التعليق على شرح الأصول الستة  2

التعليق على شرح الأصول الستة 2

الدرس في التعليق على شرح الأصول الستة 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قليل من يعمل بالقرآن وتدبر آياته

يشير الشيخ إلى أن معظم المسلمين يقرؤون القرآن للتبرك أو التلذذ بالصوت دون تدبر ولا عمل، مما يجعل أعمالهم تخالف ما يقرؤونه من توحيد وتحريم للربا والنظر المحرم والغيبة. ويحذر من أن عدم التغيير والعمل بالقرآن يؤدي إلى تردي الحال، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾.

واجب تغيير المنكر وصبر الدعاة على الأذى اقتداءً بالأنبياء

يؤكد المقطع على وجوب سعي المسلم لتغيير ما به من شرك أو بدع أو معاصٍ بمجرد علمه بالحق، مستشهداً بتجربة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي صبر على التكفير والتبديع والافتراء فنصره الله. ويبين أن الأذى في سبيل الدعوة سنة الأنبياء، وأن الصبر عليه يورث الأجر العظيم والقبول، داعياً الدعاة إلى عدم الخوف من اتهامات الناس والاحتساب عند الله.

التعامل مع الأذى بالكلام الباطل وأولوية تدبر القرآن والعمل به

يبيّن المقطع أن الأذى بالقول الباطل يرجع على قائله ويزيد الداعي أجراً، وأن المقصود الأعظم من تلاوة القرآن هو تدبر معانيه والعمل به لا مجرد الإتقان اللفظي. كما يوجّه إلى أن النصيحة تكون بالعموم بقصد الإصلاح لا التشهير.

