الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 136، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الحديث قصة امرأة سوداء مصابة بالصرع واختارت الصبر على المرض ودخول الجنة بدلاً من الشفاء. يدل الحديث على فضل الصبر وتكفير الذنوب.
يدل الحديث على جواز التداوي إذا كان تركه يؤدي إلى الهلاك، كما يشير إلى فضل الصبر على البلاء وأنه سبب لدخول الجنة. حرص الصحابة على الخير وأسباب دخول الجنة.
استدل العلماء على تلبس الجني بالإنسي من القرآن والسنة وواقع المصروعين، وذكر الحافظ ابن حجر بعض الروايات التي تبين معنى تلبس الجني بأم زفر.
الصبر على البلاء يكفر الذنوب حتى وإن كان البلاء يسيرا، ويعتبر الصبر واحتسابه سببا لتكفير الخطايا والذنوب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عمران بن مسلم أبي بكر، ومعروف بالقصير، قال: حدثني عطاء، عن أبي رباح، وهو مولى من الموالي، وكان عالم أهل مكة ومفتيهم في المناسك، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف -يعني إذا صرعت- قالت: فادعوا الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادعوا الله لي ألا أتكشف، فدعا لها. هذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. ففي هذا الحديث، كما سمعنا، أن عبد الله بن عباس قال لعطاء، عن أبي رباح: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقال: بلى، فقال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف -يعني بسبب الصرع- فادعوا الله لي، فقال عليه الصلاة والسلام: إن شئت صبرت ولك الجنة -أي إذا صبرت على هذا البلاء الذي ابتليت به من الصرع كان سبب ذلك دخول الجنة- وإن شئت دعوت الله أن يعافيك -يعني يزيل عنك هذا المرض ويعافيك- فقالت: أصبر، تريد أن تنال الجنة، فقالت: إني أتكشف، فادعوا الله لي -أو أدعوا الله- ألا أتكشف -يعني إذا صرعت- فدعا لها. ففي هذا الحديث ما أراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به من فضل الصبر على المرض، فإن ذلك سبب لتكفير الذنوب والخطايا، وسبب لدخول الجنة: «إن شئت صبرت ولك الجنة»، فقالت: أصبر حتى تنال الجنة. وهكذا أيضا في ذلك أن الأخذ في الشدة أحيانا يكون أفضل إذا كان صاحبه عنده قوة واستطاعة على الصبر عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خيرها بين أن تصبر على هذا الصرع ولها الجنة، وبين أن يدعو الله عز وجل لها بالعافية، فقالت: أصبر، واختارت الصبر على هذا البلاء لعظم الأجر الذي رتب عليه من دخول الجنة، وأقره النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، فدل على أن من كان عنده قدرة وقوة على الصبر على المرض فإنه يصبر عليه. ويدل كذلك أيضا أنه لا يجب التداوي، بل يجوز تركه إذا كان صاحبه قادرا على الصبر والتحمل، ما لم يؤدي به إلى الهلاك. أما إذا كان سيهلك فلا، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. فإذا كان سيهلك بتركه للدواء فإنه يداويه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لم ينزل -أو ينزل- داء إلا وأنزل له دواء -إلا السام- يعني الموت». وفيه كذلك أيضا فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وحرصهم على الخير، والأسباب التي توصلهم إلى الجنة. فهذه المرأة لما علمت أن الصبر على هذا البلاء الذي ابتليت به سبب لدخول الجنة قدمته على العافية وذهاب هذا المرض. وهذا، كما سمعنا، حرص شديد على الخير. وكذلك ينبغي أن يكون المسلم عنده حرص ومحبة ورغبة في الخير وأسباب الخير التي توصله إلى رضوان الله سبحانه وتعالى. وفيه كذلك أيضا جواز تعيين المعين أنه من أهل الجنة، بما دل عليه الدليل. فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له الله أو الرسول عليه الصلاة والسلام. وأما من لم يأت الدليل بأنه بعينه فلا يشهد لأحد