأَصْحَابِ الْإِشَاعَاتِ وَالْأَخْبَارِ: ﴿أَتَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، هَذَا الْخَبَرُ إنَّمَا مُحَطُّ رِحَالِهِ فِي اللِّسَانِ، مَا وَصَلَ إلَى الْعَقْلِ، خَبَرٌ يَأْتِي مِنْ لِسَانٍ إلَى لِسَانٍ، ثُمَّ تَتَلَقَّفُهُ الْأَلْسُنُ، لَا يَأْتِي إلَى الْعُقُولِ، وَلَا يَأْتِي إلَى الضَّمِيرِ، وَلَا يَأْتِي إلَى الْأَحَاسِيسِ. وَمَا شَاءَ تَخْصِصْ: هَلْ هَذَا الْخَبَرُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِيهِ؟ هَلْ هَذَا الْخَبَرُ نَشْرُهُ وَإِذَاعَتُهُ وَإِبَاحَتُهُ لَهُ إضْرَارٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؟ هَلْ لَهُ عَوَاقِبُ وَخِيمَةٌ فِي الْمُجْتَمَعِ؟ مَا أَحَدٌ يُبَالِي، إنَّمَا تَتَلَقَّاهُ الْأَلْسُنُ كَالْكُرَةِ، ذَاكَ يَرْمِي، ذَاكَ يَرْمِي، دُونَ مُبَالَاةٍ، دُونَ مُبَالَاةٍ بِعَوَاقِبِهِ. ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، مَا عِنْدَكُمْ عِلْمٌ بِمَصْدَرِهِ، بِمَنْشَأِهِ، هَذَا الْخَبَرُ الْمَوْجُودُ الْمَبْسُوطُ الْمَذْكُورُ: أَنَّ زَوْجَةَ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي أَمْرٍ سُوءٍ، مَا مَصْدَرُهُ؟ مَا حَقِيقَتُهُ؟ هَلْ هُنَاكَ أَسَانِيدُ سَابِتَةٌ عَنْهَا؟ هَلْ هُنَاكَ صَرِيحٌ مِمَّنْ شَاهَدَ هَذِهِ الْفِعْلَةَ؟ وَإِنَّمَا أَقْوَى تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ لَابُدَّ أَنْ تَأْتِيَ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ، تَتَعَلَّمُهَا، تُعْرِضُهَا، إمَّا بِسَمَاعِهَا بِأُذُنِهِ، وَإِمَّا بِحُضُورِهَا، أَوْ بِمُشَاهَدَتِهَا، أَمَّا لَا هَذَا وَلَا ذَاكَ، فَإِنَّ هَذِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ. ثُمَّ قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾، مَعَ هَذَا كُلِّهِ، خَبَرٌ يَأْتِي بِالضَّرَرِ بِاللِّسَانِ، وَمَعَ ذَلِكَ دُونَ تَثَبُّتٍ فِي مَصْدَرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْسَبُ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ هَيِّنٌ، مَا هُوَ الْهَيِّنُ؟! وَهَذَا الْخَبَرُ خَبَرٌ يَتَنَاقَلُهُ النَّاسُ، وَفِيهِ الطَّعْنُ فِي عِرْضِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، خَبَرٌ بَلَغَ أَنْ أَثَّرَ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، حَتَّى أَثَّرَ فِيهِ، كَانَ يَقُومُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ لِلنَّاسِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ يَعْذِرُنِي فِي رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ إلَى أَهْلِي؟!» أَثَّرَ فِي نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ هَذِهِ الْقَالَةِ الَّتِي قِيلَتْ بَيْنَ النَّاسِ. خَبَرٌ بَلَغَ مِنْ أَثَرِهِ أَنَّهُ طَعْنٌ عَلَى زَوْجَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، الظَّاهِرَةِ الْمُظْهَرَةِ، الْمُحْصَنَةِ الْمُبَرَّأَةِ، بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، خَبَرٌ عَظِيمٌ فِي الطَّعْنِ فِي بَيْتِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، بَيْتِ الصِّدِّيقِ الَّذِي مَا عُرِفَ، وَمَا سُمِعَ بِفَاحِشَةٍ، لَا فِي الْإِسْلَامِ وَلَا فِي الْجَاهِلِيَةِ، ثُمَّ يُلْصَقُ هَكَذَا بِهَذِهِ التُّهَمَةِ، وَبِهَذِهِ الْفِرْيَةِ، وَهَكَذَا. ثُمَّ يَا عِبَادَ اللَّهِ بَلَغَ أَذَاهُ إلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَعَ ذَلِكَ يُحْسَبُ أَنَّهُ هَيِّنٌ، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. هَكَذَا عِبَادَ اللَّهِ، كَمْ وَكَمْ مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُبَّمَا وَاَللَّهِ سَمِعْنَا عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَتَفَكَّهُونَ بِهَا، أَصْبَحَتْ كَالْفَاكِهَةِ، إذَا جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ، أَوَّلُ مَا يَتَفَكَّهُ فِي أَعْرَاضِ الصَّالِحِينَ، فِي أَعْرَاضِ الْمُصْلِحِينَ. جُلَسَاءُ لِبَعْضِ النَّاسِ مِمَّنْ سَخِطَتْ نَفْسُهُ، مَا فِي الْمَجْلِسِ؟ عِبَارَةٌ عَنْ أَشْعَارٍ يُشْعِرُ، وَفِي شِعْرِهِ الِاسْتِهْزَاءٌ بِالْعُلَمَاءِ، الِاسْتِهْزَاءٌ بِالْمَشَايِخِ، ذَاكَ الشَّيْخُ صَاحِبُ اللِّحْيَةِ الْبَيْضَاءِ، وَذَاكَ الرَّجُلُ صَاحِبُ... ثُمَّ يَضْحَكُ وَيُضْحِكُ زُمَلَاءَهُ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى أَخْبَارٍ مُكَذَّبَةٍ، مُكْتَرَيَةٍ فِيهَا أَخْبَارٌ فِي عِرْضِ رَجُلٍ صَالِحٍ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، آيَاتٌ عَظِيمَةٌ تَكْشَعِرُّ لَهَا الْجُلُودُ. فِي مَنْ أَعْطَاهَا حَقَّهَا، وَأَعْطَاهَا وَزْنَهَا، فِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْمَحُ بِأَيِّ خَبَرٍ فِيهِ طَعْنٌ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، وَخَاصَّةً إذَا كَانَ هَذَا الْمُسْلِمُ مِمَّنْ عَلِمَ بِالْعِلْمِ، مِمَّنْ عَلِمَ بِالصَّلَاحِ. يَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «قَالَ إنَّ الَّذِي يَتَصَدَّرُ لِضَبْطِ الْوَقَائِعِ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ وَرِجَالٍ، لَابُدَّ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ التَّحَرِّي فِي النَّقْلِ، وَأَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ، وَأَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ». هَذَا الَّذِي يَتَصَدَّرُ، مَا تَصَدَّرَهُ لِضَبْطِ الْوَقَائِعِ مِنْ أَقْوَالٍ، مِنْ أَفْعَالٍ، مِنْ الرِّجَالِ، هَذَا يَلْزَمُهُ التَّحَرِّي، أَنْ يَتَحَرَّى فِي النَّقْلِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَلَا يَكْتَفِي بِالْخَبَرِ الشَّائِعِ»، إذَا كُنْتَ تَأْهَلُ أَنْ تَضْبِطَ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ وَالْحَرَكَاتِ وَالْأَنْفُسَ، لَا تَكْتَفِ فِي مَقَامِكَ هَذَا بِصِنَاعَةِ الزَّيْدِ وَعُبَيْدٍ، وَإِنَّمَا أَنْتَ تَتَحَرَّى النَّقْلَ، تَذْهَبُ بِنَفْسِكَ، تَبْحَثُ عَنْ أَسَانِيدِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، عَنْ أَسَانِيدِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، مَوَ أَنَّهُ يَقُومُ آجِرٌ مِنْ النَّاسِ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ فِي شَخْصٍ، وَيَجْرَحُهُ مِنْ فَوْقٍ إلَى أَسْفَلٍ، فِيهِ وَفِيهِ وَفِيهِ وَفِيهِ، وَذَا بَعْدَمَا يُسَلِّطُهُ وَيُخْرِجُهُ مِنْ السُّنَّةِ، يَقُولُ: «إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ»، لِيشْ هَذَا الْوَرَعُ؟! هَذَا الْوَرَعُ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟! أَهَذِهِ التَّأَنِي فِي بَابِ الطَّعْنِ فِي الرِّجَالِ؟! تُس