التعليقات على كتاب الأدب المفرد 88

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 88، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية توقير الكبير وإجلاله في الإسلام

يُشدد الإسلام على توقير الكبير وإجلاله، كما ورد في الحديث النبوي. يُظهر ذلك أهمية احترام الكبار في المجتمع.

حادثة مقتل عبد الله بن السهل وتطبيق القسامة

يتناول المقطع حادثة مقتل عبد الله بن السهل وطلب ورثته العدل من النبي، حيث أمر بالقسامة ودفع دية القتيل بعد رفض ورثة القتيل قبول يمين اليهود.

شرح القسامة وأحكامها وتطبيقاتها

القسامة إجراء لتحديد القاتل عند عدم وجود بينة واضحة، ويختلف العلماء في شروطها وتطبيقها، كما يُحلف أولياء المقتول يمينًا لتحديد المسؤولية.

أحكام اليمين والصلح بين المتخاصمين

يستدل الحديث على جواز قبول يمين الكافر والفاسق في بعض الحالات، ويشير إلى أهمية سعي ولي الأمر لإصلاح ذات البين وتحمل التكاليف إذا لزم الأمر.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا جرير عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا». الحديث الصريح قد مر الكلام عليه في الأبواب السابقة، والشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: «ويوقر كبيرنا»، ففيه أن مما ينبغي أن يتأدب به المسلم أن يوقر الكبير وأن يجل الكبير، فلهذا ذكره رحمه الله في هذا الباب. قال: باب أو يبدأ الكبير بالكلام والسؤال. قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى الأنصار عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة أنهما حدثاه أن عبد الله بن السهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن السهل. فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن وكان أصغر القوم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كبر الكبرى». قال يحيى: «ليت الكلام للأكبر» -يعني معناه ليتكلم الأكبر- قالوا: نتكلم في أمر صاحبهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «استحقوا قتيلكم -أو قال صاحبكم- بأيمان خمسين منكم». قالوا: يا رسول الله، أمر لم نره. قال: «فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم». قالوا: يا رسول الله قوم كفار. ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله. قال سهل: فأدركت ناقة فأدركت ناقة من تلك الإبل، فدخلت مربدا لهم، فركضتني برجلها». والمربد الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم. والحديث الصحيح هو في الصحيحين، وفيه أن عبد الله بن السهل ومحيصة بن مسعود -وهو ابن عمه- أتيا خيبر -أي بعد أن فتحت- فتفرقا في النخل. خيبر كانت كثيرة النخل، وعامل النبي عليه الصلاة والسلام أهلها على أن يعملوا ويكون لهم الشطر -أي نصف ما يخرج منها من ثمر- فقتل عبد الله بن السهل. قتل عبد الله بن السهل في خيبر، وفي بعض الروايات أن محيصة أتى إليه وهو يتشحط في دمه -يعني يتلطخ أو ملطخ بالدم- قال: فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة بن مسعود -وهما ابن عمه- إلى النبي عليه الصلاة والسلام فتكلموا في أمر صاحبهم -يعني فيما حصل له من قتل- قال: فبدأ عبد الرحمن -وعبد الرحمن هو أخو المقتول أخ عبد الله- وكان أصغر القوم -كان أصغرهم سنا- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كبر الكبر» -يعني يتكلم ويلي الكلام الأكبر- قال: فتكلموا في أمر صاحبهم -يعني تكلم أكبرهم- وجاء في بعض الروايات أنه محيصة أو حويصة، فذكروا ما حصل له من قتل أنهم وجدوه قتيلا. فقال عليه الصلاة والسلام: «استحقوا قتيلكم -أو قال صاحبكم- بأيمان خمسين منكم» -أي يحلف والخطاب هنا للورثة وهو عبد الرحمن أخو عبد الله- ليحلف منكم خمسين يمينا -يعني يحلفوا خمسين يمينا- أن قاتله فلان أو أن قاتله الجماعة الفلانية. فقالوا: يا