الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر هذا المحور أن أهل السنة يثبتون علو الله الذاتي والقدري والقهري بالأدلة النقلية والعقلية والفطرية. وينتقد الجهمية ومنكري علو الذات لتناقضهم في التسبيح مع اعتقاد الحلول مستدلين بآيات الاستواء والرفع.
يستعرض هذا المحور أدلة علو الله على خلقه من القرآن كنزول الوحي والحديد، ومن السنة كمعارج النبي وأحاديثه وأفعاله الدالة على العلو. ويؤكد أن الله تعالى فوق جميع مخلوقاته محيط بها لا يحاط به شيء.
يوضح هذا المحور أن الفطرة السليمة تشهد بعلو الله تعالى بتوجه الداعي نحو السماء، مستشهداً بقصة الهمداني مع الجويني. ويستعرض أدلة الكتاب والسنة والإجماع على الاستواء مبيناً معناه لغة وشرعاً وأن العرش أول المخلوقات.
يعلن المتحدث في هذا المحور ختام الجلسة الحالية مع الوعد بمواصلة الدروس في وقت لاحق. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله، وحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ونؤمن بأن الله عز وجل علي على خلقه بذاته وصفاته»، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. قالوا: «نؤمن بأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر، واستواءه على العرش علوه عليه بذاته علوا خاصا يليق بجلاله وعظمته، لا يعلم كيفيته إلا هو». هذا الموضع ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيه علو الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا علي بذاته وصفاته، فله علو الذات وله علو الصفات. وهكذا جل وعلا له العلو العام وله العلو الخاص، فالعلو العام على جميع المخلوقات، والعلو الخاص استواءه جل وعلا على العرش. وأهل السنة والجماعة يثبتون العلو لله جل وعلا بأنواعه: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر، بخلاف أهل البدع لا يثبتون علو الذات، يعني أن الله جل وعلا بذاته في العلو في السماء في العلو، وإنما يثبتون علو القدر وعلو القهر وهو العلو المعنوي. وهكذا يثبت علو الذات من أهل البدع ممن لم يضل في هذا الباب، حتى لا يعلم أحد أو يقول أحد إن أهل البدع من أثبتوا علو الذات، نعم، فيكون الكلام على أهل البدع الذين ضلوا في هذا الباب، أما أهل البدع الذين لم يضلوا في هذا الباب فكذلك أثبتوا علو الذات. والعلو ثابت لله جل وعلا بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، كل هذا يدل على علو الله جل وعلا علو الذات. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، أو نحن نقول: «سبحان ربي الأعلى» في سجودنا، والله جل وعلا يقول: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فنحن نقول في سجودنا: «سبحان ربي الأعلى». هذا فيه بيان أن الله جل وعلا في العلو، فيلزم كل من يقول: «سبحان ربي الأعلى» أن يقول: إن الله جل وعلا في العلو، وإلا فهو يتناقض مع نفسه. إذا كان يقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى»، وهو يعتقد أن الله في كل مكان، هذا متناقض، هذا يتناقض مع نفسه، كلامه في وادٍ واعتقاده في وادٍ آخر. الكلام أن الله في العلو: «سبحان ربي الأعلى»، والاعتقاد أن الله في كل مكان، هذا تناقض، اعتقاد يخالف القول، يقول قولا يخالف اعتقاده. ولذلك ذكر عن ابن أبي داوود - وهم من ضل في هذا الباب - كان يقول: «سبحان ربي الأسفل». قيل له: لماذا تقول: «سبحان ربي الأسفل»؟ «سبحان ربي الأعلى»؟ قال: يقول: «سبحان ربي الأعلى»، هذا يكون لازما علي أن أثبت أن الله جل في العلو، وأنا لا أثبت ذلك، أنا لا أثبت أن الله جل وعلا في العلو. فإذا قلت: «سبحان ربي الأعلى» في السجود، معناه أنني أقر وأعتقد أن الله جل وعلا في العلو، وأنا لا أقول بذلك. ما المخرج إذن؟ يقول: «سبحان ربي الأسفل». نعم. ولذلك الجهمية الذين يعطلون الله جل وعلا نصفة الكلام، يقولون: «وكلم الله موسى تكليما»، «كلم الله موسى» أن يتكلم موسى. لماذا لا يقول: «وكلم الله وكلم الله»؟ لأنه إذا قالوا: «وكلم الله موسى» يعني أن الله يتكلم، هم ليست نصفة الكلام، ولذلك يحرفون، ينقضون لفظ الجلالة، فيجعلون لفظ الجلالة مفعولا، والله جل وعلا مفعولا، أي أنه المتكلم وليس هو المتكلم. وهكذا يقول الله جل وعلا: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، ورافعك إلي، والرفع يكون من أسفل إلى أعلى، هذا الرفع في لغة العرب الرفع يكون من أسفل إلى أعلى. فالله جل وعلا توفى موسى - والوفاة هنا بمعنى ليس بمعنى الموت على الصحيح، وإنما هي الوفاة بمعنى النوم أو غير ذلك، ما جاء في تفسير الوفاة، وليست هي الموت - نعم. فالله جل وعلا توفى عيسى ورفعه إليه، رفعه إليه إلى العلو إلى السماء، رفع الله جل وعلا عيسى إلى السماء، بل رفعه الله إليه، نعم، بل رفعه الله إليه، رفعه الله إليه، رفعه من الأرض إلى العلو إلى السماء، وهذا يدل على علو الله جل وعلا. نعم. وهكذا كذلك: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، الصعود كذلك يكون من أسفل إلى أعلى. هذا موسى عليه الصلاة والسلام يدعو فرعون إلى العقيدة الصحيحة في الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا في السماء يعني في العلو. فأراد فرعون أن يتأكد، أن يتأكد من هذا الذي دعاه إليه موسى عليه الصلاة والسلام، فماذا قال؟ قال الله عز وجل على لسانه: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾. الآن بعدما تلقى فرعون من موسى الدعوة، ومنها الدعوة إلى العقيدة وأن الله جل وعلا في السماء، فرعون يريد أن يتأكد: هل صحيح الله جل وعلا في العلو في السماء؟ يقول هذا لهامان: «يا هامان ابني صرحا»، الصرح هو ما يصعد عليه، السلم الذي يصعد عليه، «ابني صرحا لعل أبلغ الأسباب أسباب السماوات»، لماذا؟ «فأطلع إلى إله موسى وإني لا أظنه كاذبا»، يعني فيما يقول: إن الله جل وعلا في السماء. هات، ابني الصرح، سأتأكد وأريد أن أرى إله موسى كما يزعم. ليس كما يقول أهل الضلال: أنتم على عقيدة فرعون، تقولون إن الله جل وعلا في السماء، وهذه إنما هي عقيدة فرعونية، ها هذه عقيدة فرعون. نقول: سبحان الله، ومن أتى فرعون بهذه العقيدة؟ من أين لفرعون هذه العقيدة؟ يقولون: عقيدة فرعون، لأن فرعون هو الذي يقول إن الله في السماء ويريد أن يصعد إلى العلو لينظر رب العالمين، وأنتم على هذا الاعتقاد، اعتقاد فرعون. نقول: ومن الذي جاء فرعون؟ من الملائكة أوحى إليه بهذه العقيدة؟ أين أتى فرعون بهذه العقيدة؟ أتى بها عند موسى عليه الصلاة والسلام، موسى هو الذي قال له هذه العقيدة، ويريد أن يكذب موسى بهذه العقيدة وأنه ما في إله. نعم، لكن الضلال والجهل هو الذي يجعل الإنسان لا يتدبر حقيقة القرآن ويفهم الكلام، فيظن أن قول الله في السماء هي عقيدة فرعون. لا، هذه عقيدة موسى عليه الصلاة والسلام، وعقيدة الأنبياء، وعقيدة الملائكة، وعقيدة كل الصالحين. فالله جل وعلا في السماء يعني في العلو، والأدلة كثيرة على ذلك. وللإمام الذهبي رحمه الله كتاب عظيم في هذا الباب، اسمه «العلو للعلي الغفار»، تتبعت فيه أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، تدل على علو الله جل وعلا بذاته، وأنه كذلك جل وعلا استوى على العرش، سبحانه وتعالى، استواء يليق بجلاله جل وعلا. وهكذا كذلك أدلة من السنة كثيرة، النصوص التي جاءت في كتاب الله في التنزيل، كل النصوص التي جاءت في التنزيل: إنزال القرآن، إنزال الحديد، كلها دالة على علو الله جل وعلا، لأن التنزيل يكون من العلو إلى السفل، من أعلى إلى أسفل، وهذه الأمور منزلة من عند الله جل وعلا، فذلك يدل على علو الله جل وعلا. ولما عرج بالنبي عليه الصلاة والسلام، نعم، عرج به إلى السماء إلى العلو، نعم، فالنبي عليه الصلاة والسلام انتقل من سماء إلى سماء، إلى أن وصل في مكان سمع فيه صريف الأقلام، وسدرة المنتهى، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. نعم، فالنبي عليه الصلاة والسلام عرج به إلى العلو إلى السماء، ووصف كذلك حجاب الرب جل وعلا، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام الحجاب، نعم، ووصف الحجاب، قال: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره من خلقه». فكل هذا يدلنا على علو الله سبحانه وتعالى. وأثبت النبي عليه الصلاة والسلام علو الذات لله جل وعلا قولا وفعلا وتقريرا، قولا وفعلا وتقريرا، كل ذلك أثبته النبي عليه الصلاة والسلام لله جل وعلا، ولعلو الله سبحانه وتعالى. فأما قولا، فأحاديث كثيرة، منها قوله عليه الصلاة والسلام: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء»، وأنا أمين من في السماء، هذا قول منه عليه الصلاة والسلام يخبر فيه أن الله سبحانه وتعالى في السماء بمعنى في العلو. وهكذا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام بين ذلك فعلا، يعني بفعله، ففي خطبة حجة الوداع، تلك الخطبة العظيمة في ذلك الجمع العظيم، الذي هو أعظم جمع اجتمع فيه الصحابة، أعظم أعظم جمع اجتمع فيه الصحابة هو ذلك الاجتماع العظيم الذي كان في حجة الوداع. فالنبي عليه الصلاة والسلام خطب في ذلك الجمع العظيم، كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام لهم: «إنكم ستسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم اشهد، اللهم اشهد»، يرفع سبابته إلى السماء، ثم ينكتها عليهم. وهذه دلالة على علو الله جل وعلا بالفعل، بفعله عليه الصلاة والسلام، حيث يشير إلى السماء: «اللهم اشهد، اللهم اشهد». هكذا كان نبيه عليه الصلاة والسلام، هذا يدل على أن الله جل وعلا في السماء في العلو. لا يحاط به شيء من مخلوقاته، بل هو فوق مخلوقاته كلها. بعض الناس يقولون: إن الله جل وعلا في العلو في السماء تحاط به السماوات، يقال: لا يحاط بالله جل وعلا شيء، بل هو جل وعلا فوق كل مخلوقاته، محيط بكل مخلوقاته، ولا يحاط به شيء جل وعلا من مخلوقاته، بل هو جل وعلا فوق كل مخلوقاته، فلا يحاط بجهة، ولا يحاط بشيء من مخلوقاته، لأنه جل وعلا فوق كل مخلوقاته كلها، لأنه جل وعلا محيط بكل خلقه، ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، ومعنى الظاهر: الذي ليس فوقه شيء، كما فسره النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر الذي ليس فوقك شيء، وأنت الباطن الذي ليس دونك شيء». هكذا فسر النبي عليه الصلاة والسلام الظاهر، وهو اسمه من أسماء الله جل وعلا. نعم. فإذا الله سبحانه وتعالى فوق مخلوقاته جميعا، والنبي عليه الصلاة والسلام كذلك كان يرفع يديه إلى السماء في حال دعائه، وهذه إشارة بفعله عليه