بعينه بذلك إلا من ثبت به النص. أما الشهادة العامة فيشهد للمؤمن بالجنة وللكافر بالنار، والعاصي والفاسق تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى: إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. فلما كانت هذه المرأة ممن شهد لها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها في الجنة شهد لها بذلك عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة». قال: وحدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا مخلد وابن يزيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر تلك المرأة طويلة سوداء على سلم الكعبة. قال: وأخبرني عبد الله بن أبي مليكة أن القاسم أخبره أن عائشة أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ما أصاب المؤمن من شوكة فما فوقها فهو كفارة». والحديث في مسلم. والقطعة الأولى منه هو قول عطاء: أنه رأى أم زفر طويلة سوداء على سلم الكعبة، هذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: «على ستر الكعبة». وكذلك أيضا حديث عائشة: «ما أصاب المؤمن من شوكة فما فوقها فهو كفارة»، أخرجه مسلم، لكن من غير طريق القاسم، كما نبه على ذلك الحافظ العراقي رحمه الله. وقول عطاء هذا: أنه رأى أم زفر طويلة سوداء على سلم الكعبة، ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله بعض الروايات التي خارج الصحيح تبين معنى هذا الكلام -أي كلام عطاء- فذكر الحافظ أنه جاء في الاستيعاب لابن عبد البر أن طاووسا ذكر أنه كان يؤتى للنبي عليه الصلاة والسلام بالمجانين، فكان يضع يده على صدر أحدهم فيبرأ، وأوتي له بمجنونة -أو بمجنونة- يقال لها أم زفر، فوضع -أو ورب- صدرها فلم تبرأ. وذكر كذلك أيضا أنه جاء عند البزار بنحو هذه القصة من حديث ابن عباس، وفيها أنها كانت تقول: «إني أخاف الخبيث أن يجردني»، فدعا لها النبي عليه الصلاة والسلام، فكانت إذا خافت أن تتكشف تعلقت بأستار الكعبة. ثم ذكر الحافظ رحمه الله أنه تبين من هذه الروايات أن اسمها سعيرة، وهي ماشطة خديجة التي كانت تتعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بالزيارة. وكذلك أيضا قال: تبين أن الصرع الذي في أم زفر هو من صرع الجن، وبهذا دليل من أدلة كثيرة على تلبس الجني بالإنسي. وقد دل على ذلك الأدلة الشرعية، وكذلك أيضا الواقع، والعقل لا يمنع ذلك. كما في هذا الحديث، فهذه المرأة كان يصرعها الجني حتى تصرع وربما تكشفت، فدعت النبي عليه الصلاة والسلام أن يعافيها، فلما أخبرها أنها إن صبرت لها الجنة فصبرت وقدمت ذلك على طلب العافية، ثم سألت النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله لها أن لا تتكشف. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾، استدل العلماء بهذه الآية على تلبس الجني بالإنسي، وأن الجن تستطيع أن تدخل في الإنس وتتلبس بهم. وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة وبعض العقلانيين الذين أنكروا ذلك، وقالوا: إن الجني لا يتلبس بالإنسي، وأن ذلك ليس بصحيح. وهذا باطل، شيء ينكره الشرع وينكره كذلك الواقع. كم ترى من ناس يتلبس بهم الجني، فتجده يتكلم بغير كلامه، وبصوت غير صوته، أو بلهجة غير لهجته، رغم ما تجد مصروعا يتكلم انجليزي وهو عربي ما يعرف الانجليزية أبدا، أو يتكلم لغة الهندية وهو ما يعرف هذه اللغة أبدا. وهذا هو كلام هذا الجني المتلبس به. وهكذا أفعال يفعلها، فإذا أفاق لا يعلم منها شيئا. أشياء كثيرة تصدر من المتلبس لا يعقلها ولا يعلمها ولا يشعر بها، مما يدل على تلبس هذا الجني به. وفيه كذلك أيضا فضل الصبر على البلاء، وأنه مكفر للذنوب، حتى الشوكة يشاكها أدنى شيء ربما ما يتألم به الإنسان، الشوكة اليسيرة التي تقع في قدمه أو في أصبعه تكون سببا في تكفير ذنوبه وخطاياه، وذلك إذا صبر واحتسب. والله تعالى أعلم.