رسول الله، أمر لم نره -يعني ما شاهدنا من قتله من قتله- فقال عليه الصلاة والسلام: «تبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم» -يعني أنهم يحلفون أنهم ما قتلوه يحلفون خمسين يمينا أنهم ما قتلوه- فإذا حلفوا فإن ذمتهم تبرأ ولا يكون عليهم شيء. فقالوا: يا رسول الله قوم كفار -أي كيف نقبل يمينهم كفار- فلما قالوا ذلك فداه النبي عليه الصلاة والسلام من عنده -يعني دفع ديته عليه الصلاة والسلام من عنده-. وقول سهل: «فأدركت ناقة من تلك الإبل فرفستني» يريد أنه حفظ الحديث، أنه حفظ الحديث وأتقنه. وهذا الحديث أصل كما قال أهل العلم في مسألة القسامة في باب الحدود، وهو إذا وجد شخص قتيل في قبيلة أو عند قوم ولا يعلمون قاتله، وكان بين هذا المقتول ومن قتله عداوة -بين من قتله وبين هذا القتيل عداوة- فيحلف أولياء المقتول خمسين يمينا أن قاتله فلان أو الجماعة الفلانية، فإذا حلفوا فإنه يؤخذ هذا القاتل فيقام عليه الحد. واشترط بعض أهل العلم كالإمام أحمد أن يكون هناك عداوة بين القاتل والمقتول -وهو الذي يسمى باللوث أن يكون هناك لوث أي تهمة يتهم بها المقتول أو القاتل يتهم بها القاتل- وقال بعض أهل العلم لا يشترط ذلك، بل يكفي لو وجدت قرائن تدل على أن هذا القاتل هو الذي قتل -إذا وجدت قرائن تدل على أنه هو القاتل- فإنه يحكم بها، كان يوجد القتيل في بيته أو يوجد الأثاث أثاث هذا المقتول أو بعض متاعه عند القاتل، فإذا وجدت قرائن فإنه تقبل هنا القسامة بأن يحلف أولياء المقتول أن قاتله فلان خمسين يمينا توزع على الورثة فيحلفون، فإذا حلفوا أخذ هذا المتهم وأقيم عليه الحد. فإذا أبوا أن يحلفوا تنتقل اليمين إلى المدعى عليه فيؤمر بأن يحلف خمسين يمينا بأن يحلف أو يحلفوا خمسين يمينا أنهم ما قتلوا، فإذا حلفوا برئت ذمتهم ولا يجب عليهم شيء. ثم بعد ذلك تكون الدية على ولي الأمر فيوادي هذا المقتول حتى لا يذهب دمه هدرا، وكذلك أيضا يكون إصلاحا بين الطائفتين، وهذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه المسألة ومسألة القسامة قد خالفت عامة المسائل في باب الدعاوى بأمور، منها أن الأصل في باب الدعاوى أن تكون اليمين على المدعى عليه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». وفي القسامة -دعاوة- تكون اليمين على المدعي، فإذا أبى أن يحلف انتقلت اليمين إلى المدعى عليه. وهكذا أيضا أن الأصل في اليمين أن تكون يمينا واحدة، وفي باب القسامة فإن الأيمان تتكرر فيحلف خمسين يمينا، بخلاف بقية مسائل الدعاوى. والشاهد من ذكر هذا الحديث هو قوله عليه الصلاة والسلام: «كبر الكبرى» -أي ليتكلم ويلي الكلام الأكبر- وفي هذا أن الذي يبتدأ الكلام في المجالس هو الكبير، الذي يبتدأ الكلام في المجالس هو الكبير. وأما الصغير فينبغي أن لا يبتدأ الكلام، وأن يحترم من كان في المجلس ممن هو أكبر منه، يحترم من كان أكبر منه في المجلس ويجعل الكلام لهم، إلا إذا سمحوا له أو فتحوا له المجال أو نحو ذلك فلا بأس. أما أن يبتدأ هو الكلام فليس هذا من الأدب، أن يبتدأ الصغير الكلام مع وجود من هو أكبر منه. وفي هذا الحديث دليل على صحة يمين الكافر والفاسق لقوله عليه الصلاة والسلام: «تبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم»، مع أن الأصل أنه لا تقبل يمين الكافر أو الفاسق، وأنه لا بد من العدالة، لكن دل هذا الحديث على جواز قبول يمين الكافر والفاسق. وهكذا أيضا فيه أنه ينبغي لولي الأمر أن يسعى في إصلاح ذات البين، ولو كان بتحمل أدية، إذا كان في ذلك قطعا للنزاع وإصلاحا لذات البين كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه فداه من عنده من قبله. وهكذا أيضا فيه أن ما يحصل من خصومة بين المسلم والكافر فإن الحكم يكون بحكم الإسلام، فلهذا حكم النبي عليه الصلاة والسلام بينهما بحكم الإسلام، وهي مسألة القسامة.