الصلاة والسلام، كان يرفع يديه عليه الصلاة والسلام، نعم، في الاستسقاء كان يرفع يديه عليه الصلاة والسلام ويدعو. ولما دخل عليه الأعرابي يوم الجمعة كما جاء في حديث أنس الصحيح، وكان يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وهلكت العيال، وهلك الزرع، ويدعو الله أن يسقينا، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». فهذا الرفع من النبي عليه الصلاة والسلام في دلالة على أن الله جل وعلا في العلو. والنبي عليه الصلاة والسلام يقرر هذا بفعله عليه الصلاة والسلام، حيث يرفع يديه عليه الصلاة والسلام. نعم. وهكذا أثبت النبي عليه الصلاة والسلام علو الذات لله جل وعلا بإقراره، ففي حديث معاوية بن الحكم السلمي في إمام مسلم، حين سأل النبي عليه الصلاة والسلام الجارية: «أين الله؟» ولفظ «أين» يسأل به عن المكان، لفظ «أين» يسأل به عن المكان، فسؤال النبي عليه الصلاة والسلام: أين مكان الله؟ أين يكون؟ فقالت: في السماء. قال لها: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاوية بن الحكم السلمي: «أعتقها، فإنها مؤمنة، فإنها مؤمنة». فأقر النبي عليه الصلاة والسلام الجارية على قولها: الله في السماء، يعني بمعنى في العلو. وهكذا كذلك الفطرة دالة على علو الله سبحانه وتعالى، فكل إنسان يشعر حين يريد أن يدعو الله عز وجل، أو حصلت له شدة، وفزع إلى الله جل وعلا، يجد في نفسه تطلعا إلى العلو، إذا رجع إلى الله سبحانه وتعالى وتضرع، فإنه يفزع إلى الله جل وعلا، فيشعر بتطلع في نفسه إلى جهة العلو. هذا إحساس فطري، وشيء موجود في فطرة الإنسان، في فطرة الإنسان، إنسان مفطور على هذا. ولذلك الهمداني، عبد الجبار الهمداني، حين سمع إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى، وكان لا يقرر هذا، علو الذات لله سبحانه وتعالى، فكان يخطب في الناس ويقرر غير هذه العقيدة، كان يذكر نصوصا وغير ذلك، فقال له الهمداني: «دعنا من هذا، دعنا من كلامك هذا، أريدك أن تفسر لي الشعور الذي ينتاب الشخص ويشعر به الشخص حال الدعاء، حين يريد الإنسان أن يدعو الله سبحانه وتعالى، يجد في نفسه تطلعا إلى العلو، نريد فسر لهذا الشعور الموجود، شعور التطلع إلى العلو، بماذا تفسره حال الدعاء؟» هذا الشيء لا يستطيع الإنسان ينكره، إذا أراد أن يدعو فعنده شعور بالتطلع إلى جهة العلو في حال دعائه، ماذا تفسر هذا؟ فما استطاع أن يجيب، الجويني رحمه الله، بل قال: «حيرني الهمداني، حيرني الهمداني، حيرني الهمداني، حيرني الهمداني»، وخرج، ما استطاع أن يجيب. هذا الشيء ما يستطيع أحد أن ينكره، نعم، شعور عند كل شخص فطرته سليمة، نعم، لم تلوث. تشير موجود، بل حتى ذكروا أن هذه الفطرة حتى عند الحيوانات، حتى الحيوانات عندها هذه الفطرة، وأن الله جل وعلا في العلو، يذكرون في هذا أثر سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام، وأنه أراد أن يستسقي، خرج للاستسقاء، قالوا: وجد نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، نعم، مستلقية على ظهرها ورافعة قوائمها إلى السماء، أي تدعو، فقال لهم: «ارجعوا فقد سقيتم بغيركم، فقد سقيتم بغيركم». معنى هذا أن دلالة الفطرة على علو الله جل وعلا دلالة واضحة، لا ينكرها إلا من انتكست فطرته وتلوثت، نعم، وإلا حتى الطفل الصغير، الطفل الصغير على فطرة سليمة، نعم، ربما يشير إلى العلو إذا ذكرت له الله عز وجل، ربما ينظر بعينيه أو يفعل إشارة، وما ذلك إلا للفطرة السليمة التي عند هذا الشخص. حتى الذي يقول اليوم: إن الله عز وجل في كل مكان، أفعاله تناقض أقواله، إذا جان يدعو رفع يده، أول ما يدخل المسجد في الضحى، كما عند بعض الناس هذا من البدع، يرفع يديه، يرفع، طيب، تدعو الله عز وجل، معناه هذا فعلك يدل على أن الله في العلو، ليش بعد ذلك تقول: الله ما هو في العلو، الله في كل مكان، إلى آخر ذلك؟ ما عليك من هؤلاء الضالين، أنت على فطرة سليمة، وعلى عقيدة سليمة، تلوذ بها، بقول هؤلاء تسمع كلام هؤلاء وتترك آلاف الأدلة؟ الكتاب والسنة: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾، إلى آخر الأدلة في هذا. الشاهد من هذا أن علو الله جل وعلا، علو الذات، ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والفطرة. وهكذا جل وعلا استوى على العرش، وهذا هو العلو الخاص، واستوى بمعنى: علا وارتفع، أو بمعنى: قصد واستقر، هذه معاني الاستواء في لغة العرب: ارتفع، علا، قصد، استقر، بحسب تعديات لفظ الاستواء. فإذا عدي بـ «على» أفاد معنى العلو والارتفاع، أفاد معنى العلو والارتفاع، وهكذا إذا عدي بـ «إلى» أفاد معنى الصعود والاستقرار: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾، ﴿اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾، استوى على العرش بمعنى: علا على العرش وارتفع على العرش، ﴿اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد إلى السماء. فهذه معاني الاستواء: إما بمعنى العلو والارتفاع، أو الاستقرار والقصد. استوى يليق بذاته جل وعلا وجلاله. الاستواء معلوم، كما قال إمام مالك رحمه الله: «الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». استوى على العرش، والعرش أكبر مخلوقات الله وأعظم مخلوقات الله، والعرش في اللغة: سرير الملك، والمراد في الشرع: العرش الذي استوى عليه ربنا عز وجل، استواء يليق بجلاله. والعرش هو أول مخلوقات الله عز وجل، أول مخلوق هو العرش، على الصحيح من أقوال أهل العلم، والقول الثاني: أن القلم هو أول مخلوقات الله. لكن الصحيح الذي قرره ابن القيم رحمه الله، ودلت عليه الأدلة، أن العرش هو أول مخلوقات الله جل وعلا، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، وفي حديث وفد اليمن الصحيح، حديث عمران بن حسين، لما قدم وفد اليمن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: جئنا نسألك عن أول هذا الأمر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كان الله ولم يكن قبله شيء، وكان عرشه على الماء،رشه على الماء»، وكان عرشه على الماء. وأما ما جاء في حديث القلم: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب»، فمعنى «أول ما خلق» أي: حين خلقه، هذه الأولية ليست مطلقة، وإنما: أول ما خلقه الله عز وجل أي: حين خلقه أمره أن يكتب. هذا هو الصواب في هذا. العرش مخلوق قبل القلم، والماء كذلك، والماء كذلك مخلوق قبل القلم، كان عرشه على الماء، العرش مخلوق، والماء مخلوق، وخلق العرش والماء متقدم على خلق القلم. ولذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «والناس مختلفون في القلم الذي كتب القضاء به من الديان، هل كان قبل العرش أم هو بعده؟ قولان عند أبي العلاء الهمداني، والحق أن العرش قبل، لأنه قبل الكتابة كان داء أركان، وكتابة القلم الشريف تعقبت إيجاده من غير فصل زمان، لما برأه الله قال: اكتب كذا، فغدا بأمر الله داء جريان». ونواصل إن شاء الله في درس لاحق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.