التعليقات على كتاب الأدب المفرد 159

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 159، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح الأحاديث النبوية ودلالاتها

يبدأ المقطع بشرح حديثين نبويين حول نزول المطر وإطعام الضيوف، موضحًا دلالاتهما على علو الله تعالى وكرم الصحابة.

فضل الغنم والصبر على الفقر

يتحدث هذا الجزء عن فضل الغنم كما جاء في أثر عن أبي هريرة، ويبرز صبر الصحابة على قلة ذات اليد وفرحهم بنعمة الله.

أهمية تربية الغنم والاعتدال في نعم الله

يُشدد على أهمية تربية الغنم وفضلها كما ورد في الأحاديث النبوية، مع الحث على الاعتدال في نعم الله وعدم التسخط منها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فوقفنا في الأدب المفرد عند حديث أنس رضي الله تعالى عنه، أنه قال: أصابنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مطر، فحسر النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه عنه حتى أصابه المطر، فقلنا: لم فعلت؟ قال: «لأنه حديث عهد بربه». والحديث كما ترى، هو من صحيح الإمام مسلم. قلنا: فيه استحباب أن يكشف الإنسان شيئًا من ثوبه إذا نزل المطر حتى يصيبه المطر، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك أيضًا سؤال التلميذ شيخه إذا رأى منه شيئًا لا يعلم السبب الذي من أجله فعله، فإنه يسأله، فقلنا: لم فعلت؟ وكذا يظن فيه دليل من مئات الأدلة التي تثبت علو الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل في السماء مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وذلك بقوله: «لأنه حديث عهد بربه» يعني المطر، والمطر ينزل من السماء إلى الأرض، وهو دليل من أدلة كثيرة الصريحة بعلو الله سبحانه وتعالى. قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا مالك عن محمد بن عمر بن حلحلة، عن حميد بن مالك بن خثيم، أنه قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة بأرضه بالعقيق -والعقيق هو وادٍ من أودية المدينة، وذكر العلماء ثلاثة أودية للمدينة: وادي العقيق، وبطحان، وقناة، وهناك غيرها من الأودية مما يسمى بالعقيق، ذكر منها جملة الحموي في معجم البلدان- والمراد بالعقيق هنا هو الوادي المبارك الذي في بطني وادي الحليفة. قال: فأتاه قوم من أهل المدينة على دواب فنزلوا، قال حميد: فقال أبو هريرة: اذهب إلى أمي وقل لها: إن ابنك يقرئك السلام ويقول: أطعمنا شيئًا. قال: فوضعت ثلاثة أقراص من شعير وشيئًا من زيت وملح في صحفة، فوضعتها على رأسي فحملتها إليهم، فلما وضعته بين أيديهم كبر أبو هريرة وقال: الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودان: التمر والماء. فلم يصب القوم من الطعام شيئًا، فلما انصرفوا قال: يا ابن أخي، أحسن إلى غنمك، وامسح الرغام عنها -والرغام هو ما يسيل من أنفها: المخاط- وجاء في رواية الطبراني: «أحسن إلى غنمك، وقل رغامها» قال: المخاط. قال: «وأطم مراحها -يعني ما واءت بالليل- وصل في ناحيتها، فإنها من دواب الجنة». والذى نفسى بيده، ليوشك أن يأتى على الناس زمان تكون الثلة من الغنم -يعنى الجماعة من الغنم- أحب إلى صاحبها من دار مروان -أى مروان بن الحكم- وكان أميرًا على المدينة. وهذا الأثر صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة، وأشار إلى أن جملة: «امسح الرغام عنها، وأطم مراحها، وصل في ناحيتها، فإنها من دواب الجنة» قد وردت مرفوعة -يعني من قول النبي عليه الصلاة والسلام- رواه عدى والبيهقي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا في مراح الغنم، وامسحوا رغامها، فإنها من دواب الجنة». وبقية الحديث موقوف. والشاهد من هذا الحديث والأثر هو قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: يا ابن أخي، أحسن إلى غنمك، وامسح الرغام عنها، وأطم مراحها، وصل في ناحيتها، فإنها من دواب الجنة. فأراد رحمه الله أن يستدل بما ذكره أبو هريرة رضي الله تعالى عنه هنا من فضل الغنم، وأمره بالإحسان إليها، ومسح الرغام عنها، وكذلك إطعام مراحها -يعني مأواها في الليل، مسكنها- وإخباره بأنها من دواب الجنة. وهذا كما علمنا أنه مرفوع من قول النبي عليه الصلاة والسلام. ومعنى أنها من دواب الجنة لها معانٍ كما ذكره المناوي رحمه الله في فيض القدير، فيحتمل أنها من دواب الجنة، أي أن هذه الغنم تسكن الجنة -يعني تدخلها بعد الحشر- تدخل الجنة بعد الحشر فتكون من دوابها، ويحتمل أنها من دواب الجنة، أي نزلت من الجنة، ويحتمل كذلك أنه يوجد في الجنة مثلها، يوجد في الجنة مثلها. وجميع هذه المعاني محتملة، وهو يدل على فضل الغنم، يدل على فضل الغنم. وفي هذا الأثر كما سمعنا بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من صبرهم على الفقر وقلة ذات اليد. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: لما وضع أقراص الشعير بين يديه كبر رضي الله تعالى عنه، وقال: الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودان: التمر والماء -يعني كان غالب طعامهم رضي الله تعالى عنهم التمر والماء- وأطلق عليهما الأسودان من باب التغليب، كالقمران للشمس والقمر. وهذا يدل أن أكثر ما كانوا يأكلون ويقتاتون التمر والماء، وهذا يدل على فقرهم وشدة حاجتهم رضي الله تعالى عنهم، ومع ذلك صبروا واحتسبوا الأجر والثواب حتى فتح الله سبحانه وتعالى عليهم. وكان مما أنعم عليهم من بعض الأطعمة خبز الشعير، خبز الشعير، وفرحوا بذلك فرحًا عظيمًا، وعلموا قدر هذه النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليهم. ومن نظر إلى أحوال الناس اليوم يرى أن الله عز وجل قد فتح عليهم أعظم وأكثر ممن كان قبلهم من أمتعة الدنيا وأصناف الأطعمة وأنواع المأكولات والمشروبات، ومع ذلك تجد من الناس من يتسخط نعمة الله عز وجل ولا يشكر نعمة الله عز وجل، ويرى أنه في فقر وفي حاجة وفي كذلك أيضًا حرمان لشيء من النعم. وانظروا من اليوم من يأكل خبز الشعير، لا تجد اليوم من يأكل خبز الشعير، بل ربما ما أحد يشتري الشعير، وفي بعض البلاد ربما يعطون الشعير للدواب، يعطون الشعير للدواب. وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه هنا أتوا له بأقراص من خبز الشعير، وكفرح بذلك وكبر رضي الله تعالى عنه. ثم ذكر ما كانوا عليه من قبل من أكلهم للتمر وشربهم للماء، فالواجب على المسلم أن يحمد الله عز وجل على ما أنعم عليه به من النعم، وأن لا يتسخط نعم الله عز وجل، وينظر إلى من هو دونه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو دونه، فذلك أجدر أن لا يزدري نعمة الله عليه». إذا نظرت إلى من فضل عليك بشيء من متاع الدنيا من مال وغيره، أنظر إلى من هو دونك، أنظر إلى من هو أسفل منك، ما هو طعامه وما هو شرابه، حتى تعرف قدر نعمة الله سبحانه وتعالى عليك، ولا تنظر إلى من هو فوقك فتزدري نعمة الله وتسخط نعمة الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا فيه كذلك أيضًا كما سمعنا فضل الغنم، وأنها من أفضل الدواب التي ينبغي على المسلم أن يحرص في تربيتها لما فيها من البركة وكثرة الأجر والخير. وقوله رضي الله تعالى عنه: «والذي نفسي بيده، ليوشك أن يأتي على الناس زمان تكون الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان» يعني أن تكون الجماعة من الغنم أحب إلى صاحبه من أن يملك القصور ويملك الدور العظيمة بسبب كثرة الفتن، فيحب أن يكون في شعب من الشعاب يرعى غنمًا ويفر بدينه من الفتن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». وهذا عند انتشار الفتن وكثرتها، حتى يخشى المرء على نفسه، فيكون خيرًا له أن يعتزل الناس ويبتعد. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا إسماعيل الأزرق، عن أبي عمر، عن ابن الحنفية، ومحمد عن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشاة في البيت بركة، والشاتان بركتان، والثلاث بركات». والحديث ضعيف، وقد ضعفه شيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة، وعلته إسماعيل الأزرق، فهو ضعيف، ضعفه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، بل قيل فيه: متروك. لكن يغني عنه ما ثبت وصح من إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن الغنم بركة. ومن ذلك ما رواه ابن ماجة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأمها: «اتخذي الغنم، فإنها بركة». اتخذي الغنم، فإن فيها بركة. والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام ببركة الغنم. ومثل ذلك أيضًا جاء عند ابن ماجة من حديث عروة البارقي، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». والشاهد إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن الغنم بركة، وأن اتخاذها بركة. وبركة الغنم بكثرة منافعها من الانتفاع بلحمها ولبنها، وهكذا أيضًا بإهدائها وببيعها، وكذلك بكثرة نتاجها، فالغنم تنتج في السنة مرتين، والواحدة ربما تأتي باثنين أو ثلاث. وهكذا أيضًا تجد مع كثرة استعمال الغنم إلا أنها كثيرة، وهذا من بركة الغنم كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.