الأمراض الاجتماعية ووجوب النصيحة فيها

يستعرض المقطع أبرز الأمراض المنتشرة في المجتمع كالربا والزنا والسرقة والمخدرات، ويؤكد أن النصح في هذه الأمور واجب شرعي يدخل في باب النصيحة لله ولعباده. ويشير إلى أن معالجة هذه الظواهر تتطلب وعياً جماعياً والتزاماً بتطبيق أحكام الشرع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: فقد أخذنا في الدرس الماضي بعض ما ذكره الشارح شيخ الفوزان عند قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في هذه الرسالة قيمة "الأصول الستة"، عند قوله: "من أعجب العجاب وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب: ستة أصول بينها الله تعالى بياناً واضحاً للعوام فوق ما يظن الظنون، ثم بعد ذلك غلط فيها كثير من أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل". قرأنا شيئاً مما ذكره الشارح حفظه الله حول هذه المقدمة، ثم قال الشيخ الفوزان حفظه الله: "قل من الناس من يقرأ القرآن لهذا الغرض"، وما هو هذا الغرض؟ التدبر والتفهم والعمل بما في هذا القرآن. قل من الناس من يقرأ القرآن لهذا الغرض، إنما يقرؤون للتبرك به، أو التلذذ بصوت القارئ والترنم به، أو لقراءته على المرضى للعلاج. قال: "أما أن يقرأ للعمل به والتدبر، والصدور عما فيه وعرض ما عليه الناس على هذا القرآن، فهذا لا يوجد إلا في قليل من الناس". وهذا هو الواقع. انظر الآن: كم من المسلمين يقرؤون القرآن، سواء كان في صلاتهم أو في غير ذلك من الأيام الفاضلة كشهر رمضان وغيرها من الأيام، يقرؤون القرآن، ربما يعقدون الحلق والمجالس في قراءة القرآن. وإذا نظرت إلى أعمالهم وجدت أن القرآن في جهة وأعمالهم في جهة أخرى. في جهة أخرى ربما يقرأ القارئ منهم: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾، فإذا به يخرج من المسجد ويستغيث بقبر من القبور أو بضريح من الأضرحة. فهل هذا فهم القرآن وعمل بما في القرآن؟ لا، لم يكن كذلك. وهكذا كم منهم يقرأ، وربما يخرج من المسجد فإذا به يودع أمواله في البنوك الربوية ويأخذ على ذلك الفوائد، وهو يقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾، فهو يقرأ آيات الربا وإذا به يقع في الربا. يقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾، فإذا به ينظر إلى النساء وإلى ما يثير شهوته من النظر، أيضاً إلى المردان وإلى غير ذلك. فهذا أيضاً لم يعمل بالقرآن. وكم من الناس يقرأ قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾، فإذا به يخرج بعد قراءته للقرآن ويغتاب المسلمين ويغتاب المسلمين. وهذا من هذا الباب: عدم العمل بالقرآن. فليس القرآن الغرض منه التلاوة فحسب، أو التبرك بقراءته فحسب، أو كذلك التلذذ بصوت القارئ الذي أعطي صوتاً حسناً. ليس الغرض ذلك، وإنما الغرض الأسمى والهدف الأعلى أن يعمل القارئ المسلم بما في القرآن. فصدق المؤلف حفظه الله - أو الشارع حفظه الله تعالى - فإن الناس الذين يعملون بالقرآن هم قليل، هم قليل، خصوصاً في جانب التوحيد والعقيدة. في جانب التوحيد والعقيدة: الله عز وجل في القرآن نهى عن دعاء غيره، ونهى عن الاستغاثة بغيره، ونهى عن كذلك الذبح لغيره، وتجد كثيراً ربما ممن يقرأ القرآن يقع في هذه الأعمال التي هي من الشرك بالله سبحانه وتعالى. قال: "فهذا لا يوجد إلا في قليل من الناس". لا نقول إنه معدوم، لكنه في أقل القليل. وهذا هو الإنصاف، فإنه ما من زمن من الأزمان إلا وفيه هذه الطائفة المنصورة والفرقة الناجية التي تتمسك بالقرآن وتعمل بالقرآن، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فالقليل من الناس من يقرأ القرآن ويعمل به ويعمل به. وهذا مصداق قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾. قال: "ولذلك تجد القرآن في وادٍ وأعمال بعض الناس في وادٍ آخر، لا يفكرون في التغيير أبداً. ولو حاول مجدد أو داعٍ إلى الله أن يغير ما هم عنه لقاموا في وجهه واتهموه بالضلال، واتهموه بالخروج على الدين، وأنه أتى بدينٍ جديدٍ، وأنه... وأنه، يعني من ألقاب السوء ومن الاتهامات الباطلة". فهذا هو الواقع: لا يفكر كثير من الناس في التغيير، يرضى أن يكون على حاله، أن يكون على حاله الذي هو عليه. تأتي وتنصحه وتبين له خطأه وضلاله وزيغه وشركه، فإذا به يستمر على ما هو عليه ولا يفكر في التغيير، لا يفكر في التغيير أبداً، ويظن أنه على شيء وأنه على هدى، وهو في الحقيقة على شرك وضلال. فهذا أمر خطير جداً: أن لا يفكر المسلم في التغيير، فإن الله سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فإذا لم يغير المسلمون ما هم عليه من الباطل، من الشرك، من البدع، من المعاصي، من الانحرافات، فإن حالهم يتردى من سيء إلى أسوأ، من سيء إلى أسوأ، كما في الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾. فالواجب على المسلم أن يسعى في تغيير ما هو عليه من خطأ ومن انحراف، لا بد من التغيير. أنت بشر، لعل عندك شيئاً من الشرك أو من البدع أو من المعاصي، فإذا علمت الحق في بطلان ذلك فواجب عليك أن ترجع إلى الحق وإلى الهدى وإلى الصواب، ولا تكن كما ذكر المؤلف ك بعض الناس ممن إذا دعي إلى التوحيد اتهم ذلكم الداعي وذلكم المصلح بأنه من أهل الضلال، وأنه من أهل الخروج على الدين، وأنه جاء بدين جديد، وما أشبه الليلة بالبارحة. فكم نسمع مثل هذه العبارات من بعض المسلمين اليوم إذا دعاهم أهل التوحيد إلى توحيد الله، اتهموهم بمثل هذه التهم الباطلة: "أتيتم بدين جديد، وأردتم أن تغيروا الدين"، وهكذا من هذه: "أنت وهابي، وأنت متشدد، وأنت كذا وكذا"، من الألقاب التي يراد بها التنفير ورد الحق. فما أشبه الليلة بالبارحة. قال: "كما حصل لهذا الشيخ نفسه، كما حصل لهذا الشيخ نفسه"، يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى. أتى في مجتمع قد كثرت فيه الشركيات والأضرحة والقبور والتعلق بها، فوجد في مجتمع يعج بالشركيات وبالخرافات وبالخرافات، فأتى وصدع بالحق بالكلمات والخطب والرسائل والمكاتبات حتى شاع وذاع عصيته، فعادوه من قبل هؤلاء الجهال، فرموه بهذه التهم: فمنهم من كفره، ومنهم من بدعه، ومنهم من فسقه، وهكذا وهكذا، بشتى هذه التهم رمي رحمه الله تعالى. فصبر، فصبر واحتسب رحمه الله تعالى، فنصره الله ورفع قدره، وكذلك جعل له القبول، وكذلك المحبة في قلوب الناس إلى يومنا هذا، إلى يومنا هذا. والشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى يعد علماً من أعلام هذه الأمة ومجدداً من مجدديها، رحمه الله تعالى. قال: "كما حصل لهذا الشيخ نفسه لما حاول رحمه الله أن يرد الناس إلى القرآن وما دل عليه القرآن، ويغير ما هم عليه من العادات والتقاليد الباطلة، قال: ثاروا في وجهه"، يعني أهل الشرك والخرافة، "ثاروا في وجهه وبدعوه وفسقوه بل وكفروه، واتهموه باتهامات". لكن في الحقيقة هذا لا يضر وليس بغريب، فإن الأنبياء قيل فيهم ما هو أشد من ذلك، بل منهم من قتل، ومنهم من سجن، ومنهم من نفي، ومنهم من قيلت فيه الكلمات العظيمة، أن نقول إلا أن نقول: ﴿ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ﴾، وذاك يقولون في حقه: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾. وهكذا اتهموا الأنبياء بتهم عظيمة وتهم كبيرة، فصبروا، صلوات الله وسلامه عليهم، فنصرهم الله، فنصرهم الله، وكذلك كان لهم من الأتباع ومن الأنصار. وهكذا أتباع الرسل، أتباع الرسل يجب أن يقتدوا بهؤلاء الأنبياء، وأن يعلموا أن هذا الطريق هو طريق الأنبياء، طريق الشهداء، طريق الصالحين، فلا بد أن يسلك مسلكهم، ولا بد أن يوطن نفسه أنه سيحصل له في طريقه ما حصل للأنبياء والمرسلين وأتباع الأنبياء، فما عليه إلا بالصبر، كما هو حال هؤلاء العلماء: صبروا، وكذلك تحملوا الأذى في سبيل الله، فنصرهم الله وجعلهم أئمة. وهذا مصداق قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾. قال: "لكن في الحقيقة هذا لا يضر وليس بغريب، فإن الأنبياء... قال: فإن الأنبياء قيل فيهم ما هو أشد من ذلك، لما أرادوا أن يغيروا ما عليه الأمم من عبادة غير الله، قيل في حق الأنبياء ما قيل، فكيف بالدعاة والعلماء؟ فلا غرابة في هذا، وهذا لا ينقص من أجري...". هنا مكتوب عندنا "من أجلي"، كأن صوابه "من أجري"، ليس من أجلي، ليس بالله بالراء. قال: "وهذا لا ينقص من أجر العالم والداعية، بل هذا يزيد في حسناته عند الله سبحانه وتعالى. أنت لما تدعو إلى الله، مجرد دعوتك إلى الله عز وجل هذا أجر عظيم، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾، هذا أجر وفضل عظيم. ﴿ مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ﴾، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». هذا مجرد الدعوة، الله عز وجل فيها هذا الأجر العظيم. وإذا أذيت في سبيل هذه الدعوة، دعوة الأنبياء والرسل، فهذا الأذى إن صبرت واحتسبت، لك به أجر عظيم: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. فإن قيل عنك أنك كذا، أنك... يعني صاحب فتنة، أو أنك صاحب دنيا، أو أنك صاحب أغراض، أو أنك كذا وكذا، وأنت تدعو إلى الله، والله عز وجل يعلم نيتك، والله سبحانه وتعالى يعلم أنك تريد وجهه سبحانه وتعالى، فإذا صبرت واحتسبت، يرجع هذا الذن... ويرجع هذا التنقص أجر تناله من الله سبحانه وتعالى، هذا فضل عظيم. فهذا مما يواسى به الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا مما يشحذ الهمم، يشحذ همة الداعي. الله عز وجل... لا تقل: أنا إذا دعوت سيعاديني الناس، وسيتكلمون علي، وسيقولون عني كذا وكذا. أنت ما تريد الأجر، ما تريد الثواب من الله عز وجل، هذا أعظم باب من أبواب نيل الحسنات والأجور من الله سبحانه وتعالى، فما عليك إلا أن تصبر وأن تحتسب. قال: "وإنما يرجع بالنغص على من قاله ومن تفوه به وكتبه، فإن هذا يرجع عليه، الذي يتكلم بالباطل أو يؤذي عباد الله الصالحين، فإن هذا الأذى وهذا القول يرجع عليه، ويتحمل به الأوزار، يتحمل به الأوزار. فأنت لا تبالي به، فأنت لا تبالي به، بل ترحمه لأنه عرض نفسه لغضب الله سبحانه وتعالى، عرض نفسه لغضب الله سبحانه وتعالى. فأنت لا تبالي به، لا تبالي به، واستمر على دعوتك. فانظر: يتكلم عليك وهذا يؤذيك، ولك الأجر وعليه الوزر، ولك الأجر وعليه الوزر". فهذا مما يجعلك في راحة واطمئنان، وأنك لا تبالي، يقول فيك ما يقول، سواء كان بالكلام أو بالكتابة أو بالملازم أو بالأشرطة أو إلى غير ذلك. إن أنت موقن بأن ما قيل فيك باطل وأنه ليس بصحيح وليس بصواب، فهذا لا يضرك شيء، بل ينفعك هذا الكلام، ينفعك ويرفع من درجاتك، يرفع من درجاتك. قال: "قال: أما العلماء المخلصون والدعاة إلى الله فلا يضرهم ما قيل فيهم، بل يزيد في درجاتهم وحسناتهم، ولهم قدوة بالأنبياء وما قيل في حقهم وما اتهموا به، والله تعالى يقول لنبيه: ﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ﴾. إذن هذه سنة الله في حملة الحق: أنه يقال فيهم مثل هذه الألفاظ القبيحة السيئة، وهذه التشويهات، لأنهم أتوا بالحق المنزل من الله سبحانه وتعالى. ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾. قال: فالشيخ رحمه الله، يعني شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، قال: فالشيخ رحمه الله في هذه الكلمات يبين شيئاً من هذا الأمر العجيب: أن الناس يقرؤون القرآن ويكثرون من قراءته ويختمونه ويحفظونه ويرتلونه، ويركزون اهتمامهم بألفاظ القرآن وتجويده، وأحكام المد، وأحكام الإدغام، والغنة، والإقلاب، والإظهار، والإخفاء، ويعتنون بهذا عناية فائقة، وهذا شيء طيب. ولكن الأهم والمقصود ليس هذا، المقصود: تدبر المعاني. يعني ليس المؤلف بكلامه هذا يزهد من الاهتمام بكثرة القراءة، وبكثرة كذلك ختم القرآن، وبحفظ القرآن وترتيله، وبكذلك الاهتمام بألفاظ القرآن وتجويد القرآن، بكذلك الحرص على تطبيق أحكامه من المدود، ومن الغنة، ومن أحكام النون الساكنة والتنوين، ومن غيرها من أحكام التجويد. لا، ليس معنى كلام المؤلف التزهيد مما ذكر، وإنما المراد الجمع بين هذه الأمور المتقدمة وبين المقصود الأعظم من هذه التلاوة ومن هذا الترتيل، ألا وهو العمل بالقرآن. فهنيئاً لمن جمع هذه الأمور، أو من جمع هذه الأمور كلها، هنيئاً له أن يرتل القرآن، ويحفظ القرآن، ويكثر من ختم القرآن، ويجود القرآن، ويعمل بأحكام القرآن، ومع هذا يعمل بالقرآن، يعمل بالقرآن، يجمع بين هذه الأمور كلها، يجمع بين هذه الأمور كلها، فهذا لا شك أنه الأكمل. قال: "ولكن الأهم والمقصود ليس هذا، المقصود: تدبر المعاني، والتفقه في كتاب الله، وعرض أعمالنا وأعمال الناس على كتاب الله، هل هي موافقة لكتاب الله أو مخالفة؟ هذا هو المقصود الأعظم من قراءة القرآن، ألا وهو تدبر المعاني والتفقه. وهذا هو الذي حث الله سبحانه وتعالى عليه، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ﴾... قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾، يعني تعقلون ما فيه. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾، وقال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾. فتدبر القرآن والعمل بالقرآن هذا هو المقصود الأعظم الذي ينبغي أن يوليه المسلم اهتمامه، يوليه المسلم اهتمامه: أن يعمل بالقرآن الكريم، وأن يعرض أعماله على هذا القرآن. اعرض أعمالك على هذا القرآن، خصوصاً في جانب العقيدة، بجانب التوحيد: هل أنت ممن عملت بتوحيد الله عز وجل كما أمر في كتابه؟ فلا تدعو إلا الله، ولا تذبح إلا لله، ولا تستغيث إلا بالله، ولا تحلف إلا بالله، ولا تنذر إلا لله سبحانه وتعالى، وهكذا غيرها من العبادات. هل أنت كذلك، أو أنك خلاف هذا؟ ينبغي على كل مسلم أن يكون هذا اهتمامه، أن يكون هذا اهتمامه: عرض أعماله على كتاب الله، وعلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "هذا... هذا هو المطلوب: أن نصحح أوضاعنا، وأن ننبه على أخطاء الناس، لا بقصد التشهير وقصد النيل من الناس، بل بقصد الإصلاح والنصيحة. وهذا من حسن نية الداعي لله عز وجل. لا تظن أيها المسلم أن الداعي لله إذا نصحك، وإذا بين أخطاءك، فإن هذا من التشميت بك، ومن التشهير بك، لا، وإنما هذا من النصيحة، هذا من النصيحة. ومع هذا: تعمم، لا تخص، تعمم ولا تذكر خطأ فرد واحد بعينه أمام الملأ، وتقول: يا فلان، أنت عندك كذا وكذا، وأنا أنصحك أن تترك هذا الشيء، وهو عند مجموعة، وهو عند مجموعة من الناس، وهو عند مجموعة من الناس. هذا تشهير، هذا تشهير، وليس نصيحة. النصيحة أن تنصحه بمفرده، إن وجدت منه استجابة، ووجدت منه كذلك محبة للخير، إلا إذا عاند وأصر، وكان في معصيته تلك مفسداً على الإسلام والمسلمين، فلا بأس أن تحذر من خطأه، وأن تحذر من سبيله. فالأصل أن تكون النصيحة على وجه العموم، على وجه العموم: تنصح المسلمين بتوحيد الله، وبإفراد الله عز وجل بالعبادة، وتنهاهم عن الشرك، وعن خطر الشرك. وهكذا تبين الأمراض الموجودة في المجتمع، سواء كان في مسألة الربا، أو الزنا، أو اللواط، أو السرقة، أو شرب الخمور، أو تعاطي القات والمخدرات، أو غيرها من الأمراض التي هي موجودة في المجتمع. فأنت إذا نصحت في هذه الأمور، هذا من باب النصيحة... النصيحة هنا، والله تعالى..."